هل تصمد إيران بوجه عقوبات ترامب؟

المدن - عرب وعالمالأربعاء 2026/09/09
Image-1776958920
توقعات بانكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لم تؤدِّ العقوبات الأميركية المتصاعدة، رغم آثارها الثقيلة على الاقتصاد الإيراني، إلى انهيار النظام في طهران كما تأمل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إذ أظهرت إيران خلال السنوات الماضية قدرة على التكيف مع القيود الاقتصادية والحفاظ على قطاعات من اقتصادها، حتى مع تراجع النمو وارتفاع التضخم وتدهور مستويات المعيشة. لكن الحرب الحالية تضيف ضغوطاً تتجاوز ما يمكن للعقوبات وحدها أن تسببه، بعدما طالت الضربات منشآت صناعية حيوية وأعاقت التجارة والاستيراد.

ففي 24 آب/أغسطس الماضي، سعت إدارة ترامب إلى تصوير اليوم باعتباره "يوم القيامة لإيران اقتصادياً"، بالترويج لفكرة أن حزمة العقوبات والإجراءات غير المسبوقة ستدمر الاقتصاد الإيراني. وقال وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت في ذلك اليوم: "نحن نشن هجوماً اقتصادياً كاسحاً يستهدف الروابط المالية لإيران حول العالم... هدفنا هو قطع كل شريان حياة اقتصادي يُبقي هذا النظام المستبد قائماً".

لكن هذا التهديد ليس جديداً. ففي نيسان/أبريل الماضي، قال بيسنت إن الولايات المتحدة "تفرض حصاراً مالياً خانقاً على النظام الإيراني"، في إطار ما أطلق عليه البيت الأبيض اسم "عملية الغضب الاقتصادي". وكان المشهد تكراراً لما فعلته إدارة ترامب الأولى عندما أعلنت إطلاق حملة "الضغط الأقصى" على إيران في أيار/مايو 2018، حين قال وزير الخارجية الأميركية آنذاك مايك بومبيو، إن إيران ستواجه "أقوى عقوبات في التاريخ".

 

عقوبات لم تُسقط الاقتصاد

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين أفيرز" الأميركية، قال إسفانديار باتمانغليج، مؤسس مؤسسة "بورصة أند بازار" ورئيسها والأستاذ غير المتفرغ في كلية "جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة"، إن الاقتصاد الإيراني "عانى، بلا شك"، من تبعات هذه الإجراءات الأميركية.

وعانت إيران من نمو اقتصادي ضعيف ومستويات تضخم مرتفعة، كما تراجع الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، وقلصت الشركات الإيرانية اعتمادها على التقنيات الحديثة مقارنة بنظيراتها في الاقتصادات النامية. أما الأسر الإيرانية التي كانت تتمتع بمستوى معيشي جيد، فهي تواجه الآن خطر الانحدار إلى ما دون خط الفقر الرسمي.

ومع ذلك، نجحت إيران في أغلب سنوات العقد الماضي في الصمود أمام سياسة الإكراه الاقتصادي الأميركية، إذ لجأت إلى أساليب الالتفاف على العقوبات لمواصلة تصدير النفط إلى شريكها التجاري الأبرز، الصين.

كما تكيفت قطاعاتها غير النفطية مع العقوبات؛ إذ أدى انخفاض قيمة الريال الإيراني إلى تراجع حدة المنافسة من السلع المستوردة، مما عزز القدرة التنافسية للمنتجات الإيرانية في الأسواق الإقليمية ودفع عجلة الصادرات. وبذلك، تجنبت إيران الانهيار الاقتصادي الجامح الذي شهدته دول أخرى خضعت للعقوبات الأميركية، مثل سوريا وفنزويلا.

 

الحرب تضاعف الضغوط

أما الآن، فتختبر الحرب قدرة الاقتصاد الإيراني على الصمود بطرق لم تكن العقوبات وحدها قادرة على تحقيقها؛ فقد استهدفت غارات جوية أميركية وإسرائيلية عديدة منشآت صناعية حيوية، بما في ذلك بعض أهم مصانع الصلب والبتروكيماويات في إيران.

وأسفرت هذه الهجمات عن توقف كبير في إنتاج سلع صناعية رئيسة، كما لم يقتصر أثر الحصار البحري الأميركي على خفض الصادرات الإيرانية فحسب، بل أدى أيضاً إلى عرقلة استيراد سلع رأسمالية واستهلاكية تشتد الحاجة إليها.

ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي الأخيرة، من المتوقع انكماش الاقتصاد الإيراني بنسبة 5.4% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي، مقابل انكماشه بأقل من نصف هذه النسبة في العام الماضي. كما ارتفع معدل التضخم السنوي من 52.6% في كانون الأول/ديسمبر الماضي إلى 88.6% بحلول الصيف الحالي.

ورغم تدهور الوضع الاقتصادي في إيران، ما زال نظام الحكم أكثر قدرة على مقاومة الآثار القسرية للعقوبات الأميركية مما بدا للوهلة الأولى؛ إذ لم تؤثر حالة الاقتصاد السيئة على قدرة إيران على خوض الحرب.

ولا تزال مخزونات السلع المختلفة وفيرة بفضل سنوات من الخبرة في التعامل مع العقوبات، كما نجحت الدولة الإيرانية، بما تمتلكه من أدوات قمع قوية، في تحميل المواطنين العاديين جانباً كبيراً من الأعباء الاقتصادية مع ضمان تلبية احتياجاتها الخاصة في الوقت ذاته.

وبعبارة أخرى، يمكن لنهج ترامب بالتأكيد أن يفاقم معاناة معظم الإيرانيين ويزيد من فقرهم، لكنه لا يستطيع خنق الجمهورية الإسلامية نفسها، بحسب باتمانغليج.

 

كلفة العقوبات على الأسر

ويعترف المسؤولون الإيرانيون بالصعوبات الاقتصادية التي تواجهها البلاد. وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: "بغض النظر عن قوتنا العسكرية، فإننا لن نصمد إذا جاع الشعب أو توقفت دورة الأموال والنمو الاقتصادي والإنتاج المحلي".

وقد استخدم بيسنت تصريح قاليباف دليلاً على تحقيق الحرب الاقتصادية الأميركية التأثير المطلوب. وفي مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، أعرب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، عن إحباطه من إنكار بعض القادة السياسيين الإيرانيين للأضرار الناجمة عن العقوبات، وقال: "يقول البعض إن العقوبات ليس لها تأثير على الإطلاق، حقيقة لا أعرف ما هذا الذي يقولونه للشعب".

بيد أن التقييمات الأميركية للاقتصاد الإيراني وفعالية سياسات الإكراه الاقتصادي تغفل الطريقة التي أعادت بها العقوبات تشكيل الاقتصاد السياسي في إيران، إذ غيرت توزيع الموارد الاقتصادية بما يعزز هيكل السلطة القائم.

فالقادة الإيرانيون الذين يرفعون أصواتهم أكثر من غيرهم بشأن معاناة عامة الناس لا يخشون انهياراً اقتصادياً وشيكاً للبلاد، لكنهم يعترضون على التوافق السياسي الذي أتاح للنخب الإيرانية تحميل عامة الناس عبء الضغوط الناجمة عن العقوبات.

وبعبارة أخرى، فإن قاليباف وبزشكيان يشتكيان من التبعات الاجتماعية للسياسة التي حققت النتائج المرجوة منها إلى حد كبير.

 

مؤشرات الاقتصاد لا تكفي

كما أن التقييمات الأميركية للاقتصاد الإيراني تغفل ديناميكيات بالغة الأهمية، فعادة ما يجري رصد آثار العقوبات من خلال مؤشرات الاقتصاد الكلي، مثل معدلات النمو والتضخم وانخفاض قيمة العملة، وهذه المقاييس تقدم نظرة مالية لا وظيفية للاقتصاد.

ولتبنّي منظور وظيفي، لا بد من النظر في الديناميكيات على مستوى الشركات والأسر؛ لأنها هي التي تكشف سبب عدم استسلام إيران رغم تدهور المؤشرات الاقتصادية الذي يتصدر عناوين الأخبار، بحسب باتمانغليج.

وتكشف بيانات الاقتصاد الجزئي عن آثار الضغوط الاقتصادية الأميركية على مستوى الشركات والأسر، وتظهر مراجعة بيانات "مؤشر مديري المشتريات" الصادرة عن غرفة التجارة الإيرانية بوضوح كيف تفاقمت الأزمة الاقتصادية في البلاد.

ففي الفترة ما بين عامي 2019 و2023، شهد الاقتصاد الإيراني ككل انكماشاً استمر لثلثي تلك المدة، نتيجة عقوبات "الضغط الأقصى" التي فرضها ترامب في ولايته الأولى، وجائحة فيروس "كورونا" المستجد، والاضطرابات المرتبطة باحتجاجات "المرأة، الحياة، الحرية".

وفي المقابل، حققت الصناعات غير النفطية الإيرانية نمواً بسيطاً طوال تلك الفترة، بل إن إيران بدأت في مطلع عام 2023 الخروج من حالة الركود الطويلة التي عانت منها، وبحلول آذار/مارس 2024، بدأت مستويات المعيشة ترتفع مجدداً، مدعومة بزيادة في الدخل الحقيقي بنحو 15  .في المئة

 

الشركات تمتص الصدمات

غير أن هذا التعافي تعثر بسبب الغارات الجوية الإسرائيلية على إيران في نيسان/أبريل 2024، إذ أدت حالة عدم اليقين الاقتصادي المرتبطة بالصراع العسكري المتكرر إلى تراجع مستمر في النشاط الصناعي، مما دفع إيران نحو ركود أعمق؛ فقد أشارت الشركات الصناعية إلى تدهور في الأوضاع على مدى ثمانية أشهر متتالية.

لكن هذا لا يعني أن هذه الشركات تعاني من صعوبات مالية، فقد طورت، على مدى العقدين الماضيين، وسائل للاحتفاظ بمخزونات كبيرة تتيح لها تخفيف آثار العقوبات على سلاسل التوريد، كما تساعد في دعم الميزانيات العمومية في ظل بيئة تتسم بارتفاع معدلات التضخم، حيث تفقد السيولة النقدية قيمتها فيما تحافظ السلع على قيمتها.

وفي الوقت نفسه، واصلت الشركات الإيرانية رفع الأسعار لحماية هوامش أرباحها، ليتحمل المستهلكون عبء ارتفاع تكاليف الإنتاج.

ومع استمرار الحرب، أدت هذه الأسعار المرتفعة إلى تراجع حاد في الطلب؛ إذ بدأت الأسر الإيرانية، التي أنهكتها سنوات من التضخم المستمر، تقليص استهلاكها، وبالفعل أشار تجار التجزئة الإيرانيون إلى انخفاض حجم المبيعات.

ويشير الانخفاض الحاد في استهلاك الأسر بوضوح إلى تدهور مستويات المعيشة في إيران، وهو ما أجبر المسؤولين الإيرانيين على الإقرار بالمعاناة التي يواجهها عامة الناس.

ومع ذلك، فشلت الحكومة حتى الآن في التدخل لكبح جماح الأسعار المتصاعدة؛ فلم يكتفِ المسؤولون بعدم فرض ضوابط على الأسعار، وهي خطوة نجحت سابقاً في تخفيف وطأة المعاناة الاقتصادية إبان الحرب الإيرانية العراقية قبل أربعة عقود، بل ناقشوا أيضاً إلغاء التحويلات النقدية ودعم الطاقة لقطاعات واسعة من السكان.

وفي الوقت نفسه، ومع بقاء معدل التضخم الشهري دون مستوى 10%، لا تزال إيران بعيدة جداً عن التضخم المفرط، الذي يتسم بمعدلات شهرية تتجاوز 50%، والذي من شأنه جعل استراتيجية الحكومة القائمة على القبول بمعدل تضخم مرتفع شراً لا بد منه غير قابلة للاستمرار.

 

معركة على 25 مليون أسرة

وعندما استدعى وزير الخزانة الأميركي بيسنت صورة "يوم الإنزال" على سواحل نورماندي في الحرب العالمية الثانية، باعتبار ما سيعلنه من عقوبات وإجراءات سيفتح طريق هزيمة إيران، كما فتح الإنزال في نورماندي الطريق لهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية، لم يتوقف الوزير عند طبيعة الطرف الآخر في المعركة.

فقد جاء نجاح السلطات الإيرانية في تحميل عامة الناس تكاليف كل من العقوبات والحرب كشكل من أشكال التعبئة في زمن الحرب. وعلى الرغم من أن قطاعات كبيرة من الشعب الإيراني قد لا ترغب في الانخراط في مثل هذه التعبئة، فإنهم لا يملكون خياراً آخر.

ولكي تخرج منتصرة في حربها الاقتصادية، سيتعين على إدارة ترامب خنق 25 مليون أسرة وأكثر من مليون شركة في إيران، وهو سيناريو من الصعب تحقيقه في كل الأحوال.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث