الهوية السورية: أصالة الوطن الجامع

لؤي مريودالجمعة 2026/09/11
Image-1765196811
(علي علوش - المدن)
حجم الخط
مشاركة عبر

يجب أن لا يغيب عن ذهن السوريون أنهم يعيشون بمرحلة استثنائية. فقد تخلصوا من نظام أذاقهم عقوداً طويلة من القمع والفساد، وفتح ذلك أمامهم فرصة طال انتظارها لبناء دولة تقوم على العدل والكرامة والحرية. لكن هذه الفرصة لا تعني أن كل ما سبقها قد أصبح من الماضي، ولا أن السوريين يبدأون من نقطة الصفر. فالهوية السورية الحديثة لم تتشكل الآن، ولم تولد مع التحولات السياسية التي نعيشها اليوم، وإنما تكونت عبر مسار طويل شارك فيه السوريون، بمختلف انتماءاتهم، على مدى أكثر من قرن.

 

الهوية السورية الحديثة.. تاريخ لم يبدأ اليوم

تشكل الهوية السياسية السورية الحديثة نهايات القرن الـ 19، وتبلورت عقب الحرب العالمية الأولى حين بدأت تظهر محاولات بناء دولة سورية حديثة ومؤسسات تمثل المجتمع وتعبّر عن تطلعاته. وكان إعلان المملكة السورية 1918 والمؤتمر السوري العام 1920، من أبرز المحطات في ذلك المسار، رغم قصر عمر التجربة والظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بها.

ثم جاءت الانتداب عقب معركة ميسلون 1920 وما رافقه من مقاومة سياسية وعسكرية توجت بالثورة السورية الكبرى عام 1925، ثم تبعتها مرحلة النضال السياسي ودستور 1930 التي شكلت محطات مهمة في التاريخ السوري، ليس فقط باعتبارها مواجهة مع الانتداب الفرنسي، وإنما أيضاً لأنها جمعتهم نحو هدف مشترك.

أخذت الحياة السياسية السورية شكلاً أكثر وضوحاً مع الدستور والبرلمان وتعدد التيارات السياسية. وكانت فترة الثلاثينيات والأربعينيات، مرحلة مهمة في ترسيخ فكرة الدولة والمؤسسات والحياة العامة. وفي عام 1946 تحقق الجلاء، وأصبحت سوريا دولة مستقلة تمارس سيادتها كاملة.

لم تكن تلك المرحلة خالية من المشكلات، بالطبع، لكنها جعلت سوريا تتعرف على نموذج العمل الديمقراطي. وشهدت سوريا مساحة واسعة من النقاش السياسي والصحافة والتنافس بين الأحزاب والتيارات، وهو ما ساهم في تكوين تصور مبكر للمواطنة وللدولة السورية باعتبارها دولة تتسع لأكثر أكثر من رأي.

وبدأت الحياة السياسية تضيق تدريجياً. ضمن واقع صراع محلي إقليمي إلى أن وصلنا إلى 1966، حيث دخلت البلاد في مسار مختلف تماماً. أُضعفت المؤسسات السياسية، وتراجع دور البرلمان والأحزاب، وأصبحت الدولة أكثر ارتباطاً بالسلطة الحاكمة وأجهزتها. ومع مرور الوقت، تحولت الدولة نفسها إلى وسيلة للسيطرة على المجتمع بدل أن تكون إطاراً لتنظيم حياته وحماية حقوق أفراده.

 

حماية الهوية لا تعني فرضها

حري بالجميع ان يعلم أن النقاش حول هوية سوريا في المرحلة الجديدة يجب أن يكون نقاشاً مفتوحاً وحذراً في الوقت نفسه، بمعنى أوضح لا يمكن فرض قراءة خاصة مرتبطة بتوجه فكري معين او قراءة خاصة (عقدية) وبترهيب وتجييش اعلامي على سوريا والمجتمع السوري. 

ظهر في الفترة الأخيرة بيان يتحدث عن صيانة هوية سوريا/ ومن بين موقعيه ومؤيديه أشخاص لهم مواقع رسمية في الدولة، وهو أمر يثير الاستغراب حقاً.

من الطبيعي أن يكون لدى المجتمع اهتمام بقيمه وثقافته وما يعتبره مهماً في حياته العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول حماية الهوية إلى محاولة لتحديد هوية واحدة للجميع، أو عندما يصبح طرف ما مخولاً بتحديد ما يجوز للآخرين أن يفكروا فيه أو يختاروه أو يعبروا عنه.

سوريا مجتمع متنوع، وهذه حقيقة لا يمكن تجاوزها بالشعارات. ففيها تباينات دينية ومذهبية ومناطقية وثقافية واجتماعية، كما فيها اختلاف واسع في الرؤى السياسية والفكرية.

وليس مطلوباً من السوريين أن يتخلوا عن خصوصياتهم حتى يكونوا سوريين، كما لا ينبغي لأحد أن يعتقد أن له حق احتكار الحقيقة أو الادعاء باحتكار الدفاع عنها، انطلاقاً من فهم أو تفسير خاص للهوية يتجاوز التاريخ والواقع والمجتمع، ثم تحويل هذه القراءة إلى وسيلة لإقصاء آراء الآخرين، بمن فيهم أولئك الذين يدّعي أنه يعبّر عنهم.

فالتنوع السوري لا ينتقص من وحدة المجتمع، والاختلاف في الرؤى لا يمنح أحداً حق فرض رؤيته على الآخرين أو التحدث باسمهم دون تفويض، لأن الدولة المدنية التي نرغب بها لا تعني أن المجتمع بلا قيم، ولا تعني أن الدين والثقافة والتراث يجب أن يخرجوا من المجال العام. لكنها تعني، في أبسط صورها، أن الدولة لا تنحاز إلى مواطن على حساب آخر بسبب معتقده أو خلفيته، وأن القانون هو الإطار الذي يحكم الجميع.

وهنا يأتي الفرق الكبير الذي يجب ان يدركه الجميع بين أن تكون لك مفاهيم خاصة لبعض المسائل ، وبين أن تتحول هذه المفاهيم إلى سلطة تفرض نفسها على الجميع من خلال مؤسسات الدولة.

 

لا لاستبدال استفراد باستفراد آخر

خرج السوريون من تجربة استُخدمت فيها الدولة لعقود طويلة لفرض إرادة السلطة على المجتمع. ولذلك سيكون من المؤسف أن تتحول المرحلة الجديدة إلى صراع على من يملك حق تحديد شكل المجتمع وثقافته وحياته الخاصة وبالتالي لا يريد السوريون فقط أن يتغير الأشخاص والشعارات، ثم يصلون إلى النتيجة ذاتها إذا بقيت فكرة الاستفراد موجودة.

المطلوب أن تكون الدولة حريصة على مسؤوليتها في حماية المجتمع أو في مواجهة التحريض والكراهية والتطرف. وهذه المسؤولية يجب أن تكون محددة بالقانون، لا بتفسيرات واسعة يمكن استخدامها ضد المختلفين. فكلما كانت المفاهيم فضفاضة، أصبح من السهل استخدامها بطريقة انتقائية.

الدولة التي نحتاج إليها اليوم هي دولة تحمي حقوق الناس بدل أن تختار لهم طريقة حياتهم، وتضمن حرية التعبير والمعتقد والاختلاف، ما دام ذلك يجري ضمن القانون ويحفظ حقوق الآخرين.

وهذا لا يتعارض مع احترام ثقافة المجتمع أو قيمه. على العكس، فالمجتمع الواثق من نفسه لا يحتاج إلى سلطة تراقب أفكار أفراده أو تفرض عليهم نموذجاً واحداً للحياة.

 

التنوع السوري ليس مشكلة تحتاج إلى حل

لطالما كان التنوع جزءاً من المجتمع السوري. والمدن والمناطق السورية نفسها تحمل تاريخاً طويلاً من التداخل الجميل بين جماعات وثقافات وعادات مختلفة. لذلك فإن محاولة تقديم هذا التنوع باعتباره خطراً على الدولة أو تهديداً للهوية ليست في مصلحة أحد، لأن المطلوب هو إدارة هذا التنوع بطريقة عادلة، وليس إنكاره، فالاستقرار لا ينتج من تشابه الناس، وإنما من شعورهم بأنهم متساوون أمام الدولة، وأن اختلافهم لن يكون سبباً لحرمانهم من حقوقهم.

وإذا أردنا بالفعل بناء دولة جديدة، فعلينا أن نعيد الاعتبار لفكرة المؤسسات، البرلمان، القضاء، الإدارة، القانون، حرية الصحافة والمجتمع المدني؛ هذه ليست تفاصيل ثانوية، وإنما هي الأدوات التي تمنع احتكار القرار وتتيح للناس المشاركة في تحديد مستقبل بلدهم.

 

سوريا التي نريدها

التضحيات التي قدمها السوريون خلال السنوات الماضية لم تكن من أجل تغيير أسماء أو استبدال سلطة بأخرى. كانت من أجل أن يعيش الإنسان السوري بكرامة، وأن يشعر بأن بلده ملك له مثلما هو ملك لغيره.

ولهذا فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قدر كبير من الحكمة. هناك جراح عميقة، وانقسامات تراكمت خلال سنوات طويلة، ومخاوف حقيقية لدى شرائح مختلفة من المجتمع. وأي محاولة لفرض أمر واقع جديد، سواء كان سياسياً أو ثقافياً أو اجتماعياً، ستزيد هذه المخاوف بدل أن تعالجها.

الهوية السورية التي نحتاج إليها اليوم ليست هوية تلغي الاختلاف، وإنما هوية تجعل الاختلاف ممكناً داخل وطن واحد. لا يحتاج السوري إلى أن يكون نسخة من غيره حتى يكون جزءاً من سوريا.

نريد دولة تحترم ثقافة المجتمع وتراثه، لكنها تحترم الإنسان أيضاً وحقه في الاختلاف. دولة لا تسمح بعودة الاستبداد السياسي، ولا تفتح الباب أمام استبداد من نوع آخر باسم الدين أو الأخلاق أو حماية المجتمع.

في النهاية، قيمة الهوية السورية في أن تكون إطاراً يجمع السوريين ولا تتحول إلى أداة يفرض بها البعض تصورهم على البعض الآخر.

سوريا الجديدة تستحق أن تكون دولة لجميع أبنائها، لا دولة لفئة منهم. وإذا كان السوريون قد دفعوا كل هذه التضحيات من أجل استعادة بلدهم، فإن أقل ما يمكن فعله هو أن يبقى هذا البلد واسعاً بما يكفي للجميع.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث