تتجه إيران إلى تبني نهج أكثر عدوانية في مواجهتها مع الولايات المتحدة، عبر الانتقال من سياسة "الردود المتناسبة" إلى استهداف مباشر للقطع العسكرية الأميركية، والتهديد بتوسيع القيود على الملاحة في الخليج، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة بعدما بدأ الحصار البحري الأميركي يضغط على صادراتها النفطية ويضعف قدرتها على استخدام مضيق هرمز ورقة ضغط على واشنطن.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز"، اليوم الأربعاء، أن القيادة الإيرانية باتت ترى في التصعيد إحدى أبرز أوراق الضغط المتبقية لديها، في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية ومخاوفها من تراجع قبضتها على مضيق هرمز، محذرة من أن سلسلة المواجهات الأخيرة قد تعيد إشعال حرب واسعة.
قواعد مواجهة جديدة
وبرز التحول الإيراني مع إعلان رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، الأحد، انتهاء مرحلة "الردود المتناسبة" مع الهجمات الأميركية، مؤكداً أن "أي عدوان على مصالح إيران وأمنها سيُواجَه من الآن فصاعداً برد أسرع وأثقل وأكثر إيلاماً".
كما أعلن أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي خططاً لإقامة "منطقة محظورة" أمام الملاحة في الخليج، بما يتجاوز الإجراءات الإيرانية للسيطرة على مضيق هرمز. وجاءت هذه التحركات بعد إعلان إيران استهداف سفينتين حربيتين أميركيتين بصواريخ باليستية، في تحول كبير عن نهجها السابق الذي تجنبت خلاله شن هجمات جدية على القطع البحرية الأميركية أو تنفيذ عمليات قد توقع خسائر بشرية أميركية كبيرة.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن الباحث البارز في الشأن الإيراني لدى "مجموعة الأزمات الدولية" حميد رضا عزيزي قوله إن "هذه الحسابات تغيرت بشكل واضح"، مضيفاً أن الطرفين يحاولان "فرض خطوطهما الحمراء ودفع الخطوط الحمراء للطرف الآخر إلى أبعد مدى ممكن".
ويرتبط هذا التحول أيضاً بتطور القدرات العسكرية الإيرانية، بعدما أظهرت طهران خلال الأشهر الأخيرة قدرتها على استهداف قواعد أميركية في المنطقة بدقة، بما في ذلك ضربة على قاعدة في الأردن في تموز/يوليو أدت إلى مقتل جنديين أميركيين. ويرى عزيزي أن إيران قد تصبح قادرة بصورة مماثلة على استهداف الأساطيل البحرية.
الحصار وتراجع ورقة هرمز
ويشكل الضغط الاقتصادي أحد أبرز دوافع التصعيد. فالحصار البحري الأميركي عرقل جزءاً كبيراً من صادرات النفط الإيرانية، المصدر الرئيسي لإيرادات البلاد، وفاقم أزمة اقتصادية تعاني منها إيران أصلاً، في ظل التضخم والبطالة والتراجع السريع للعملة.
وفي المقابل، سمحت المرافقة التي توفرها البحرية الأميركية بعبور عدد محدود من ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. ورغم ارتفاع كلفة هذه العمليات ومحدودية حركة السفن، فإنها حالت دون ارتفاع أسعار النفط بصورة أكبر، وأضعفت قدرة إيران على استخدام إغلاق المضيق لإلحاق ضرر اقتصادي بواشنطن.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن الباحث في الشأن الإيراني بمعهد جنيف للدراسات العليا فرزان ثابت قوله: "كيف تستعيد الزخم؟ تصعّد"، مرجحاً أن تحاول إيران تكثيف المواجهة العسكرية من دون الوصول إلى حرب شاملة. وأضاف أن التصعيد "شديد الضرر"، لكن طهران تأمل في أن يؤدي إلى رفع أسعار النفط العالمية أو إعادة إغلاق مضيق هرمز بالكامل.
ويأتي إعلان رضائي إنشاء "منطقة محظورة" جديدة في الخليج ضمن هذه الاستراتيجية، إذ تهدف الخطوة إلى زيادة كلفة عبور السفن التي ترافقها البحرية الأميركية وإبلاغها بأن الحماية الأميركية لا تضمن مرورها بأمان.
الأزمة الاقتصادية تهدد الداخل
وتحولت ما تصفه طهران بـ"الحرب الاقتصادية" الأميركية إلى مصدر قلق أمني داخلي، مع خشية السلطات من أن تؤدي الأزمة المعيشية إلى موجة جديدة من الاحتجاجات، بعدما رفعت الحكومة الثلاثاء بعض أسعار البنزين بسبب نقص الوقود.
وتخشى القيادة الإيرانية أيضاً من استغلال إسرائيل أي اضطرابات داخلية لدعم معارضي النظام، خصوصاً بعد تصريحات إسرائيلية حديثة تحدثت عن إسقاط النظام الإيراني.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن أستاذ الدراسات الإسرائيلية والشرق أوسطية في جامعة طهران هادي برهاني قوله إن القيادة الإيرانية لا تريد انتظار تحرك إسرائيل، بل تعتقد أن عليها تغيير الوضع، "ربما من خلال خطوة أكثر إضراراً أو عدوانية يمكن أن ترفع التوتر الإقليمي".
"لحظة حاسمة" قبل الانتخابات الأميركية
وتدخل انتخابات التجديد النصفي الأميركية في تشرين الثاني/نوفمبر أيضاً في حسابات توقيت التصعيد، إذ تعتقد طهران أن الفترة الحالية قد توفر فرصة لزيادة الضغط على إدارة الرئيس دونالد ترامب، في وقت يمكن فيه لحرب غير شعبية وارتفاع أسعار الطاقة أن يضرّا بالجمهوريين انتخابياً.
ونقلت "نيويورك تايمز" عن المحلل الإيراني ورئيس تحرير موقع "أمواج ميديا" محمد علي شعباني قوله إن "كل المؤشرات تشير إلى لحظة حاسمة"، مضيفاً: "لست متأكداً من أن الإيرانيين سينتظرون إلى ما بعد الانتخابات ليتعرضوا للهجوم إذا فشلت الدبلوماسية". وفي حين أبدى مسؤولون إيرانيون استعدادهم للعودة إلى مذكرة التفاهم التي أوقفت الحرب في نيسان/أبريل وكان يفترض أن تمهد لمفاوضات بشأن الملف النووي، لا يبدي ترامب اهتماماً بالمفاوضات، مفضلاً مواصلة استراتيجية الاستنزاف وخنق إيران اقتصادياً.
ويعتقد بعض المسؤولين الإيرانيين أن ترامب قد يعود إلى الحرب بعد الانتخابات بغض النظر عن نتائجها، ما يعزز داخل طهران الاتجاه الداعي إلى التحرك الآن بدلاً من انتظار مزيد من الضغوط.
وبحسب الصورة التي ترسمها "نيويورك تايمز"، لا يعني النهج الإيراني الجديد أن طهران تسعى بالضرورة إلى حرب شاملة، بل إنها تحاول رفع كلفة استراتيجية الاستنزاف الأميركية عبر توسيع دائرة الأهداف العسكرية، وزيادة الضغط على الملاحة والطاقة، واستعادة فاعلية ورقة هرمز.
لكن هذا الرهان يرفع في المقابل مخاطر خروج التصعيد عن السيطرة، خصوصاً بعدما انتقلت المواجهة من الضغط الاقتصادي والاشتباكات المحدودة إلى استهداف مباشر للقطع العسكرية الأميركية، في وقت يحاول فيه كل طرف اختبار المدى الذي يستطيع دفع الآخر إليه من دون إشعال حرب جديدة.




