سيطرة الحوثي على باب المندب.. مكسب يتجاوز البعد العسكري

باب المندب
سيطرة الحوثي على جزيرة "ميون" يمنحهم قدرة على تهديد الملاحة في باب المندب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يمثّل تقدم جماعة الحوثي الأخير في الساحل الغربي، بما في ذلك السيطرة على مدينة المخا ومناطق ساحلية أخرى، والوصول حتى أقرب نقطة من محيط مضيق باب المندب، تطوراً ميدانياً ذا أبعاد تتجاوز المكاسب العسكرية المباشرة، إذ يرتبط بحسابات إستراتيجية تتعلق بالمضيق، أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

فبعد سنوات من اعتماد الجماعة على الصواريخ والطائرات المسيّرة لاستهداف السفن والمصالح المرتبطة بالملاحة في البحر الأحمر، يمنح التمدد الميداني باتجاه المخا والوصول إلى باب المندب موقعاً أقرب إلى خطوط الملاحة الدولية. 

وينظر الخبير الاستراتيجي في أمن البحر الأحمر الدبلوماسي محمد القباطي، إلى هذا التحول باعتباره انتقالاً من سياسة التأثير عن بُعد إلى محاولة فرض حضور ميداني مباشر على واحد من أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

كما يمنح السيطرة على باب المندب، الحوثيين، وفقاً لتصريحات القباطي لـ"المدن"، "ورقة ضغط جيوسياسية مهمة، نظراً للأهمية الاستثنائية للمضيق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وتعبره نسبة مؤثرة من حركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة". 

ويضيف أنه "من شأن تعزيز النفوذ في هذه المنطقة أن يرفع من الوزن التفاوضي للجماعة في أي ترتيبات أو مسارات سياسية إقليمية ودولية مرتبطة بالملف اليمني". 

وعلى المستوى المحلي، يرى القباطي، أن التمدد الحوثي على الساحل الغربي يهدف إلى إحكام السيطرة على الشريط الساحلي الممتد جنوب الحديدة، بما يتيح عزل خصوم الجماعة وتقليص هامش تحرك القوات الحكومية والمقاومة الوطنية في مناطق الساحل. كما يوفر ذلك فرصة للضغط على مدينة تعز من الجهة الغربية والتحكم في طرق الإمداد والمنافذ الحيوية المرتبطة بالساحل.

 

جزيرة ميون

واليوم الجمعة، أفاد مسؤول حكومي يمني محلي لوكالة "فرانس برس"، بأن "الحوثيين استكملوا السيطرة على منطقة باب المندب وجزيرة ميون الواقعة وسط المضيق"، مشيراً إلى أن قوارب تقل مسلحين حوثيين وصلت إلى الجزيرة بعد مغادرة القوات الحكومية لها أمس الخميس. 

كما أفاد شهود عيان بانتشار عناصر حوثية على شواطئ باب المندب، إلى جانب تسيير دوريات بمركبات عسكرية في المنطقة. 

وتقع جزيرة ميون، المعروفة أيضا باسم "بريم"، في قلب مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وتعدّ واحدة من أكثر الجزر اليمنية أهمية من الناحية الجيوسياسية والعسكرية. 

وتفصل الجزيرة بين الممرين البحريين للمضيق، أحدهما شرقي ضيق ملاصق للساحل اليمني، والآخر غربي أوسع يمثل المسار الرئيسي للملاحة الدولية بين البحر الأحمر وخليج عدن، كما تتخذ شكلاً هلالياً يتيح لها الإشراف المباشر على حركة السفن العابرة للمضيق. 

كما تنبع الأهمية الاستراتيجية لجزيرة ميون، حسب القباطي، من موقعها المتقدم وسط أحد أهم الممرات البحرية في العالم. فمضيق باب المندب يشكل حلقة الوصل بين البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، ومنه تمرّ سفن التجارة والطاقة، ما يجعله شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وحركة إمدادات النفط. 

وعسكرياً، تمنح السيطرة على الجزيرة قدرة كبيرة على مراقبة وتأمين أو تهديد خطوط الملاحة البحرية في المضيق، نظراً لإشرافها المباشر على الممرات المائية الدولية.

 

نقاط ارتكاز

من جهته، قال المحلل السياسي والخبير الاستراتيجي عبدالملك عزيز، لـ"المدن"، إن سيطرة الحوثي على باب المندب تكتسب أهمية إضافية في ظل ارتباطها بالجزر اليمنية الواقعة في البحر الأحمر، لا سيما الجزر القريبة من باب المندب، والتي تمثل نقاط ارتكاز إستراتيجية للإشراف على الممرات البحرية وحركة السفن. 

وفي البعد الإقليمي، ينظر عزيز إلى التحركات الحوثية باعتبارها محاولة لفرض معادلة ردع جديدة وإعادة رسم ميزان القوى في غرب اليمن، بما يمنح الجماعة نفوذاً أكبر في مواجهة خصومها المحليين والإقليميين. 

كما تسعى الجماعة، وفق تقديرات عزيز، إلى تكريس نفسها كقوة أمر واقع تمتلك أوراق تأثير مباشرة على أمن البحر الأحمر وأحد أهم الممرات البحرية الدولية، وهو ما يفسر الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لمعركة الساحل الغربي والتنافس المتصاعد حول باب المندب.

وتزامنت هذه التطورات مع استمرار الهجمات المتبادلة بين الطرفين في بعض الجبهات، وأفادت تقارير محلية بأن الحوثيين جددوا قصف منطقة رأس العارة الساحلية في محافظة لحج، القريبة من باب المندب، في حين تحدثت وسائل إعلام تابعة للجماعة عن غارات جوية استهدفت مطار المخا.

 

تحذيرات حكومية

في المقابل، تتصاعد التحذيرات الحكومية من تداعيات هذه التطورات، فقد أكد مندوب اليمن لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي، أن جماعة الحوثي تسعى إلى فرض واقع جديد في البحر الأحمر، محذراً من المخاطر التي تمثلها سيطرتها المتزايدة على المناطق القريبة من باب المندب، ومشددا على أن أمن المضيق يرتبط بالأمن الإقليمي والدولي.

وتشهد جبهات اليمن منذ أسابيع تصعيداً واسعاً، لا سيما في الساحل الغربي، حيث تمكن الحوثيون من التقدم في جنوبي الحديدة وأجزاء من تعز وصولاً إلى المخا والمناطق المطلة على باب المندب، بينما تواصل القوات الحكومية عملياتها في جبهات أخرى أبرزها الجوف ومأرب.

كما أعلنت القوات الحكومية اليمنية مساء أمس، أنها ستبدأ استخدام "كافة ومختلف الأسلحة والنيران" للقضاء على أي تحركات عسكرية لجماعة "الحوثيين"، ضمن "صندوق القتل" المحدد على الخريطة.

ودعت القوات اليمنية المدنيين إلى "تجنب استخدام طريق (تعز/المخا) حتى إشعار آخر، والابتعاد عن تجمعات عناصر وعتاد المليشيا الحوثية الإرهابية".

وتضع هذه التحولات باب المندب في صدارة المشهد الإقليمي، في ظل المخاوف من انعكاساتها على أمن الملاحة الدولية وحركة التجارة عبر البحر الأحمر، وسط ترقب لما ستسفر عنه التطورات في واحدة من أكثر المناطق الإستراتيجية حساسية على مستوى العالم.

كما يرى الخبراء أن تعاظم النفوذ الحوثي في باب المندب "يمنح إيران وحلفاءها ورقة ضغط إضافية"، لاسيما في ظل التوترات التي يشهدها مضيق هرمز، بما يتيح التأثير على اثنين من أهم الممرات البحرية الإستراتيجية لنقل النفط والتجارة الدولية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث