ردّت إسرائيل بتصعيد دبلوماسي حاد على العقوبات التي فرضتها بريطانيا على المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة، في خطوة ربطتها صحيفة "نيويورك تايمز" باقتراب انتخابات الكنيست ومحاولة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استثمار الضغوط الدولية المتزايدة لحشد قاعدته اليمينية.
وقالت الصحيفة إن حدة الرد الإسرائيلي لا يمكن فصلها عن الانتخابات المقررة بعد أقل من سبعة أسابيع، إذ يخوض نتنياهو معركة صعبة لإعادة انتخابه، وسط تراجع في استطلاعات الرأي وضغوط على حكومته في ملفات عدة.
وكانت بريطانيا قد أعلنت، الثلاثاء، عقوبات على المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، وقالت إن مستوطنين يشاركون في "التطهير العرقي" للفلسطينيين. ورد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر باتهام نظيره البريطاني إد ميليباند بالتحرك لـ"دوافع سياسية داخلية"، ووصف خطابه بشأن العقوبات بأنه يستند إلى "أكاذيب فاضحة".
وأمر ساعر بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس، وإخراج مسؤولين بريطانيين من مركز دولي في جنوب إسرائيل ينسق الدعم المقدم إلى قطاع غزة، كما منع دخول نحو 12 نائباً بريطانياً وشخصيات أخرى وصفها بأنها معادية لإسرائيل ومعادية للسامية.
الانتخابات وراء التصعيد
وبحسب "نيويورك تايمز"، ربما تصب الخطوة البريطانية في مصلحة الائتلاف اليميني بقيادة نتنياهو، الذي يسعى إلى توظيف الحروب التي تخوضها إسرائيل والضغوط الخارجية لتعزيز موقعه الانتخابي، وتقديم العقوبات البريطانية دليلاً إضافياً على ضرورة الالتفاف حول قيادته.
وقال الدبلوماسي الإسرائيلي السابق والمستشار لرئيسي وزراء سابقين ألون بينكاس، إن الحكومة الإسرائيلية "تستمتع بفكرة أن العالم ضدنا"، معتبراً أن ذلك تحول إلى "حالة ذهنية" ترى إسرائيل من خلالها نفسها "الضحية الدائمة"، وتدفع المسؤولين إلى إظهار التحدي والتأكيد أنهم لن يخضعوا للضغوط.
وأضاف بينكاس أن شدة رد ساعر تشير إلى إدراك إسرائيل أنها تخوض معركة دفاعية دبلوماسية، خصوصاً بعدما أعلنت 12 دولة، من بينها حليفتان تقليديتان لإسرائيل هما فرنسا وكندا، دعمها العقوبات التجارية على المستوطنات. وقال إن المسؤولين الإسرائيليين يشعرون بوجود "موجة متزايدة معادية لإسرائيل في أنحاء العالم" منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر.
ولفتت الصحيفة إلى وجود ما يشبه المنافسة داخل ائتلاف نتنياهو على اتخاذ المواقف الأكثر تشدداً، إذ اقترح وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير إغلاق القنصلية البريطانية في القدس قبل أن ينفذ ساعر الخطوة، فيما ذهب وزير المالية اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش إلى أبعد من ذلك وطالب بطرد السفير البريطاني.
ابتعاد عن حل الدولتين
ورأى دبلوماسيون إسرائيليون مخضرمون أن الرد يعكس أيضاً مدى ابتعاد الحكومة الإسرائيلية عن التفكير بحل الدولتين، رغم تأكيد بريطانيا أن العقوبات تهدف في جزء أساسي منها إلى الحفاظ على إمكانية تطبيقه.
وقال السفير الإسرائيلي السابق لدى ألمانيا جيريمي إيساخاروف إن الحكومات الإسرائيلية كانت سترد في السابق بالدعوة إلى مفاوضات مع الفلسطينيين بدلاً من الإجراءات الانتقامية الأحادية، متسائلاً: "أين الدبلوماسية؟"، قبل أن يجيب: "إنها غير موجودة".
وخلال مؤتمره الصحافي، اتهم ساعر بريطانيا باتباع "نهج أحادي الجانب ومعادٍ لإسرائيل"، من دون طرح أي مسار للمحادثات مع الفلسطينيين، مؤكداً أن الجمهور الإسرائيلي يرفض إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية، وزاعماً أن الإسرائيليين يؤيدون المستوطنات "بأغلبية ساحقة"، وأن الضغوط الدولية لن تتمكن من إزالتها.
وقال ساعر: "لم نعد إلى أرضنا بعد ألفي عام لكي نخسرها تحت ضغط الجهاديين والإسلاميين والمعادين للسامية واليساريين المتطرفين والووك".
واعتبر إيساخاروف أن مضمون موقف ساعر يعني عملياً الرغبة في تكريس "واقع الدولة الواحدة الذي نسيطر فيه على كامل أرض إسرائيل"، محذراً من أن ذلك يضع إسرائيل أمام منح الفلسطينيين حقوقاً متساوية والتخلي عن طبيعتها كدولة يهودية، أو حرمانهم من المساواة والتخلي عن طبيعتها الديمقراطية.
مخاوف من خدمة نتنياهو انتخابياً
في المقابل، رحبت شخصيات من اليسار الإسرائيلي بالإجراءات البريطانية. وقال الدبلوماسي السابق ورئيس المكتب الإسرائيلي لمنظمة "جي ستريت" نداف تمير إن إجراءات ميليباند "جيدة لإسرائيل"، معتبراً أن أي خطوة لمنع الضم و"التطهير العرقي في الضفة الغربية" ستساعد إسرائيل على أن تصبح "أكثر أمناً وأكثر أخلاقية".
لكن محللين حذروا من نتائج عكسية محتملة، أبرزها مساعدة نتنياهو في حملته الانتخابية، إضافة إلى احتمال أن تكون بريطانيا قد أهدرت جزءاً من نفوذها على إسرائيل.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن ميليباند كان بإمكانه عرض إعادة النظر في العقوبات في حال وصول حكومة إسرائيلية جديدة تكبح التوسع الاستيطاني غير القانوني، لكنه اكتفى بالقول إن لندن ستواصل "تقييم حكومة إسرائيل" أملاً في رؤية "نهج جديد".
وقال إيساخاروف إنه كان من الممكن تقديم حافز يقضي بسحب العقوبات عندما تتغير السياسة الإسرائيلية نحو الأفضل، فيما يترك تأخر دخول الإجراءات البريطانية حيز التنفيذ لمدة تتراوح بين ستة وتسعة أشهر مجالاً لبعض المرونة.
وفي المقابل، يرى اليمين الإسرائيلي أن السياسة البريطانية تناقض ادعاء لندن بأنها تريد تشجيع حل الدولتين بسبب ما يعتبره انحيازاً للفلسطينيين. وأشارت الصحيفة إلى أن ميليباند اكتفى بإشارة مقتضبة إلى ضرورة "تسريع إصلاح" السلطة الفلسطينية، ولم يتطرق إلى الهجمات التي ينفذها فلسطينيون في الضفة.
وقال السفير الإسرائيلي السابق لدى كندا آلان بيكر إن بريطانيا انحازت، برأيه، إلى الفلسطينيين إلى درجة أفقدتها ادعاء الحياد، مضيفاً أن الشعور تجاه لندن هو أن "الانتداب البريطاني انتهى عام 1948، والزمن الذي كان يستطيع فيه البريطانيون إخبار إسرائيل بما يتعين عليها فعله انتهى أيضاً".




