اقترب الحوثيون، اليوم الخميس، من إحكام السيطرة على مدن ساحلية استراتيجية بينها المخا وذوباب، في تقدم من شأنه تعزيز نفوذ الجماعة على مضيق باب المندب، بالتزامن مع تصاعد المواجهات مع القوات اليمنية المدعومة من السعودية إلى مستويات تهدد بإعادة البلاد إلى حرب شاملة.
ونقلت وكالة "رويترز" عن أربعة مصادر عسكرية في الحكومة اليمنية قولها إن الحوثيين المتحالفين مع إيران باتوا أقرب إلى تعزيز نفوذهم على باب المندب، أحد أهم الممرات العالمية لنقل السلع والطاقة، مع اتجاه القتال مع القوات المدعومة من السعودية نحو العودة إلى حرب واسعة.
وقالت المصادر إن الحوثيين يقتربون من فرض سيطرة كاملة على مدن ساحلية تقع مباشرة على امتداد المضيق، بينها ميناء المخا التاريخي ومدينة ذوباب، في إطار تقدم يهدف إلى السيطرة على كامل الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر.
ويأتي التقدم في وقت تصاعدت فيه، خلال الأيام الأخيرة، المواجهات بين الحوثيين والقوات اليمنية المتحالفة مع السعودية والمنضوية في الحكومة المعترف بها دولياً، ما يفتح، بحسب "رويترز"، جبهة ثانية ضمن الصراع الإقليمي المرتبط بالحرب على إيران، ويهدد بمزيد من الاضطراب في إمدادات الطاقة العالمية.
معارك تعز والطريق إلى المخا
من جهتها، قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن أعنف المعارك خلال الأيام الأخيرة تركزت في غرب محافظة تعز، ونقلت عن مسؤولين عسكريين يمنيين قولهم إنهم يعتقدون أن الهجوم الحوثي في المنطقة يأتي ضمن محاولة للوصول إلى مدينة المخا، الواقعة على مسافة تقل عن 50 ميلاً من مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.
وذكرت الصحيفة أن تصاعد المواجهات بعد أسابيع من التوتر المتزايد يدفع اليمن مجدداً باتجاه حرب واسعة، بعد نحو أربع سنوات من الهدوء النسبي الذي أعقب هدنة عام 2022.
وأشارت إلى أن الحرب بين الحوثيين والحكومة اليمنية بدأت عام 2014، عندما سيطرت الجماعة على العاصمة صنعاء، قبل أن تتدخل السعودية عسكرياً على رأس تحالف في العام التالي، ليدخل اليمن حرباً طويلة انتهت إلى انقسام فعلي للبلاد، مع سيطرة الحوثيين على مساحات واسعة من الشمال.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن المحلل السياسي المتخصص في الشأن اليمني محمد الباشا قوله إن الغارات التي شهدتها الأيام الأخيرة تمثل بعضاً من أهم موجات الهجمات منذ هدنة 2022، معتبراً أنها تظهر أن الصراع ينزلق بسرعة باتجاه حرب شاملة.
باب المندب في قلب الصراع
وبحسب "رويترز"، يمثل باب المندب، المعروف أيضاً باسم "باب الدموع" بسبب خطورة الملاحة فيه، البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويقع بين اليمن في شبه الجزيرة العربية وجيبوتي وإريتريا على الساحل الأفريقي، ما يجعل السيطرة على ساحله اليمني مكسباً استراتيجياً كبيراً للحوثيين، الذين يسيطرون على معظم مناطق شمال اليمن والمناطق الأكثر كثافة سكانية في البلاد.
وقالت الوكالة إن المضيق يمثل أحد أهم الممرات العالمية لنقل النفط الخام والوقود من الخليج باتجاه البحر المتوسط عبر قناة السويس أو خط أنابيب "سوميد" على الساحل المصري للبحر الأحمر، كما تمر عبره شحنات وسلع متجهة إلى آسيا، بينها النفط الروسي.
وأضافت أن تعطيل الممر من شأنه زيادة الضغوط على طرق تصدير النفط بالنسبة إلى دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، بعد أن أغلقت إيران فعلياً مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان البحري الرئيسي لإمدادات الطاقة بين آسيا وأوروبا.
وفي السياق نفسه، قالت "نيويورك تايمز" إن الحوثيين أطلقوا، على ما يبدو، هجوماً للسيطرة على طرق الملاحة المؤدية إلى البحر الأحمر، مستفيدين من الأزمة التي تواجهها حركة التجارة عبر هرمز بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وأشارت الصحيفة إلى أن الحوثيين استهدفوا كذلك منشآت طاقة سعودية وفرضوا حصاراً على حركة السفن السعودية عبر البحر الأحمر، ما دفع المملكة إلى الرد عسكرياً.
وأظهرت بيانات أولية لتتبع السفن نشرتها "رويترز"، الخميس، عبور 28 سفينة بضائع باب المندب الأربعاء، وهو مستوى قريب من متوسط الأيام العشرة السابقة البالغ 27 سفينة، فيما تراجعت حركة العبور في هرمز إلى سبع سفن فقط، مقابل متوسط بلغ 14 سفينة خلال عشرة أيام.
عشرات الغارات على اليمن
وقالت "نيويورك تايمز" إن المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع أعلن تنفيذ الطائرات السعودية 54 غارة على خمس محافظات يمنية، بينها صعدة والبيضاء الخاضعتان لسيطرة الجماعة، إضافة إلى تعز ومأرب والجوف.
كما نقلت الصحيفة عن قناة "المسيرة" التابعة للحوثيين قولها، في وقت لاحق الأربعاء، إن عدد الغارات بلغ 70، مشيرة إلى أنها لم تتمكن من التحقق بصورة مستقلة من هذه الحصيلة. وفي المقابل، قالت الصحيفة إن الجيش اليمني أعلن تنفيذ غارات في بعض المناطق نفسها خلال الساعات الأربع والعشرين السابقة.
السعودية: الدبلوماسية قائمة لكننا سندافع عن أنفسنا
وقالت "نيويورك تايمز" إن المسؤولين السعوديين يؤكدون أنهم سعوا إلى تجنب حرب مباشرة جديدة مع الحوثيين، بعدما تحولت الحملة العسكرية التي أطلقتها المملكة ضد الجماعة عام 2015 إلى حرب طويلة ومكلفة لم تنجح في إزاحتها.
ونقلت الصحيفة عن محللين قولهم إنه رغم تأكيد الرياض أن باب الدبلوماسية لم يغلق، فإن خفض التصعيد أصبح أكثر صعوبة مع اتساع المواجهات.
وقال وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال زيارة إلى موسكو الثلاثاء، بحسب الصحيفة، إن المملكة "ستدعم دائماً السلام والحلول الدبلوماسية، لكنها لن تتردد في الدفاع عن نفسها".
اتفاقية مكة أمام اختبار
ويأتي ذلك بعد توقيع السعودية وتركيا وباكستان، الشهر الماضي، اتفاقية للدفاع المشترك تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث اعتداءً عليها جميعاً.
ونقلت "رويترز" عن وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قوله إن امتداد الهجمات إلى الأراضي السعودية يمكن أن يؤدي إلى تفعيل الاتفاق، مؤكداً أن "العدوان على دولة واحدة سيُعتبر عدواناً على الدول الثلاث".
لكن المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية سجاد حيدر خان قال، إنه لا توجد حالياً مناقشات بشأن رد عسكري باكستاني بموجب الاتفاقية على هجمات الحوثيين.
وقال خان خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي: "لا يوجد نقاش حول هذا الأمر حالياً... عندما يحين الوقت، سنتحرك بموجب الاتفاقية"، مضيفاً أنه لا توجد كذلك خطط في الوقت الراهن لتوسيع التحالف.
وبحسب مصادر تحدثت إلى "رويترز"، تسعى باكستان في الوقت الراهن إلى حل دبلوماسي ومنع وصول التصعيد إلى مرحلة تضطر فيها الرياض إلى مطالبة إسلام آباد بدور عسكري أكثر نشاطاً في الدفاع عنها. وقال دبلوماسي إقليمي للوكالة إن الضغط الإيراني والحوثي قد يؤدي إلى نتيجة عكسية عبر دفع السعودية وباكستان وتركيا ودول أخرى متحالفة مع الولايات المتحدة نحو تنسيق أمني أوثق.
ويأتي التصعيد في اليمن فيما تواجه حركة الطاقة والتجارة في المنطقة ضغوطاً متزامنة عبر مضيق هرمز والبحر الأحمر. وقالت "رويترز" إن القتال بين السعودية والحوثيين بات يمثل جبهة ثانية تهدد إمدادات الطاقة في الشرق الأوسط، بالتزامن مع استمرار الحرب على إيران وتعطل جزء كبير من حركة الشحن عبر هرمز.




