كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن مليارات الدولارات من الأموال المرتبطة بإيران تمر سنوياً عبر حسابات مقاصة في بنوك أميركية، رغم العقوبات التي تحظر على الخاضعين للقانون الأميركي المشاركة في معظم الأنشطة المالية المرتبطة بطهران، في وقت تكثف فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطها لعزل إيران عن النظام المالي العالمي وتجفيف مصادر إيراداتها.
وقالت الصحيفة، في تقرير نشرته اليوم الثلاثاء ضمن نشرة "Morning Risk Report"، نقلاً عن مسؤولين غربيين وباحثين، إن تدفقات بمليارات الدولارات مرتبطة بإيران تصل إلى النظام المصرفي الأميركي سنوياً، ما يشكل ثغرة أمام الحملة التي تقودها واشنطن لقطع وصول طهران إلى النظام المالي الدولي.
شبكة البنوك المراسلة
وبحسب التقرير، تتمكن إيران من الوصول بصورة غير مباشرة إلى حسابات المقاصة الأميركية من خلال شركاء أجانب يحتفظون بعلاقات مصرفية مع بنوك في الولايات المتحدة، مستفيدة من نظام "البنوك المراسلة"، الذي يعود استخدامه إلى أكثر من قرن ويسمح للمؤسسات المالية في دول مختلفة بتنفيذ المعاملات فيما بينها.
وأضافت الصحيفة أن هذا النظام، الذي يشكل جزءاً أساسياً من البنية المالية العالمية، يوفر في الوقت نفسه مسارات يمكن لإيران استخدامها لإخفاء ارتباطها بالمعاملات المالية التي تمر عبر البنوك الأميركية.
وأوضحت أن اكتشاف هذه التحويلات يمثل تحدياً أمام المؤسسات المالية، إذ تعتمد طهران على شبكة معقدة من الشركات الواجهة ووسائل أخرى لإخفاء مصدر الأموال والجهات المستفيدة منها.
تحركات أميركية لتضييق الخناق
وذكرت "وول ستريت جورنال" أن إدارة ترامب بدأت مؤخراً تحذير البنوك الأجنبية التي تنفذ معاملات بالدولار مرتبطة بإيران عبر حسابات مراسلة في الولايات المتحدة، بالتوازي مع ضغوط على البنوك الأميركية لتعزيز إجراءات التدقيق ورصد المعاملات التي يحتمل ارتباطها بطهران. وتأتي هذه الإجراءات في إطار حملة أميركية أوسع تستهدف الجهات غير الإيرانية التي تتيح لطهران الوصول إلى الاقتصاد والنظام المالي العالمي.
وفي هذا السياق، أشارت الصحيفة إلى العقوبات التي فرضتها وزارة الخزانة الأميركية، الجمعة الماضي، على بنك "غولدن غلوبال" التركي وشركاته التابعة، بعدما اتهمته بتحويل عشرات الملايين من الدولارات لصالح الحرس الثوري الإيراني، وتوفير منفذ لطهران إلى النظام المصرفي العالمي.
ووفق الصحيفة، تأتي العقوبات ضمن عملية "المنبوذ الاقتصادي"، التي أعلن عنها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، ووصفها بأنها بمثابة "يوم إنزال اقتصادي"، مع تأكيده أن واشنطن ستنفذ حملتها بطريقة مدروسة للحد من الأضرار التي قد تلحق بالنظام المالي العالمي.
وتهدف الحملة، بحسب التقرير، إلى خنق الاقتصاد الإيراني من خلال استهداف ليس فقط المؤسسات الإيرانية، وإنما أيضاً البنوك والشركات والجهات الأجنبية التي توفر لطهران روابط مع الأسواق والنظام المالي الدوليين.
تراجع عائدات النفط الإيرانية
ويتزامن تشديد الضغوط المالية مع تراجع حاد في قدرة إيران على تحقيق إيرادات من صادرات النفط. وقالت "وول ستريت جورنال" إن عائدات طهران النفطية تتراجع مع استمرار الحصار البحري الأميركي على الشحنات الخارجة من الخليج وتقلص مخزونات النفط الإيرانية الموجودة في البحر خارج نطاق الحصار والموجهة بصورة رئيسية إلى الصين.
ونقلت الصحيفة عن شركة تتبع السفن "كبلر" أن أياً من شحنات الخام الإيراني لم يعبر الحصار منذ أن أعادت البحرية الأميركية فرضه في منتصف تموز/يوليو الماضي. وأضافت أن إيران لا تزال تحمّل كميات محدودة من النفط على ناقلات، إلا أن هذه الشحنات تبقى عالقة داخل الخليج ولا تستطيع الوصول إلى الأسواق الخارجية.
المخزون البحري يتقلص
وبحسب بيانات "كبلر" التي أوردتها الصحيفة، تراجعت كمية النفط الإيراني الموجودة على متن ناقلات خارج نطاق الحصار، والتي لا تزال توفر إيرادات لطهران، إلى نحو 29 مليون برميل، بعدما بلغت قرابة 90 مليون برميل في منتصف تموز/يوليو. وتوقعت الشركة أن تنفد هذه الكميات خلال الشهر المقبل إذا استمر الوضع الحالي، ما يعني تضييق أحد المسارات المتبقية أمام إيران للحصول على عائدات نفطية.
وقالت "وول ستريت جورنال" إن تراجع هذه الإيرادات يضيف ضغوطاً جديدة على الاقتصاد الإيراني المتضرر أصلاً، في وقت تعمل فيه واشنطن بالتوازي على تشديد القيود على قدرة طهران على استخدام النظام المصرفي العالمي وتحويل عائداتها الخارجية.
وتشير التحركات الأميركية الأخيرة، وفق التقرير، إلى انتقال الضغط على إيران إلى مسارين متوازيين، أحدهما يستهدف تدفقات النفط ومصادر العملة الأجنبية، والآخر يركز على المؤسسات المالية الأجنبية والشبكات الوسيطة التي تستخدمها طهران لإجراء معاملاتها والوصول إلى الدولار والنظام المصرفي الدولي.




