إيران ترد على الحصار الاقتصادي بالمواجهة العسكرية

طهران - مجيد مراديالاثنين 2026/09/07
إيران (Getty)
إيران ترد عبر استهداف البوارج والقواعد العسكرية الأميركية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

ليس أمام إيران خيار سوى المواجهة العسكرية للتصدي لضغوط الحصار الاقتصادي الذي تفرضه الولايات المتحدة. لم يكن هجوم مساء السبت الذي شنّه الحرس الثوري الإيراني على مدمرة وحاملة طائرات أميركيتين مجرد رد على الغارات الأميركية التي استهدفت جزر لارك وسيريك وخارج في جنوب إيران، بل جاء كرد مباشر على حصار اقتصادي بدأ بحصار بحري، ثم تطور إلى عقوبات ثانوية واسعة النطاق أعلن عنها وزير الخزانة الأميركي الأسبوع الماضي. وهذه العقوبات الثانوية تطال التبادلات التجارية لإيران مع جميع جيرانها البريين، باستثناء أفغانستان الخاضعة لحكم "طالبان" الإسلامي.

 

إغلاق طريق الصين البري

أعلنت سكك حديد إيران، السبت الماضي، أن أوزبكستان وتركمانستان لن تسمحا، بسبب العقوبات الثانوية الأميركية، بنقل البضائع عبر السكك الحديدية من وإلى إيران.

تسبب هذا الخبر في قفزة جديدة لسعر صرف الدولار مقابل الريال الإيراني، حيث وصل إلى 130 ألف تومان للدولار الواحد، في حين كان نحو 190 ألف تومان قبل الإعلان عن العقوبات الثانوية الجديدة.

وتكمن أهمية هذا الطريق في أن الصين، الشريك التجاري الأول لإيران، وبسبب سياستها المستقلة تجاه أميركا، وإعلانها الصريح بعدم الاعتراف بالعقوبات الثانوية الأميركية وإدانتها لها، تمثل المتنفس الوحيد لإيران أمام تلك العقوبات. إذ تستطيع الصين وحدها، بتنوع منتجاتها وجودتها، تلبية معظم احتياجات إيران الأساسية، وإغلاق طريق السكك الحديدية عبر أوزبكستان وتركمانستان يعني قطع أحد الشرايين الحيوية لإيران، رغم وجود مسارات بديلة عبر طريق باكستان البري، وطريق كازاخستان الذي يتصل إلى إيران عبر بحر قزوين.

 

إيران تخلق معادلة جديدة

كان رد إيران على الهجوم الأميركي الذي استهدف ثلاث ناقلات نفط إيرانية هو ضرب ثلاث ناقلات أخرى، وإطلاق صواريخ على سفينتين حربيتين أميركيتين، مما يشير إلى أن إيران تسعى لخلق معادلة جديدة.

أكدت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) وقوع الهجوم الإيراني على مدمرة وحاملة طائرات دون إصابات بشرية.

وذكرت مصادر أن الصواريخ أُطلقت من أصفهان وكرمان في وسط إيران، وأن نوع الصاروخ هو "قاسم بصير"، الذي أُطلق تجريبياً في اليومين السابقين، مما دق ناقوس الخطر لدى البوارج الأميركية.

من الآن فصاعداً، وضعت إيران في أولوياتها الرد على أي ضربة باستهداف البوارج والقواعد العسكرية الأميركية.

قال محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى الإسلامي، بعد ساعات من إطلاق الحرس الثوري على البارجتين الأميركيتين، إن الأميركيين "لا بد أنهم فهموا أن عصر 'الردود المتناسبة' قد انتهى، وأن أي اعتداء على مصالح وأمن إيران سيواجه برد أسرع وأقسى وأكثر إيلاماً".

لذلك، كلما زادت شدة الحصار والعقوبات ضد إيران، زاد احتمال التصعيد وعودة الحرب. أعلنت إيران مراراً في الأسبوعين الماضيين أنها تعتبر وقف صادراتها النفطية بمثابة إعلان حرب، وأن ردها على تضييق حلقة العقوبات سيكون عسكرياً. والهجوم على ناقلة نفط إيرانية قبالة سواحل جزيرة خارج، التي تعتبر قلب الاقتصاد الإيراني، هو في الواقع هجوم على البنية التحتية المالية للبلاد، ولا يمكن أن يمر دون رد.

 

مضيق هرمز: ورقة إيران الأخيرة

ترى إيران في مضيق هرمز آخر أعواد ثقابها في مواجهة العاصفة. وهذه العاصفة تأتي من العقوبات الثانوية وفتح الممر الجنوبي للمضيق على سواحل عمان، الذي أصبح معبراً للناقلات، ووفقاً للتقارير يمر به حالياً نحو 40 في المئة من حجم النفط قبل الحرب.

اعتبرت إيران مضيق هرمز ورقتها الرابحة الوحيدة لإبقاء مذكرة إسلام آباد قائمة، ورأت أن الإجراءات الأميركية لتعميق وتوسيع الممر الجنوبي تهدف إلى تجريد ورقة مضيق هرمز من قيمتها، ولهذا أصرت على احتكار الإشراف على عبور الناقلات، لتستخدم هذه القوة الحصرية على طاولة المفاوضات المقبلة للوصول إلى اتفاق دائم.

لكن مع تراخي قبضة إيران على المضيق، أصبحت مضطرة للرد عسكرياً.

جزء من الرد العسكري الإيراني سيكون موجهاً مباشرة نحو المدمرات وحاملات الطائرات الأميركية، وجزء آخر سيكون عبر تحريك "أنصار الله" الحوثيين في اليمن لتهديد أمن السفن الأميركية في البحر الأحمر. بالتأكيد، لم ينسَ الأميركيون أن استهداف سفنهم في البحر الأحمر من قبل الحوثيين العام الماضي أجبرهم على التخلي عن المواجهة معهم بعد شهرين من بدء الاشتباكات، بل تركوا إسرائيل وحدها. وجزء آخر من الرد الإيراني قد يكون عبر تحريك الميليشيات المتحالفة معها في العراق.

 

هل يتكرر التاريخ؟

لم تكن غزوة نادر شاه الأفشاري عام 1735 منفصلة عن الضائقة المالية التي مرت بها إيران نتيجة تراجع إيرادات مضيق هرمز.

فالإيرادات الضخمة الناتجة عن مضيق هرمز، والتي كانت في العصر الصفوي تعتبر شريان التجارة الحيوي ومصدراً رئيسياً لتمويل الحكم، لم تعد بحوزة نادر. ورغم أن الشاه عباس الأول كان قد حرر المضيق من الاحتلال البرتغالي الذي دام 115 عاماً في عام 1622م، إلا أنه في عهد نادر، لم تعد عوائد الرسوم الكبيرة تصل إلى الخزانة المركزية، مما اضطر نادر للتفكير في تمويل من مصادر أخرى. وهكذا يمكن القول إن فقدان هذا المصدر المهم عملياً، دفع نادر أكثر نحو ثروة الإمبراطورية المغولية في الهند. وقد صاحب غزوه عام 1739م غنائم هائلة، قيل إنها تعادل عشرة أضعاف الإيرادات السنوية في العصر الصفوي، مما أتاح إعفاءً ضريبياً لإيران لمدة ثلاث سنوات.

اليوم، إيران في وضع لا تختار فيه حتى بين السيئ والأسوأ. إنها ترى نفسها أمام أسوأ سيناريو، يتمثل في تراكم عقود من العقوبات الأولية، والدمار الذي خلّفته حربان واسعتان، وحصار بحري، وعقوبات ثانوية ترافقها اشتباكات عسكرية متفرقة. فهل ترك الرئيس ترامب خياراً لها سوى الحرب؟

وما يثير الاستغراب أن الرئيس الأميركي لم يكتفِ بالعقوبات الثانوية، بل يدعو في خطابه الأخير الشعب الإيراني إلى الانتفاضة، متسائلاً متى سيتحرك الناس لإسقاط النظام. ويبدو أن الرئيس ترامب، الذي وعد المحتجين الإيرانيين في كانون الثاني 2026 بأن المساعدات في الطريق مطالباً ببقائهم في الشوارع، يستعين بهم الآن من أجل التخلص من مستنقع هرمز، لأنه ليس من المعقول أن ترامب لا يدرك أن العدوان العسكري الأميركي الصهيوني على إيران زاد فعلاً من شعبية النظام، بل وجلب العديد من المعارضين والمحتجين إلى صفوف أنصاره.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث