تحول النزاع في اليمن إلى مواجهة استراتيجية تُوزن فيها الجبهات بمدى قربها من مضيق باب المندب، ليتجاوز أطر الحرب التقليدية إلى فصل محوري في صراع إقليمي يعيد رسم موازين النفوذ بالمنطقة.
وتسعى الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً إلى استعادة المبادرة الميدانية وصد محاولات جماعة الحوثي لفرض أمر واقع جديد على الشريط الساحلي الغربي، في وقت تحاول فيه الجماعة تطويق الأطراف الخلفية للساحل وخلق قوس ضغط بحري يمتد من هرمز إلى البحر الأحمر.
وأسفر تصعيد بري وجوي متزامن في تعز والجوف وحجة والبيضاء عن سقوط أكثر من 300 قتيل ونزوح مئات الأسر.
لذلك لم يعد النزاع في اليمن مجرد مواجهة محلية تُقاس بحشد قبلي هنا أو اختراق لمسيرة هناك، بل إن ما يشهده الميدان اليوم يتجاوز أطر الحرب التقليدية ليغدو فصلاً محورياً في صراع إقليمي أوسع يعيد رسم خريطة النفوذ بين القوى الدولية الكبرى.
تصعيد متزامن
وفي الساعات الأخيرة، بلغت المعارك ذروتها حيث أعلن المتحدث العسكري للحوثيين، يحيى سريع، إسقاط طائرة استطلاع مسلحة هناك، بالتزامن مع غارات جوية حكومية مكثفة استهدفت تجمعات الجماعة في مديريات اللبنات والعلم ومركز المحافظة، بينما حسمت القوات الحكومية في تعز السيطرة على جبل الكرة بالكدحة وتدمير 21 آلية وعربة عسكرية، إلى جانب إحباط محاولة تسلل أسفرت عن مقتل 13 حوثياً وإصابة 10 آخرين، وفي محافظة البيضاء تمددت القوات الحكومية في مديرية الزاهر وسيطرت على جبل حيد الخزان ومواقع مجاورة، بالتزامن مع غارات جوية على تحصينات الحوثيين في عدة مناطق.
وفي محافظة حجة، أطلقت القوات الحكومية عملية عسكرية واسعة في مدينة حرض الحدودية شمالاً، حققت خلالها تقدماً ميدانياً وسط اشتباكات ضارية.
وقد أسفر هذا التصعيد البري والجوي، وفق مصادر عسكرية وميدانية تحدثت لـِ "المدن" عن سقوط أكثر من 300 قتيل من الطرفين خلال يومين فقط، إضافة إلى نزوح مئات الأسر نحو المخيمات الإنسانية.
وتأتي هذه التطورات وسط بيئة إقليمية مشحونة في الخليج والبحر الأحمر منذ اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران أواخر شباط/فبراير الماضي، مما رفع حالة التأهب الأمني حول الممرات المائية الحيوية إلى مستويات غير مسبوقة.
هندسة السيطرة على الساحل
وللتفكير في أسباب تركيز القتال حول مدن صغيرة مثل المخا وفي أرياف تعز والحديدة، يوضح الخبير العسكري والاستراتيجي علي الذهب، في حديث مع "المدن" أن التحركات الحوثية تستند إلى ثلاث أولويات رئيسية تتمثل أولاً في تكتيك "إصابة المفصل" عبر تعطيل ميناء المخا بالصواريخ والمسيّرات والزوارق المفخخة، واستهداف البنية التحتية للطاقة والإدارة لإخراجه تماماً من الخدمة.
وتتمثل الأولوية الثانية بقطع طريق "المخا – تعز" التي تخترق مناطق الكدحة، وهو الشريان الأساسي لربط القوات الحكومية في المدينة بالقوات المشتركة في الساحل الغربي، بالإضافة إلى إغلاق المنفذ الوحيد للسيطرة على المخا فتحاً للطريق جنوباً نحو باب المندب الذي يبعد نحو 100 إلى 130 كيلومتراً فقط، بينما ترتكز الأولوية الثالثة على عزل تعز عبر فصل المدينة عن خلفيتها الساحلية لقطع خطوط التغذية العسكرية والاقتصادية.
ويرى الذهب أن الجماعة لا تسعى لاقتحام المخا جبهوياً، بل تعتمد مناورة الالتفاف عبر مديريتي الوازعية وذوباب الساحلية بهدف إحكام القبضة على جنوب البحر الأحمر.
ويخدم هذا التكتيك أجندتين متقاطعتين، أجندة محلية تهدف لانتزاع ورقة تفاوضية ضاغطة تفرضها القوى الدولية على الحكومة اليمنية لضمان بقاء الجماعة طرفاً رئيسياً في أي تسوية قادمة، وأجندة إقليمية تقدم دعماً استراتيجياً لإيران التي فقدت حلفاء رئيسيين مثل "حزب الله" اللبناني، مما يجعل الحوثيين رأس الحربة المتبقي لتوسيع النفوذ في منطقة تقاطع المصالح الدولية.
وفي المقابل، تركز القوات الحكومية هجماتها المضادة في مرتفعات غرب تعز، كالكدحة وحيس وجبل حبشي، وهي مرتفعات يتجاوز ارتفاعها 1000 متر لتأمين إشراف ناري كامل على طرق الإمداد وكبح التمدد الحوثي.
من جهته، يؤكد الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد الباقي شمسان أن الجماعة تسعى من خلال فتح جبهات ريفية موازية إلى تجنب الاصطدام المباشر بالتحصينات الصلبة للقوات المشتركة على الشريط الساحلي، متجهة بدلاً من ذلك نحو تطويق الأطراف الخلفية لخطوط دفاع طارق صالح، بهدف بناء حزام سيطرة متصل يمتد من مقبنة والمعافر وشمال موزع نحو الساحل الجنوبي، بما يمنحها قدرة تفوق على الإشراف الناري والميداني المباشر على مضيق باب المندب وحركة الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
صراع السرديات
وتتضارب الروايات حول الدوافع الحقيقية لهذه المعارك؛ إذ يرى نصر طه مصطفى، مستشار الرئيس اليمني، أن هجمات الحوثيين على تعز تستهدف التمهيد لاقتحام المخا وفرض سيطرة نارية على باب المندب لتخفيف الضغط الدولي عن طهران، معتبراً أن هذا العنف يدفع باتجاه مرحلة جديدة قد تشهد حسماً حكومياً شاملاً للمعركة لإغلاق ملف الحرب المستمر منذ كانون الثاني/يناير 2015.
وعلى الضفة الأخرى، ينفي حميد عاصم، وكيل محافظة صنعاء في حكومة الحوثيين غير المعترف بها، سعي الجماعة للتوسع لمجرد التوسع، مفسراً التصعيد بأنه رد على القصف الذي طال مطار صنعاء أثناء ترتيبات سفر معزين إلى طهران في تموز/يوليو الماضي والحصار المفروض منذ 2016، ومؤكداً أن هدف العمليات هو تحرير الأراضي اليمنية من القوات الخارجية ضمن معركة إقليمية مع "محور المقاومة".
وفي التقييم العسكري، يرى خبير الأمن البحري اللواء محمد عبد الواحد أن الحوثيين لا يستهدفون احتلال باب المندب مكانياً بأسلوب الجيوش التقليدية لارتفاع كلفته العسكرية، بل يعتمدون حرباً غير متكافئة بواسطة المسيّرات والصواريخ والألغام البحرية لإبقاء الممر الدولي تحت التهديد الدائم.
ويوضح عبد الواحد أن الجماعة أن تحركات جماعة الحوثي المكثفة في جبهات الساحل الغربي تتجاوز مكاسب الميدان المحلية، لتستهدف فرض "معادل بحري" مباشر بين مضيقي هرمز وباب المندب.
ووفق التقييمات الاستراتيجية يقول عبد الواحد، إن الجماعة تهدف من خلال تثبيت خطوط السيطرة والإشراف الناري على المنافذ البحرية إلى تشكيل قوس ضغط مزدوج ينطلق من الخليج العربي ويمتد حتى جنوب البحر الأحمر، بما يضع أمن إمدادات الطاقة العالمية وسلاسل التوريد الدولية في دائرة التهديد الدائم والإرباك المتواصل، غير أن استعادة القوات الحكومية لمواقع في حيس والجراحي أبطأت هذا المخطط، مدخلة الطرفين في حرب استنزاف مفتوحة.
المسارات المستقبلية
وفي حديثه مع "المدن" يضع الخبير والمحلل السياسي الاستراتيجي عبدالستار الشميري، أربعة سيناريوهات تحكم المرحلة المقبلة، أولها تثبيت القوات الحكومية لمواقعها الحالية في حيس لتجنب الاستنزاف دون الاندفاع جنوباً. والسيناريو الثاني يكمن في شن هجوم حكومي مضاد وشامل يمتد نحو الجراحي والكدحة والبرح لاستعادة المبادرة وتأمين الساحل.
أما السيناريو الثالث فيتمثل في التوسع نحو "حرب مسيّرات" مفتوحة عبر فتح محاور واسعة ترغم الحوثيين على استنزاف ترسانتهم في كمائن ودفاعات هشة.
والسيناريو الرابع والأخير هو احتمال تنفيذ رد حوثي معاكس عبر هجوم مضاد مكثف لاستعادة المناطق الحاكمة، وهو سيناريو يظل معقداً بسبب تباين القيادة والسيطرة بين الفصائل الميدانية.
وتؤكد المعطيات الحالية وفقاً للشميري، أن المعركة لم تعد مجرد إعادة تحسين لشروط التفاوض على طاولة الحوار، بل تحولت إلى مواجهة مرشحة للاستمرار حتى حسم خريطة السيطرة على الساحل الغربي، حيث يتقاطع مصير اليمن الميداني بشكل مباشر مع التوازنات الأمنية والبحرية للشرق الأوسط.




