لا يزال الغموض يكتنف تفاصيل اختطاف إسرائيل ما وصفته بمسؤول أمني كبير في حركة "حماس"، إثر عملية خاصة في منطقة الكتيبة غربي مدينة غزة، تخللتها اشتباكات مسلحة تحت غطاء جوي مكثف. فقد تضاربت الأنباء بشأن الجهة التي نفذت العملية، بين قوات إسرائيلية خاصة وميليشيا محلية متعاونة، وكذلك حول ما إذا كانت العملية مزدوجة حاولت الوصول إلى أكثر من هدف في آن واحد؟ أم عملية مركبة جمعت بين التمويه والتضليل والإرباك للتغطية على عملية مركزية استهدفت مسؤولاً أمنياً بعينه.
ميليشيا نفذت وإسرائيل تدخلت
في مثل هذه العمليات الأمنية، دأبت إسرائيل على إبقاء كثير من التفاصيل طيّ الغموض، لدواعٍ استخباراتية وعملياتية. لكن المراسل العسكري إيال عاليما تحدث خلال إفادة لإذاعة "مكان" العبرية، عن عملية مركّبة بدأها مسلحون من ميليشيا فلسطينية متعاونة مع الأمن الإسرائيلي.
وبحسب عاليما، وصل المسلحون على دراجات نارية إلى مكان الشخصية المستهدفة، قبل أن تندلع اشتباكات. وبعد ذلك، تدخلت قوات إسرائيلية خاصة تحت غطاء جوي مكثف، لتتولى نقل المسؤول الأمني في الحركة بعد تعرضه لإصابة، حيث يواجه تحقيقاً إسرائيلياً في هذه الأثناء، وفق قوله.
ولم يتضح بدقة، توقيت ونقطة تدخل القوات الإسرائيلية الخاصة، لكن إفادات عبرية أشارت إلى أن القوات الإسرائيلية لم تدخل إلى قلب منطقة الكتيبة، وإنما تدخلت عند نقطة تلاقي محددة في القطاع بعد تمكن أفراد الميليشيا المتعاونة من الانسحاب من المكان بمساعدة غطاء جوي إسرائيلي، وبحوزتهم المسؤول الأمني في "حماس" مصاباً.
رواية الانكشاف.. والانسحاب
وبحسب ما رصدته "المدن" في مواقع أمنية إسرائيلية، فإن المسلحين المنفذين لعملية الاختطاف، هم أفراد ميليشيا محلية تتموضع في مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي بالقطاع، وهم عناصر تلقوا تدريباً من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية على تنفيذ مهام خاصة.
ووفق المعطيات المتوفرة، انكشف أمر المجموعة المسلحة بعد تمكنها من الوصول إلى المسؤول الأمني بـ"حماس" وإصابته، ثم سحبه والتحصن داخل منزل مستقل في منطقة الكتيبة. وفي الأثناء، تولت المسيّرات الإسرائيلية استهداف كل هدف متحرك في المنطقة؛ من أجل تمكين المسلحين من إخلاء المكان عبر مركبة بيضاء.
وأوضحت مصادر محلية لـ"المدن" أن صراخ امرأة فلسطينية ربما ساهم في كشف أمر عناصر الميليشيا، لكن الفارق الزمني وسرعة التنفيذ والغطاء الجوي الإسرائيلي، كلها عوامل مكّنت المسلحين من الوصول إلى الهدف والتحصن في أحد المنازل، ثم الانسحاب وبرفقتهم الشخصية المستهدفة.
نقاش إسرائيلي بشأن الميليشيات
واللافت أن العملية التي تُعد الأولى من نوعها منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2025، شكلت فرصة لوسائل إعلام عبرية؛ كي تسلط الضوء بصورة أكبر على دور الميليشيات المحلية المتعاونة مع إسرائيل، وصولاً إلى تنفيذها عمليات في عمق مناطق خاضعة لسيطرة "حماس".
ورغم عدم وضوح كيفية تطور عملية الاختطاف في منطقة الكتيبة، رأى المراسل العسكري الإسرائيلي إيال عاليما في ما جرى، تعزيزاً لحجة "حماس" بعدم تسليم سلاحها، باعتبار أنه يحمي أفراد الحركة وقادتها من خطر الميليشيات المحلية المتعاونة مع إسرائيل.
وبينما اكتفى وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس بالإعلان عن اعتقال "مطلوب كبير" في جهاز الأمن العام التابع لـ"حماس"، من دون ذكر اسمه، قالت الإذاعة العبرية العامة إن المعلومات المتوفرة لم توضّح بصورة كاملة طبيعة العملية التي أدت إلى اعتقال الشخصية الأمنية في الحركة، أو ما إذا كان الاعتقال جزءاً من عملية أمنية أوسع داخل مدينة غزة. ولا تزال كثير من الحيثيات المحيطة بالواقعة غير واضحة.
3 دوافع للعملية
بغض النظر عن الحقيقة الكاملة بشأن عملية الاختطاف المركّبة، فإنها تعكس تركيز إسرائيل على الشخصيات الأمنية المؤثرة في "حماس"، بعد استهداف قياداتها العسكرية المركزية خلال الحرب، بالتزامن مع تصعيد عمليات الاستهداف والاغتيال لعناصر الحركة في مختلف أنحاء قطاع غزة خلال الأيام الأخيرة.
لكن يمكن استنتاج ثلاثة دوافع إسرائيلية وراء عملية "الكتيبة"؛ أولاً، قد يكون المسؤول الأمني المعتقل بمثابة "كنز وعصب معلوماتي" في مدينة غزة، على الأقل، ما يجعل انتزاع المعلومات منه هدفاً للعملية؛ لمحاولة كشف معلومات بحوزته قد تقود إلى تفكيك البنية الأمنية لـ"حماس"، والتي أعادت بناءها بطريقة مُغايِرة للسابق، بما يضمن استمرار سيطرتها الأمنية في القطاع.
ثانياً، قد تمثل العملية اختباراً إسرائيلياً جديداً لمدى القدرة على المناورة أمنياً وعسكرياً، ولو بالاستعانة بميليشيات محلية متعاونة، لتنفيذ مهام خاصة في قلب المناطق الخاضعة لسيطرة "حماس"، واختبار الثغرات والتحديات الأمنية الناشئة.
أما الدافع الإسرائيلي الثالث، فيرتبط بتوقيت العملية التي تأتي قبل انتخابات الكنيست بأسابيع قليلة. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي صدّق على تنفيذ عملية الاختطاف، يرغب في تقديمها إلى الإسرائيليين بوصفها إنجازاً أمنياً جديداً؛ لتعزيز صورته كـ"رجل أمن أقوى" في الدولة العبرية.
حرب مستمرة.. ولو بمنفذين بالوكالة
وما يؤكد الدافع الثالث، ردُّ مراسل "مكان" العسكري على سؤال المذيعة بشأن أهمية الشخصية الحمساوية المختطفة، إذ أشار إلى أنها "قد لا تكون مهمة" بالنسبة لإسرائيل، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن الواقعة تعكس إصراراً إسرائيلياً على ملاحقة أي عنصر أو قيادي في "حماس" مهما كان دوره ووظيفته. وأضاف المراسل العسكري أن الحركة لا تزال تسيطر على القطاع، وأنها استطاعت طوال سنوات الحرب، أن تعيد بناء هيكلها القيادي والأمني والعسكري، بغض النظر عن خبرة الشخصيات المعيّنة مقارنة بتلك التي اغتالتها إسرائيل.
وبذلك، تندرج عملية "الكتيبة" في سياق حرب إسرائيلية مستمرة، لا تتوقف بالضرورة عند حدود ثابتة، حتى لو تغيرت أدواتها، أو تولى تنفيذ بعض العمليات الخاصة أشخاص يعملون بالوكالة لصالح إسرائيل رغم اتفاق وقف إطلاق النار.
بالعموم، ما يُفهم من مصادر فلسطينية متطابقة، فإنّ ما جرى في "الكتيبة" ووقوع هكذا عمليات خاصة، كان سيناريو توقعته دوائر "حماس" الأمنية والعسكرية، بل وتوقعت تصاعده في الفترة المقبلة، وسط تعميم على قادة وعناصر بالحركة، بضرورة تغيير نمط تحركاتها ونشاطها اليومي، في محاولة لإفشال هذه العمليات "المفاجئة".




