أحال مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران إلى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ عقدين، إثر تصويت أغلبية الأعضاء على قرار يقضي بعدم امتثال طهران لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار النووي.
وفيما حظيت الخطوة الدبلوماسية، التي بادرت بها واشنطن وحلفاؤها الأوروبيون، بأغلبية 23 دولة من أصل 35 عضواً في مجلس المحافظين، بينما عارضته روسيا والصين والنيجر، وامتنعت 8 دول عن التصويت.
وسارعت طهران إلى التنديد بالقرار واعتبرته تحركاً سياسياً بلا أساس قانوني، مشيرة إلى أن استهداف منشآتها بالضربات الأمريكية-الإسرائيلية يعيق عمل المفتشين، في وقت تنتقل فيه المواجهة من أروقة فيينا إلى أروقة الأمم المتحدة بنيويورك وسط استمرار التصعيد العسكري في المنطقة.
وقدمت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا مشروع القرار، في خطوة كانت موضع بحث منذ حزيران/يونيو 2025.
وقال دبلوماسيون لـ"رويترز" إن قرار الأربعاء يأتي متابعة لقرار أقره مجلس المحافظين في 12 حزيران/يونيو 2025، قبل يوم واحد من بدء إسرائيل قصف منشآت نووية إيرانية، وهي الضربات التي انضمت إليها الولايات المتحدة لاحقاً خلال الحرب التي استمرت 12 يوماً.
سياق "عدم الامتثال"
وكان قرار حزيران/يونيو قد خلص رسمياً إلى أن إيران في حالة "عدم امتثال" لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات وعدم الانتشار النووي، لكن إحالتها إلى مجلس الأمن بسبب هذا الإخلال تطلبت قراراً جديداً.
وتعود القضية إلى تحقيق طويل تجريه الوكالة بشأن آثار يورانيوم عثر عليها مفتشوها في مواقع إيرانية غير معلنة، وعدم تقديم طهران تفسيرات تراها الوكالة كافية بشأن مصدر تلك المواد والأنشطة التي جرت هناك. ويشتبه مسؤولون غربيون في أن آثار اليورانيوم قد تقدم أدلة إضافية على أن إيران كانت تدير برنامجاً سرياً للأسلحة النووية حتى عام 2003، في حين تنفي طهران السعي إلى امتلاك أسلحة نووية، وتقول إن برنامجها النووي مخصص بالكامل للأغراض السلمية.
طهران تندد
ورفضت طهران قرار الإحالة، وقال المتحدث باسم الخارجية إسماعيل بقائي إن الخطوة "لا أساس لها"، لأن إيران "لم ترتكب أي عدم امتثال". ووصف بقائي القرار بأنه "متناقض"، قائلاً إنه يطالب إيران بتنفيذ التزاماتها المتعلقة بالضمانات من دون الإشارة إلى أن تعذر وصول مفتشي الوكالة إلى بعض المواقع جاء نتيجة الضربات الأميركية - الإسرائيلية.
وأشار إلى أن نحو ثلث أعضاء مجلس المحافظين عارضوا القرار أو امتناعوا عن التصويت، معتبراً أن نمط التصويت يعكس ضغوطاً أميركية وأوروبية على الحلفاء، وأن استمرار هذا النهج يؤدي إلى "تسييس الوكالة وتقويض أسس عدم الانتشار".
وأضاف بقائي أن التحرك الغربي "متناقض"، مشيراً إلى أن هذه الدول سبق أن تحدثت، في إطار "آلية سناب باك"، عن إعادة قرارات مجلس الأمن السابقة ضد إيران.
بدوره، قال ممثل إيران لدى الوكالة رضا نجفي إن القرار اعتُمد نتيجة "ضغط سياسي من الولايات المتحدة وحلفائها"، مضيفاً أن طهران تعتبره "بلا أساس" و"لن يحقق أي نتائج".
مطالب بالتحقق
وطلب القرار من المدير العام للوكالة رافائيل غروسي إحالة القرار، إلى جانب القرارات السابقة ذات الصلة، إلى جميع الدول الأعضاء في الوكالة ومجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة.
وجاء الطلب، وفق نص مشروع القرار الذي اطلعت عليه وكالة "أسوشييتد برس"، استناداً إلى الأحكام ذات الصلة في النظام الأساسي للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وجدد القرار دعوة إيران إلى معالجة "عدم امتثالها" لاتفاق الضمانات بصورة عاجلة، واتخاذ جميع الخطوات التي تراها الوكالة ومجلس المحافظين ضرورية، وذلك بهدف تمكين غروسي من تقديم الضمانات اللازمة بشأن عدم تحويل المواد النووية إلى أغراض غير سلمية.
وتأتي الإحالة في وقت لا تزال فيه الوكالة عاجزة عن التحقق من وضع جزء أساسي من البرنامج النووي الإيراني منذ الضربات الأميركية - الإسرائيلية في حزيران/يونيو 2025.
ومنذ استهداف المواقع النووية الإيرانية خلال حرب الأيام الـ12، لم تسمح طهران لمفتشي الوكالة بالوصول إلى المنشآت النووية التي تضررت من الضربات، كما لم تتمكن الوكالة منذ ذلك الحين من التحقق من وضع مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى مستويات قريبة من درجة الاستخدام في الأسلحة.
وفق الوكالة، كانت إيران تمتلك مخزوناً يبلغ 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب إلى مستوى 60 في المائة، وهي نسبة تفصلها خطوة تقنية قصيرة عن مستوى 90 في المائة المستخدم في الأسلحة النووية.
وكان غروسي قد قال إن هذا المخزون يمكن، إذا قررت إيران تحويل برنامجها إلى أغراض عسكرية، أن يكفي لإنتاج مواد تصل إلى 10 قنابل نووية، مشدداً في الوقت نفسه على أن امتلاك هذه الكمية لا يعني أن إيران تمتلك سلاحاً نووياً بالفعل.
وتنقل إحالة إيران المسؤولية عن الملف إلى مجلس الأمن، الذي يملك صلاحية اتخاذ إجراءات إضافية، من بينها فرض عقوبات أو تجميد أصول. لكن اتخاذ إجراءات عقابية محددة من الأمم المتحدة يبدو غير مرجح، في ظل امتلاك روسيا والصين، اللتين عارضتا قرار مجلس المحافظين، حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن.




