لم تكن الطريقة التي دخل بها بنيامين نتنياهو البيت الأبيض في 28 تموز/ يوليو مجرد تفصيل بروتوكولي. فقد وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي عبر مدخل جانبي، وعقد لقاءً مغلقاً مع الرئيس دونالد ترامب استمر نحو 80 إلى 90 دقيقة، من دون مؤتمر صحافي أو جلسة أسئلة أو استقبال احتفالي كالذي طبع بعض لقاءاتهما السابقة.
ونشر البيت الأبيض لاحقاً صوراً رسمية من المكتب البيضاوي، فيما وصف ترامب الاجتماع بأنه جيد جداً، من دون الكشف عن تفاصيله. أما نتنياهو، فقال إنه كان واحداً من أفضل الاجتماعات التي عقدها مع الرئيس الأميركي.
وبين التحفظ الأميركي والحماسة الإسرائيلية، تظهر قصة أعمق: نتنياهو لم يفقد واشنطن، لكنه لم يعد يمتلك القدرة نفسها على توجيهها. فالرجل الذي قدم نفسه طويلاً باعتباره قادراً على مخاطبة الرئيس الأميركي من موقع الشريك، يبدو اليوم أكثر احتياجاً إلى دعم ترامب، بينما بات ترامب أحرص على تأكيد أنه صاحب القرار الأخير.
لقاء خافت ورسالة لا تخطئها العين
جاء نتنياهو إلى واشنطن للمشاركة في تأبين السناتور الجمهوري ليندسي غراهام، أحد أبرز المدافعين عن إسرائيل في الكونغرس، بعد وفاته في تموز الماضي. وكان انخفاض مستوى المظاهر الاحتفالية لافتاً، خصوصاً أن الاجتماع هو الأول بين الرجلين منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط/ فبراير.
لكن اللقاء الخافت لم يكن إعلاناً عن قطيعة. فقد بحث الرجلان المسارات العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية للتعامل مع إيران، وواصل البلدان تبادل المعلومات والتنسيق الأمني.
ويحتاج نتنياهو إلى صورة الصديق المقرب من ترامب قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول/ أكتوبر. وتظهر أحدث الاستطلاعات أن معسكره لا يملك أغلبية مضمونة، ما دفعه إلى محاولة توحيد أحزاب اليمين الصغيرة حتى لا تضيع أصواتها تحت العتبة الانتخابية.
أما ترامب، فيواجه الكلفة المتزايدة للحرب. فقد قدّر وزير الحرب بيت هيغسيث نفقاتها بنحو 38 مليار دولار، موضحاً أن الرقم يشمل تكاليف فعلية وأخرى متوقعة حتى نهاية السنة المالية في 30 أيلول/ سبتمبر.
وكذلك ارتفعت الكلفة سياسياً. ففي استطلاع رأي، رأى 60% من الناخبين الأميركيين أن العمل العسكري ضد إيران لم يكن مجدياً، وقال 48% إنَّ واشنطن تبالغ في دعم إسرائيل، وهي أعلى نسبة سجلها الاستطلاع منذ بدء طرح السؤال عام 2017. كما أظهر استطلاع لمركز بيو أن 59% من الأميركيين لديهم ثقة محدودة أو معدومة في قدرة نتنياهو على اتخاذ القرارات الصحيحة في الشؤون الدولية.
خلافات من إيران إلى تركيا وغزة ولبنان
لم يعد التباين متعلقاً بطريقة إدارة الحرب فقط. يريد نتنياهو الاحتفاظ بحرية العمل العسكري ضد إيران، ومنع تركيا من العودة إلى برنامج مقاتلات "إف-35"، وربط أي انسحاب إسرائيلي من لبنان بنزع سلاح حزب الله كاملاً.
لكنَّ ترامب أشاد بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان، وأبدى استعداداً للنظر في إعادة أنقرة إلى برنامج "إف-35"، على الرغم من الاعتراض الإسرائيلي. إلا أن اتجاه الرئيس الأميركي كان واضحاً: اعتراض نتنياهو لم يعد كافياً لفرض فيتو.
وفي لبنان، رعت واشنطن اتفاقاً أولياً يربط الانسحاب الإسرائيلي بنزع سلاح حزب الله وانتشار الجيش اللبناني. لكن التطبيق تعثر، وتمسك نتنياهو ببقاء القوات الإسرائيلية إلى حين تنفيذ الشروط الأمنية. ولا تقف واشنطن ضد هذه المطالب من حيث المبدأ، لكنها تريد تطبيقها ضمن الإطار الذي ترعاه، لا وفق جدول تحدده إسرائيل منفردة.
وظهر الخلاف بوضوح أكبر في غزة خلال آب/ أغسطس الماضي. فقد رفض نتنياهو خطة ترامب الجديدة المؤلفة من 15 بنداً، وأصر على عدم الانسحاب قبل نزع سلاح حماس بالكامل، مع أن الجيش الإسرائيلي قلّص هجماته تحت ضغط أميركي.
وجاء إحراج إضافي عندما كشف مسؤولون أنَّ الاستخبارات الأميركية لم تستطع التحقق بصورة مستقلة من بعض التحذيرات الإسرائيلية بشأن خطط إيرانية لاغتيال ترامب، وأنَّ وكالة الاستخبارات المركزية منحت بعض تلك المعلومات درجة ثقة منخفضة.
لا يثبت ذلك تضليلاً إسرائيلياً، فالأجهزة الأميركية نفسها ترى أنَّ طهران سعت إلى الانتقام من ترامب. لكنه يُضعف إحدى أدوات نتنياهو التقليدية للتأثير في القرار الأميركي: المعلومة الاستخباراتية العاجلة المقرونة بالتحذير من خطر وجودي.
نفوذ يتراجع... وتحالف لم يسقط
سيكون من المبالغة إعلان نهاية نتنياهو في واشنطن. فالحرب تؤكد استمرار التعاون العسكري والاستخباراتي، والدعم الجمهوري لإسرائيل ما زال قوياً، كما يحتفظ نتنياهو بحلفاء مؤثرين في الكونغرس. وقد تعيد أي ضربة إيرانية كبيرة ضد القوات الأميركية أو إسرائيل حججه الأمنية سريعاً إلى مركز القرار.
ما يتراجع، إذن، ليس التحالف الأميركي الإسرائيلي، بل قدرة نتنياهو الشخصية على تحديد اتجاه التحالف. فترامب يتعاون معه ضد إيران، لكنه يتجاوزه في تركيا، ويضغط عليه في غزة ولبنان، ويطالبه بالعمل ضمن أولويات أميركية أوسع. العلاقة لم تنقلب: نتنياهو شريك مهم في استراتيجية واشنطن الإقليمية، إلا أن واشنطن لم تعد تبدو امتداداً لاستراتيجيته الخاصة. وحتى الجانب الإسرائيلي بات يقرّ بأن ترامب هو الشريك الأكبر.
ومن هنا يبدأ أفول نجم نتنياهو الحقيقي، ليس عندما تغلق واشنطن أبوابها أمامه، بل عندما تستقبله، وتصغي إلى مطالبه، وتقاتل إلى جانبه أحياناً، ثم تتخذ قرارها النهائي من دونه.




