تحولات الموقف البريطاني من الاستيطان الإسرائيلي

الضفة الغربية (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

أعلنت الحكومة البريطانية، في 8 أيلول/ سبتمبر 2026، عن حزمة إجراءات ضد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة، تشمل حظر استيراد منتجات "المستوطنات غير القانونية"، وفرض عقوبات على أفراد وشركات تسهم في بنائها وتمويلها وتوسيعها، ومنع الترويج للعقارات فيها داخل المملكة المتحدة. وتزامن مع هذه الإجراءات تحوّل لافت للانتباه في الخطاب السياسي البريطاني؛ إذ أعلنت بريطانيا، أوّلَ مرة، أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني، واستخدم وزير الخارجية، إد ميليباند، تعبير "التطهير العرقي" لوصف تهجير الفلسطينيين من بعض مناطق الضفة الغربية بسبب عنف المستوطنين وإجراءات الحكومة الإسرائيلية.

 

أولاً: نقطة تحوّل في مسار تراكمي؟

شكّل القرار البريطاني تغييراً ملحوظاً في مسار تدريجي بدأ ببطء قبل نحو عامين، عندما اتخذت حكومة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر، في أيلول/ سبتمبر 2024، تحت ضغط الرأي العام الرافض لسياسات الإبادة التي مارستها إسرائيل في غزة، إجراءات محدودة (وشكلية أيضاً) لمعاقبة إسرائيل، تضمنت إلغاء بعض تراخيص تصدير السلاح إلى إسرائيل، وأوقفت في أيار/ مايو 2025 مفاوضات تحديث اتفاق التجارة الحرة معها، وفرضت عقوبات على شخصيات وكيانات مرتبطة بعنف المستوطنين، ثمّ شددت في عام 2026 إرشاداتها للشركات البريطانية بعدم ممارسة أنشطة اقتصادية ومالية في المستوطنات. لذلك، يُعَدّ القرار الذي أعلنه ميليباند واللغة التي استخدمها لوصف سياسات إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة تغييراً ملحوظاً في الموقف البريطاني من سياسات الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة عبر الانتقال من أدوات الضغط الدبلوماسية، والعقوبات الفردية، إلى محاولة استهداف البنية القانونية والاقتصادية التي تسمح باستمرار المشروع الاستيطاني.

 

ثانياً: أسباب التغير في الموقف البريطاني

دفعت عدة عوامل في اتجاه حصول هذا التغيير في الموقف البريطاني: أولها، التحول في البيئة القانونية الدولية بعد الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، الصادر في 19 تموز/ يوليو 2024، الذي نص على أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وقد ألزم الدول الأخرى بعدم الاعتراف بالوضع الناشئ عنه أو تقديم العون لاستمراره. ثانيها، تراكم أثر الحرب سياسيّاً وإنسانيّاً على غزة في علاقة إسرائيل بحلفائها الغربيين؛ إذ اتسعت الفجوة بين تمسُّك هذه الدول رسميّاً بحلّ الدولتين من جهة والوقائع التي ترسخها إسرائيل ميدانيّاً في الضفة الغربية من جهة أخرى، حيث ارتفع عدد المستوطنين من نحو 270 ألفاً عند توقيع اتفاق أوسلو عام 1993 إلى نحو 770 ألفاً حاليّاً، في حين تجاوز عدد الوحدات الاستيطانية التي أقرَّت خلال السنوات الأربع الأخيرة ما أقرته الحكومة الإسرائيلية خلال العشرين عاماً السابقة عليها. ثالثها، طرح مشروع E1 لبناء أكثر من 1200 وحدة استيطانية في منطقة تقع بين القدس الشرقية ومستوطنة معاليه أدوميم، وهي منطقة تَعدُّها بريطانيا ودول أوروبية أخرى شرطاً لاستمرار التواصل الجغرافي لدولة فلسطينية مستقبلية. 

لكن العامل الأبرز الذي فرض تحولاً في الموقف البريطاني هو تغيّر "المزاج العام" في بريطانيا، ولا سيما في قواعد حزب العمال، تجاه السياسات "الرمادية" التي تبنّتها حكومة كير ستارمر من حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة، والتي لا تزال مستمرة. فقد بدأ موقف الحكومة البريطانية يتأثر بالموقف من الحرب على غزة منذ الانتخابات العامة عام 2024؛ إذ على الرغم من أن حزب العمال حقق انتصاراً كبيراً في هذه الانتخابات، فإنه خسر خمسَ دوائر انتخابية لمصلحة مستقلين خاضوا حملاتهم على نحو أساسي ضد جرائم إسرائيل في غزة. وأظهرت بيانات نشرتها شبكة "سكاي نيوز" البريطانية أن حصة العمال تراجعت في تلك الانتخابات بمعدل 14.3 نقطة مئوية في الدوائر التي تزيد فيها نسبة المسلمين على 15 في المئة. وعلى الرغم من أن الانتصار الذي حققه حزب العمال قد حَجَب حجم المشكلة حينئذٍ، فإنه لم يكن ممكناً تجاهل مقدار الصدع الذي تسببت فيه الحرب على غزة بين قيادة الحزب وجزءٍ مهمٍّ من قاعدته التقليدية؛ خصوصاً بين الشباب، واليسار، والناخبين التقدميين في المدن الكبرى، ولا سيما في لندن ومانشستر، وبين المسلمين أيضاً. وقد كشف هذا الصدع عن نفسه بوضوح في الانتخابات المحلية في أيار/ مايو 2026؛ إذ خسر حزب العمال أكثر من 1500 مقعد من أصل 2600 مقعد محلّي من المقاعد التي كان يسيطر عليها. وأحدثت هذه الخسارة صدمة واسعة في أوساط الحزب، وفجّرت التمرد داخل كتلته البرلمانية التي حمَّلت قيادة الحزب، ممثلةً بكير ستارمر، مسؤوليةَ الهزيمة.

اعتبرت شرائح واسعة داخل الحزب أنّ موقفَ ستارمر "المائع" من حرب الإبادة على غزة أحدُ أبرز أسباب الخسارة المدوية للعمال؛ ما أجبره، في نهاية المطاف، على إعلان استقالته في 22 حزيران/ يونيو 2026. وقد دفع التمرد الواسع الذي جرى داخل الحزب وانتخاب قيادة جديدة إلى إحداث تغيير ملحوظ في سياسات الحكومة تجاه القضية الفلسطينية. فبعد وصول أندي بيرنهام إلى قيادة الحزب، خلفاً لستارمر، وتولّيه رئاسة الحكومة، لم يتعامل مع غزة باعتبارها ملفّاً آخر في سياسته الخارجية فحسب، بل باعتبارها أيضاً مشكلة داخلية لحزب العمال. وقبل وصول بيرنهام إلى رئاسة الحكومة، اعترف صراحةً بأن حزب العمال "لم يتعامل بطريقة صحيحة" مع مأساة غزة، واعتذر عن موقف الحزب من الحرب، وتعهّد بممارسة ضغط أكبر على إسرائيل لتغيير سياساتها. وكانت تلك محاولة واضحة من جانب الحكومة الجديدة لاستعادة القاعدة الانتخابية التي تخلّت عن الحزب بسبب موقف حكومة ستارمر من غزة. وقد أظهر استطلاع للرأي في ذلك الوقت أن ثلثَي ناخبي حزب العمال الذين تحولوا لاحقاً إلى دعم حزب الخضر ذكروا غزة بوصفها سبباً لتخلِّيهم عن التصويت لحزب العمال.

خلال العامين اللذين تولى فيهما ستارمر رئاسة الحكومة، تمحورت استراتيجيته حول انتقال الحزب نحو الوسط، بافتراض أن الناخبين الموجودين إلى يسار الحزب ليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه، لكن غزة أثبتت خطأ ذلك؛ إذ صوت الناخبون، كما أوضحت نتائج انتخابات أيار/ مايو 2026، لحزب الخضر، أو للمستقلين، وفي حالات أخرى امتنعوا عن التصويت. وقد كلّف هذا الموقف حزب العمال خسارة مدوية. ومن هنا، يمكن فهم اعتذار بيرنهام عن سياسة الحزب تجاه غزة باعتباره إقراراً بأن السياسة الخارجية أصبحت لها تكلفة انتخابية، فقد صار على الحكومة أن تحسب موقفها من إسرائيل؛ ليس على أساس علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية أو اعتبارات السياسة الخارجية فحسب، بل أيضاً على أساس تأثيره في صناديق الاقتراع. فبالنسبة إلى بيرنهام، لم تَعُد القضية الفلسطينية مجرد مسألة يجب إدارتها بحيث لا تضر بالعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، بل أصبحت أيضاً جزءاً من إعادة بناء التحالف الاجتماعي والانتخابي لحزب العمال. وبهذا المعنى، يمكن القول إن الموقف من فلسطين أسهم في إعادة تشكيل التوازنات داخل حزب العمال نفسه، وهذا يفسر أيضاً قوة موقع بيرنهام داخل الحزب. فقد حصل، في سياق التنافس على قيادة الحزب، على دعم واسع من النقابات والهيئات المرتبطة بالعمال، والتي أدّت دوراً محوريّاً في جعل الموقف من فلسطين قضيةً انتخابية بامتياز، ليصبح بيرنهام بذلك المرشح الوحيد القادر على جمع الدعم البرلماني المطلوب.

 

ثالثاً: طبيعة التحول ودلالاته

يكمن التحول الفعلي في القرار البريطاني في مسألتَين مترابطتين لا ينبغي الخلط بينهما. الأولى، قانونية، وهي تتمثل في الانتقال من اعتبار المستوطنات وحدها غير شرعية إلى اعتبار استمرار الاحتلال نفسه وضعاً غير قانوني، وهو ما يوسع القاعدة القانونية التي تستند إليها بريطانيا؛ من نطاقٍ ضيّق يتعلق بأنشطة محددة إلى نطاق أوسع يشمل طبيعة السيطرة الإسرائيلية ذاتها. الثانية، سياسية، وتتمثل في استخدام عبارة "التطهير العرقي" في وصف نمطٍ من التهجير شمل أكثر من 65 تجمعاً فلسطينيّاً ونحو أربعة آلاف فلسطيني منذ عام 2023؛ ما يمثّل انتقالاً من إدانة ممارسات فردية للمستوطنين إلى توصيف نمطٍ ممنهج مرتبط بسياسات الدولة، من دون أن تذهب بريطانيا إلى حدِّ تعميم هذا التوصيف على مجمل السياسة الإسرائيلية. بمعنى أن بريطانيا لم تَمسَّ علاقاتها التجارية والأمنية مع إسرائيل داخل حدود 1967، ولم تُعلّق التعاون العسكري والاستخباراتي القائم بينهما، ولم تتجه نحو مقاطعة شاملة أو فرض عقوبات على مؤسسات الدولة الإسرائيلية ذاتها. وبذلك، يظل القرار محصوراً في هامش السياسة الاستيطانية، من دون أن يمتد إلى جوهر العلاقة الثنائية. وهذا التمييز الحادّ بين معاقبة الاستيطان والحفاظ على العلاقة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر هو ما يجعل وَصْف القرار بأنه تغيير مرتبط بالتصعيد الاستيطاني في الضفة الغربية من قبيل الوصف الدقيق، من دون أن يشمل، حتى الآن، عموم السياسات الإسرائيلية.

يضاف إلى ذلك أن تأثير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة البريطانية في الاقتصاد الإسرائيلي، وحتى في اقتصاد المستوطنات، تظل محدودة جدّاً، فصادرات المستوطنات إلى بريطانيا صغيرة جدّاً مقارنةً بحجم التبادل التجاري الثنائي، وهي تتركز أساساً في منتجات زراعية، مثل التمور والحمضيات والنبيذ. غير أن قياس أثر القرار في حجم التجارة بين البلدين يغفل البعد الأهم فيه، وهو السابقة التي يؤسس لها؛ ذلك أن ثمة فارقاً نوعيّاً بين وضع علامات تميز منتجات المستوطنات، وهو إجراء سبق لدول أوروبية عدة اعتماده من دون أن يمسَّ بنية العلاقة من جهة، وتبنّي مبدأ عام مفاده أن الدولة نفسها لا ينبغي لها أن تجيز علاقات اقتصادية تسهم في استدامة نشاط استيطاني غير قانوني من جهة أخرى. فإذا امتد هذا المنطق مستقبلاً إلى قطاعات التمويل والتأمين والاستثمار والشركات الإسرائيلية الدولية المرتبطة بالمستوطنات، فإن التكلفة الفعلية قد تتجاوز حجمها الحالي كثيراً. 

 

رابعاً: الرد الإسرائيلي ودلالاته 

جاء الرد الإسرائيلي أكثر حدّة مما توحي به أهمية الناحية الاقتصادية المحدودة بالنسبة إلى الإجراءات. فإسرائيل ترفض بشدة أن تتعرض لأي نوع من العقوبات في الدول الديمقراطية، وتخشى أن تصبح هذه سابقة تشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة، حتى لو كانت ذاتَ أثرٍ معنوي فحسب؛ إذ أعلنت إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإنهاء مشاركة بريطانيا في آلية التنسيق التي تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، ومنعت عدداً من الشخصيات البريطانية من دخول أراضيها، في حين وصف وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر القرار بأنه تدخُّل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، ورفض توصيف "التطهير العرقي"، واعتبره اتهاماً كاذباً. ولا يمكن تفسير هذه الحدة في ردة الفعل الإسرائيلية من خلال ربطها بالتكلفة الاقتصادية المباشرة، بل إنها تأتي نتيجةً لإدراك إسرائيلي بما يحمله القرار من مخاطر سياسية وقانونية على مشروع دمج المستوطنات في الدولة. فكلما اتسع التمييز الدولي بين إسرائيل داخل حدود 1967 والأراضي العربية المحتلة، ازدادت صعوبة تحويل واقع الضم الفعلي الجاري في الضفة الغربية إلى أمر واقع يحظى بقبول دولي، وهو ما يفسر لجوء إسرائيل إلى الرد الحادّ في محاولة لردع أي تمدد لهذا المنطق نحو اعتماده من جانب دول أخرى، خصوصاً في أوروبا التي بدأت تتذمر أكثر من استمرار السياسات الإسرائيلية الهادفة إلى القضاء على أي إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة، علماً أن القرار البريطاني جاء بالتنسيق مع فرنسا وكندا، وصدور بيان مشترك عن اثنتي عشرة دولة أوروبية، من بينها الدنمارك وفنلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد، بشأن إعلان نيتها اتخاذ قيود وطنية أو دعم قيود أوروبية على التجارة مع المستوطنات.

 

خاتمة

ربما لا يعكس القرار البريطاني بالضرورة تحولاً جوهريّاً في علاقة بريطانيا بإسرائيل. ومع ذلك، فإنه يمثل تحولاً دالّاً في اللغة والأداة؛ فهو ينقل السياسية البريطانية من موقع الإدانة اللفظية إلى موقع أكثر التزاماً بترتيب آثار اقتصادية وقانونية على استمرار الاستيطان. وهذا لا يمنع حصول تغيُّر أعمق في السياسة البريطانية في المستقبل، خاصة أن حكومة أندي بيرنهام تبدو بصدد محاولة بناء معادلة مختلفة تتمثل في استعادة البعد الاجتماعي والاقتصادي التقليدي لحزب العمال في الداخل، مع سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن الولايات المتحدة في قضايا مثل قضية فلسطين، من دون القطيعة معها. وفي المدى المنظور، يُرجَّح أن يبقى التحرك البريطاني في حدود ائتلاف غربي مَرنٍ يضم بريطانيا وفرنسا وكندا ومجموعة من الدول الأوروبية المتوسطة والصغيرة، ويُرجَّح أيضاً أن يتحرك ضمن إجراءات وطنية متوازية، من دون أن يتحول إلى سياسة أوروبية موحدة، بسبب معارضة ألمانيا تحديداً. وسيتوقف تطور هذا المسار على متغيرين رئيسين، هما: مدى استعداد هذا الائتلاف لتوسيع نطاق إجراءاته من التجارة السلعية إلى التمويل والاستثمار والشركات المرتبطة بالاستيطان، ومدى استمرار وتيرة التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وتحديداً مشروع E1، في توليد ضغطٍ سياسي داخلي كافٍ لاتخاذ إجراءات عقابية أشد ضد إسرائيل، ودفع مزيد من العواصم الأوروبية إلى الانضمام. ولكن في غياب هذين الشرطَين، يبقى القرار البريطاني سابقة سياسية، وإن كانت مهمة، لا ترقى إلى مستوى أداةٍ ضغطٍ فعلية قادرة على تغيُّر حسابات إسرائيل في المدى القريب. وفي مقابل ذلك، لا ينبغي التقليل من أهمية هذه السابقة ومن إمكان تطورها تحت ضغط رأي عام لا يقبل بالجرائم التي ترتكبها إسرائيل في فلسطين. 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث