استكملت جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) سيطرتها على منطقة باب المندب، بعد انتشار مسلحيها في جزيرة ميون الاستراتيجية الواقعة وسط المضيق ووصول قواتها إلى مدينة ذباب الساحلية، في تطور يعزز قبضتها على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وسط تصاعد المواجهة مع القوات الحكومية والسعودية وتحذيرات أممية من عودة اليمن إلى حرب واسعة النطاق.
وقال مسؤول حكومي محلي لوكالة "فرانس برس"، اليوم الجمعة، إن "قوارب على متنها مسلحون حوثيون وصلت إلى جزيرة ميون بعد انسحاب القوات الحكومية منها بالأمس"، فيما أفاد شهود الوكالة بأن مسلحي الجماعة ينتشرون على شاطئ باب المندب، ولديهم مركبات عسكرية يتجولون بها.
بدورها، نقلت وكالة "رويترز" عن مصدرين حكوميين يمنيين تأكيدهما وصول الحوثيين إلى مدينة ذباب الساحلية على مضيق باب المندب، وانسحاب القوات الحكومية من جزيرة بريم، وهي الاسم الآخر لجزيرة ميون.
قائد سنتكوم يزور السعودية
وأكد موقع "أكسيوس" الأميركي، أن قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، توجّه اليوم إلى السعودية لإجراء مباحثات تنسيق عاجلة، على خلفية التصعيد المتسارع في اليمن وتقدم الحوثيين باتجاه مضيق باب المندب.
ونقل الموقع عن مصدرين مطلعين أن زيارة كوبر جاءت بالتزامن مع تزايد القلق الأميركي من التطورات الميدانية في اليمن، لافتاً إلى أن واشنطن تعمل على تعزيز دعمها للسعودية، مع تجنّب الانخراط العسكري المباشر في مواجهة الحوثيين.
ووفق تقرير الموقع، فإن مسؤولين أميركيين أبلغوا نظراءهم السعوديين بأن توجيهات ترامب تقضي بإبقاء القوات الأميركية مركّزة على إيران وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، وتجنّب فتح جبهة عسكرية جديدة في اليمن.
تقدم سريع على ساحل البحر الأحمر
ويأتي ذلك بعد تقدم سريع أحرزه الحوثيون على الساحل الغربي لليمن، إذ سيطروا، الخميس، على مدينة المخا الاستراتيجية بعد نحو أسبوع من المواجهات العنيفة مع القوات الحكومية.
وقال مسؤول عسكري حكومي لـ"فرانس برس" إن الحوثيين واصلوا تقدمهم نحو باب المندب بعد السيطرة على المخا، فيما أفاد شهود بأن مسلحي الجماعة دخلوا المدينة. وأكد شهود للوكالة أن الحوثيين سيطروا كذلك على جزيرة زقر اليمنية في جنوب البحر الأحمر، بعد هجوم بصواريخ باليستية أعقبه هجوم بري بواسطة زوارق تحمل مقاتلين.
وفي المقابل، أفادت وسائل إعلام تابعة للحوثيين بأن الطيران الحربي السعودي شن غارتين على مطار المخا، بينما أعلن المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى السريع عن بيان مرتقب للكشف عن "عملية عسكرية واسعة ونوعية"، من دون تقديم تفاصيل إضافية.
رويترز: دور إيراني في التقدم الحوثي
وفي موازاة التقدم الميداني، أفادت "رويترز"، نقلاً عن مصادر حكومية يمنية وإيرانية، بأن الحملة الحوثية الأخيرة على ساحل البحر الأحمر تلقت دعماً وتوجيهاً من الحرس الثوري الإيراني، في إطار تصعيد أوسع ضد السعودية.
وبحسب المصادر، طلبت طهران من الحوثيين الأسبوع الماضي تصعيد هجماتهم على السعودية، ووعدتهم بمزيد من التمويل والأسلحة والدعم العسكري، فيما توجه عدد من كبار قادة الحرس الثوري إلى اليمن للمساعدة في الإشراف على العمليات، بعد مشاورات استمرت أسابيع بشأن الاستراتيجية العسكرية.
وتعتقد مصادر عسكرية يمنية أن عبد الرضا شهلائي، القيادي البارز في الحرس الثوري، يقود الجهود الإيرانية المرتبطة بالعمليات الحوثية. وأضافت المصادر أن الحرس الثوري لا يزال قادراً على نقل الأسلحة والأفراد من اليمن وإليه، رغم الحصار الجوي والبحري المفروض على مناطق سيطرة الجماعة.
وفي حين تحدثت بعض المصادر عن دور مباشر للحرس الثوري في توجيه الحملة الجديدة على ساحل البحر الأحمر، قالت مصادر أخرى إن قرار التحرك للسيطرة على المخا اتخذه الحوثيون أنفسهم، رغم التنسيق القائم مع طهران. وأشارت إلى أن التقدم الحوثي يصب في مصلحة إيران من خلال زيادة الضغوط التي تساهم في رفع أسعار النفط وإلحاق الضرر بالولايات المتحدة والسعودية.
السعودية تحذر من تهديد الملاحة
وقالت مصادر لـ"رويترز" إن الحكومة اليمنية طلبت مزيداً من الدعم الجوي والمساعدات العسكرية من السعودية مع بدء تقدم الحوثيين نحو المخا الأسبوع الماضي، وسعت إلى دفع الرياض لشن حملة جوية على أهداف للجماعة في معاقلها، بما في ذلك صنعاء.
لكن المملكة اكتفت، وفق المصادر، بتقديم دعم لوجستي واستخباراتي وأسلحة، إلى جانب تنفيذ غارات جوية محدودة، في ظل حرص الرياض على تجنب تصعيد واسع قد يدفع الحوثيين إلى تكثيف هجماتهم بالصواريخ والطائرات المسيّرة على الأراضي السعودية.
وفي مجلس الأمن، حذر مندوب السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة عبد العزيز الواصل من خطورة التصعيد الحوثي وتداعياته على أمن المنطقة، مؤكداً أن هجمات الجماعة لا تستهدف أمن المملكة ومواطنيها ومنشآتها فحسب، بل تمثل أيضاً تهديداً للملاحة والتجارة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
ووصف الواصل تهديد الملاحة بأنه "سلوك إجرامي بالغ الخطورة"، داعياً مجلس الأمن إلى اتخاذ موقف واضح وحازم إزاء الهجمات، ومؤكداً أن المملكة تريد السلام لكنها لن تتهاون مع أمنها القومي.
الحكومة اليمنية تتوعد بمواصلة "الردع"
في المقابل، أكد مجلس الدفاع الوطني اليمني، عقب اجتماع عقده الخميس برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أن أي تقدم ميداني للحوثيين لن يمنح الجماعة حق فرض أمر واقع بالقوة أو تحويل مكسب ميداني مؤقت إلى واقع سياسي أو جغرافي دائم.
وقال المجلس إن المواجهة "ليست معركة موقع أو مديرية أو جبهة منفردة"، وإنما معركة وطنية شاملة لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل الأراضي اليمنية، مشدداً على رفض تحويل أي جزء من الأراضي والسواحل والجزر اليمنية إلى منصة لتهديد اليمن ودول الجوار والملاحة الدولية.
وأكد أن "عملية الردع" التي بدأتها القوات الحكومية لن تكون محصورة بجبهة أو منطقة بعينها، وأنها ستتعامل، وفق تقديراتها العسكرية وقواعد الاشتباك والقانون الدولي الإنساني، مع مصادر التهديد وتحركات الحوثيين في مختلف مسارح العمليات.
الأمم المتحدة تحذر من حرب واسعة
ومع اتساع رقعة المواجهات، حذر المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن هانس غروندبرغ، خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن الخميس، من دخول البلاد "مرحلة جديدة وخطيرة من النزاع"، مؤكداً أن خطر العودة إلى حرب واسعة النطاق "أصبح واقعاً".
وقال غروندبرغ إن اتساع نطاق النزاع والقتال في اليمن وصل إلى مستويات لم تشهدها البلاد منذ ما قبل هدنة عام 2022، في وقت يثير فيه التقدم الحوثي على ساحل البحر الأحمر ووصول الجماعة إلى باب المندب مخاوف متزايدة بشأن أمن الملاحة الدولية في أحد أهم الممرات البحرية بين المحيط الهندي والبحر المتوسط.




