تشهد جبهات القتال في اليمن تحولاً ميدانياً متسارعاً، مع تحقيق القوات الحكومية، مسنودة بتشكيلات عسكرية وأبناء قبائل، تقدماً في محافظات الجوف والبيضاء وتعز، في وقت باتت فيه خطوط التماس أكثر قرباً من طرق ومحاور استراتيجية تربط مناطق سيطرة جماعة الحوثيين بالعاصمة صنعاء ومحافظات شمالية ووسطى.
ويأتي هذا التصعيد بالتزامن مع إعلان مساعد وزير الدفاع اليمني سمير الصبري أن مجلس القيادة الرئاسي حسم قرار استعادة صنعاء من جماعة الحوثيين، مؤكداً أن التحركات العسكرية تجري وفق رؤية عسكرية واضحة، وأن القوات الحكومية أعدت مفاجآت ميدانية قال إنها ستُحدث تغييراً في موازين القوى.
التقدم نحو صعدة والحزم
وتمكنت القوات الحكومية، مسنودة بأبناء قبائل من محافظة الجوف، اليوم الثلاثاء، من السيطرة على منطقة اليتمة في مديرية خب والشعف، بعد هجوم قالت مصادر عسكرية إنه أدى إلى كسر خطوط الدفاع الأولى للحوثيين ودفع مقاتلي الجماعة إلى الفرار من المنطقة.
وتكتسب اليتمة أهمية استراتيجية لوقوعها بالقرب من الحدود السعودية، واحتضانها طريقاً دولياً يربط محافظة الجوف بمنفذ البقع البري مع السعودية.
وأظهرت التطورات الأخيرة انتقال القوات الحكومية من محاولات التقدم على أطراف المحافظة إلى السيطرة على مناطق مأهولة ومحاور طرق رئيسية، ما قد يفتح أمامها مسارات جديدة باتجاه المعقل الرئيس للحوثيين في محافظة صعدة شمالاً، ومدنية الحزم، مركز محافظة الجوف، جنوباً.
وظهر الشيخ القبلي حمد بن راشد فدغم الحزمي، اليوم، من داخل سوق اليتمة معلناً السيطرة على المنطقة وفرار الحوثيين منها، قائلاً إن القوات الحكومية وأبناء القبائل يستعدون للتحرك في مسارين، الأول شمالاً باتجاه محافظة صعدة، والثاني جنوباً باتجاه مدينة الحزم.
وتتزامن السيطرة على اليتمة مع استمرار المعارك على محاور عدة في الجوف، أبرزها محور اللبنات ومحور الحشوة. ففي منطقة اللبنات، أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية تقدمت إلى اللبنات السفلى وسيطرت على معسكر تدريبي وعدد من المواقع العسكرية، فيما حققت تقدماً في أجزاء واسعة من اللبنات العليا، حيث يقع معسكر اللبنات.
وتكتسب السيطرة على المعسكر أهمية خاصة لكونه يشكل نقطة متقدمة على الطريق المؤدي إلى مدينة الحزم، كما استخدمه الحوثيون خلال السنوات الماضية قاعدة لعملياتهم في الجوف ومأرب.
أما في محور الحشوة، فتخوض القوات الحكومية هجوماً باتجاه معسكر طيبة الواقع في المنطقة الحدودية بين مديرية برط العنان في الجوف ومديرية الحشوة في محافظة صعدة، معقل جماعة الحوثيين.
وتقول مصادر عسكرية إن الحوثيين حاولوا الدفع بتعزيزات إلى جبهات الجوف، إلا أن القوات الحكومية استهدفتها وأجبرتها على التراجع، بينما بدأت قبائل الجوف التحرك لمساندة القوات الحكومية.
الاقتراب من طريق صنعاء
وفي محافظة البيضاء، وسط اليمن، تواصل القوات الحكومية هجومها في مديرية الزاهر، حيث تمكنت ألوية العمالقة، اليوم، وفق ما أعلنته، من كسر خطوط الدفاع الأولى للحوثيين والسيطرة على مناطق حيد الخزان والمجيرش ومفرق ذي أمخشب، إضافة إلى السيطرة جزئياً على منطقة حيد المعلا.
وكانت القوات الحكومية قد أعلنت في وقت سابق، السيطرة على مناطق أخرى في محاور القتال، وسط تراجع الحوثيين ودفعهم بتعزيزات إلى الزاهر وذي ناعم ومناطق أخرى لمحاولة وقف التقدم.
ويمثل الوصول إلى الرباط والسيطرة عليها، في حال تحقق، تحولاً ميدانياً مهماً، إذ يمكن أن يقطع أحد المسارات الرئيسية بين صنعاء والبيضاء، ويفتح أمام القوات الحكومية طرقاً باتجاه مركز محافظة البيضاء وعدد من مديرياتها، ويعيد تشكيل خطوط الإمداد والحركة بين مناطق وسط اليمن والعاصمة صنعاء.
ولذلك تبدو المعارك الحالية في البيضاء مرتبطة بصورة مباشرة بما يجري في الجوف، في إطار محاولة القوات الحكومية الضغط على خطوط الحوثيين من أكثر من اتجاه.
تعز: تعقيدات الميدان
في تعز، جنوب غربي البلاد، تشير التطورات إلى أن القوات الحكومية تسعى إلى تثبيت مكاسبها في الكدحة ومقبنة والبرح، بما يحافظ على الضغط على مواقع الحوثيين في غرب تعز، ويعزز مواقعها على الطرق المؤدي إلى الساحل الغربي.
وأعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية أسر أحد قادة التدخل السريع في جماعة الحوثي يدعى "أبو علي العذري" مع عدد من أفراده في جبهة البرح غربي محافظة تعز عقب مواجهات عنيفة.
وفي مؤشر على القلق الحوثي من اتساع نطاق العمليات داخل تعز، أفادت مصادر بنقل الجماعة عدداً من المحتجزين من سجونها في منطقة الحوبان إلى محافظتي ذمار وصنعاء.
وقالت المصادر لوكالة الأنباء "سبأ" الحكومية، إن عمليات النقل بدأت من مدينة الصالح في الحوبان منذ الأحد الماضي، وسط مخاوف من امتداد المعارك باتجاه المنطقة التي تعد مركزاً لإدارة عمليات الحوثيين في مناطق سيطرتهم شرقي المحافظة.
وتبقى خريطة السيطرة في تعز أكثر تعقيداً مقارنة بالجوف والبيضاء، إذ لم تؤدِّ المكاسب الحكومية في الجبهة الغربية إلى تغيير شامل في خطوط السيطرة داخل المحافظة، لكن السيطرة على مواقع مرتفعة ومحاور طرق في الكدحة ومقبنة والبرح يمكن أن تمنح القوات الحكومية نقاط ارتكاز إضافية للدفع باتجاه مناطق جديدة.
استراتيجية توسيع النفوذ
وتحاول القيادة العسكرية والسياسية اليمنية تقديم التطورات في الجوف والبيضاء وتعز باعتبارها جزءاً من مسار عسكري أوسع لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وقال رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي إن القوات المسلحة أثبتت خلال الأحداث الأخيرة قدرتها على الردع واستعادة المبادرة، مشيداً بما وصفها بالانتصارات في جبهات الجوف والبيضاء وتعز والحديدة، ومثمناً دور سلاح الجو والطيران المسيّر في إسناد القوات البرية.
وتشير خريطة العمليات الحالية إلى أن القوات الحكومية تعمل على توسيع مناطق نفوذها في ثلاثة اتجاهات رئيسية: الجوف شمالاً، والبيضاء في وسط البلاد، وتعز غرباً.
ففي الجوف، يمثل سقوط اليتمة والتقدم في محيط اللبنات ضغطاً على خطوط الحوثيين باتجاه الحزم وصعدة.
وفي البيضاء، يمثل الاقتراب من الرباط وذي ناعم محاولة للوصول إلى عقد طرق يمكن أن تؤثر في خطوط الربط بين صنعاء ووسط البلاد. أما في تعز، فتركز المعركة على تثبيت المواقع الغربية وفتح ممرات باتجاه الساحل.
وتشير هذه التطورات، في حال استمرارها، إلى محاولة القوات الحكومية الانتقال من عمليات محدودة على خطوط التماس إلى عمليات تستهدف مواقع ذات قيمة عملياتية وطرق إمداد رئيسية، الأمر الذي قد يعيد رسم خريطة السيطرة. وفي المقابل، لم تتضح بعد قدرة الحوثيين على إعادة تنظيم خطوط دفاعهم ووقف هذا التقدم.




