على الطريق الطويل بين بشكيك، عاصمة قرغيزستان، وبحيرة إيسيك كول القريبة من الحدود الكازاخية، وجدت نفسي في حافلة إلى جانب عشرة شبان من كازاخستان، شاءت المصادفة أن أشاركهم الحافلة في إطار الفعاليات المصاحبة لمؤتمر إعلامي لمنظمة شنغهاي للتعاون في نهاية شهر تموز/يوليو الماضي.
ثلاث ساعات على الطريق كانت كافية لتحويل الرحلة إلى حديث عن كازاخستان، أكبر دول آسيا الوسطى مساحةً واقتصاداً.
ومع انفتاح المشهد على سهول قرغيزستان والاقتراب من جبال تيان شان، التي تمتد سلاسلها إلى شينغيانغ في شمال غرب الصين، انتقل الحديث من تفاصيل الحياة اليومية إلى أسئلة أعمق حول التحولات التي مرت بها كازاخستان منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي وكيف تنعكس الاضطرابات الدولية على حساباتها.
وكانت الانتخابات التي جرت في آب/أغسطس الفائت، وأصبحت أول اقتراع بعد تعديلات دستورية أعادت رسم بعض ملامح النظام السياسي، في قلب الحديث.
وخلفها برز نقاش حول الإصلاح السياسي وحدوده، وكيف تحاول كازاخستان الحفاظ على هامش حركة في محيط تتقاطع فيه مصالح روسيا والصين وسط حضور متزايد للولايات المتحدة، فيما تعمل في الوقت نفسه على تعزيز روابطها مع بقية دول آسيا الوسطى وتوسيع دوائر تحركها إلى ما هو أبعد من محيطها المباشر، وصولاً إلى الشرق الأوسط.
أكبر اقتصاد والزعامة الإقليمية
لا يصعب استشفاف نظرة الكازاخستانيين إلى بلدهم بوصفه لاعباً إقليمياً رئيسياً. يمكن فهم ذلك انطلاقاً من حجم كازاخستان، فهي أكبر دول آسيا الوسطى مساحةً واقتصاداً، وتنتج وحدها أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة الخمس، فيما تمنحها ثروتها النفطية ومكانتها كأكبر منتج لليورانيوم في العالم وزناً يتجاوز حدودها.
لكن سعي كازاخستان إلى لعب دور قيادي في آسيا الوسطى اصطدم بحقيقة أن أوزبكستان، الأكبر سكاناً في المنطقة، كانت ترى نفسها أيضاً مركزاً طبيعياً للثقل الإقليمي. وهكذا تأرجحت العلاقة بين العاصمتين لسنوات بين التعاون والمنافسة على الزعامة.
ولا تزال بعض ظلال هذا التنافس تظهر في طرق التجارة والنقل، وملفات المياه والطاقة، والسعي إلى توسيع العلاقات مع القوى الكبرى، رغم تحسن العلاقات في السنوات الأخيرة وتوقيع البلدين معاهدة تحالف في 2022.
كوريون وألمان وروس
من جهة أخرى، قد يبدو الحديث عن التنوع الإثني في كازاخستان أمراً عادياً في منطقة عرفت موجات متتالية من الهجرة والترحال، لكن اللافت أن هذا التنوع لا يقتصر على الكازاخ والروس، ففيه كوريون وألمان أيضاً. وتحمل قصتا المجموعتين آثاراً واضحة للتحولات التي أحدثها الحكم السوفياتي. ففي عام 1937، رحّل ستالين قسراً عشرات الآلاف من الكوريين من الشرق الأقصى السوفياتي إلى كازاخستان وأوزبكستان، ثم جاءت في عام 1941 عملية ترحيل ألمان الفولغا إلى كازاخستان ومناطق أخرى من الاتحاد السوفياتي.
أما الحضور الروسي فقصته مختلفة. ويبلغ عدد هذه الأقلية اليوم نحو ثلاثة ملايين نسمة، أي قرابة 15 في المئة من السكان، بعدما كانت تشكل أكثر من 37 في المئة عند الاستقلال في عام 1991. وتراجع هذا الحضور مع صعود الهوية الكازاخية فيما كان لنقل العاصمة من ألماتي إلى أستانا عام 1997، في قلب الشمال ذي الحضور الروسي التاريخي، أبعاد سياسية وديموغرافية.
مع ذلك، لا تزال الروسية لغة رسمية إلى جانب الكازاخية، ووسيلة تواصل يومية بين مجموعات مختلفة. أما في الجنوب، حيث تتركز الأغلبية الكازاخية والأوزبكية، تبدو الهوية الإسلامية أكثر حضوراً، ولا سيما في مناطق مثل توركستان وكيزيلوردا، فيما يظل الحضور الأرثوذكسي أوضح في الشمال والشرق.
ولعل إدارة هذا التنوع الداخلي أكسبت كازاخستان خبرة في التعامل مع هويات ومصالح متشابكة، وهي خبرة تبدو حاضرة أيضاً في سياستها الخارجية، حيث تحرص أستانا على إبقاء خيوط التواصل مفتوحة مع أطراف متباينة المصالح.
مجلس قرولتاي والإصلاح السياسي
وقبل أسابيع من الانتخابات التي جرت في 23 آب/أغسطس المنصرم، وحقق فيها حزب عدالة المرتبط بالرئيس قاسم جومارت توكاييف نحو 70 في المئة من المقاعد، قاد الحديث في الحافلة إلى التعديلات الدستورية وما إذا كانت ستحدث تغييراً فعلياً في بنية النظام السياسي. وكانت الانتخابات أول اقتراع في ظل هذه التعديلات، التي شملت، من بين أمور أخرى، دمج مجلسي الشيوخ والنواب في مجلس تشريعي واحد أُطلق عليه اسم "قُرولتاي"، في استعادة لاسم المجلس الذي كان يجتمع فيه زعماء القبائل والنخب لاتخاذ القرارات الكبرى في العصور الوسطى.
وفي النظرة الأولى، بدا دمج المجلسين أقرب إلى تعديل شكلي، خصوصاً أن صلاحيات مجلس الشيوخ كانت محدودة. لكن التمعن في الخطوة يظهر أنها حلقة في مسار حذر وبطيء، لكنه ثابت، من الإصلاح السياسي وتطوير المؤسسات وتحسين التواصل بين الدولة والمجتمع وتوسيع المشاركة السياسية. وهو مسار شهدته دول أخرى في آسيا الوسطى أيضاً، بينها أوزبكستان التي أعادت صياغة دستورها قبل عامين.
لكن هذا المسار يتأثر بعاملين متداخلين. فمن جهة، لم يعد النموذج الديمقراطي الليبرالي الغربي يحتفظ بالجاذبية نفسها كمرجعية للإصلاح، في ظل الارتداد الملحوظ عنه داخل الغرب نفسه. ومن جهة أخرى، يفرض تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، وتفكك النظام الدولي، وتزايد الصراعات وصعود القوميات، اهتماماً أكبر بتطوير المؤسسات وتعزيز الوضع الداخلي باعتبارهما وسيلة لزيادة قدرة الدولة على الصمود والتعامل مع التحديات.
روسيا: خطر الحاضر وشبح الماضي
وحين وصل الحديث إلى دعوة الرئيس توكاييف، خلال لقائه نظيره الروسي فلاديمير بوتين في أومسك في تموز/يوليو الماضي، إلى تجميد الحرب في أوكرانيا والعودة إلى التفاوض، كان واضحاً أن ذلك الموقف لم يكن متوقعاً بالنسبة إلى كثير من رفاق الحافلة.
وربما يكشف ذلك شيئاً من التعقيد الذي يحكم النظرة الكازاخية إلى حرب أوكرانيا؛ فموسكو تبدو جاراً تاريخياً وشريكاً لا يمكن تجاهله، في الوقت نفسه مصدراً محتملاً للقلق على السيادة.
وتبدو هذه الازدواجية مبررة نظراً إلى التاريخ المشترك مع روسيا لا سيما ان كازاخستان، مثل أوكرانيا، ورثت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ترسانة نووية ضخمة، ثم تخلت عنها مقابل تعهدات باحترام سيادتها ووحدة أراضيها وعدم استخدام القوة ضدها وفق مذكرة بودابست. وقد أظهر الغزو الروسي لأوكرانيا حدود تلك التعهدات عندما تتعارض مع ما تعتبره موسكو مصالحها الأمنية.
وبعيداً عن حرب أوكرانيا، روسيا التي يعرفها جيل اليوم ليست تلك التي عرفتها أجيال سابقة؛ لم تعد موسكو بالنسبة إليه المرجعية السياسية والثقافية أو النموذج التكنولوجي والاقتصادي الذي كانت عليه في الماضي. لكن ذلك لا يعني أن روسيا أصبحت قابلة للتجاوز، فهي لا تزال تملك قواعد ومنشآت عسكرية في كازاخستان، فيما يواصل البلدان تعاونهما العسكري في إطار معاهدة الأمن الجماعي.
مفارقة نفطية
وفيما لا يزال التعاون التجاري يحافظ على زخمه، تسعى كازاخستان إلى التحرر من القيد الجغرافي الذي يزيد اعتمادها على روسيا. وحتى الآن، يمر نحو 80 في المئة من صادراتها النفطية عبر خط أنابيب قزوين إلى ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود.
وقد خففت كازاخستان من هذا الاعتماد بإدخال عدد من الشركات الأميركية الكبرى، في مقدمها "شيفرون" و"إكسون موبيل"، إلى قطاعها النفطي، لكنها تعمل، الآن على توسيع خياراتها.
فالممر الأوسط، عبر بحر قزوين وأذربيجان والقوقاز وتركيا، يفتح أمامها طريقاً آخر إلى الأسواق ويحد، على المدى البعيد، من اعتمادها على الطريق الروسي. وفي الوقت نفسه، يجري تطويره ليصبح ممراً تجارياً أوسع بين الصين وأوروبا، بما يمنح كازاخستان دوراً يتجاوز كونها دولة منتجة للنفط إلى كونها عقدة في شبكة طرق أوراسية.
وتزداد قيمة هذا الدور في سوق نفط تغيرت قواعدها بعد اضطرابات هرمز بالتزامن مع تنامي وزن الصين من جهة الطلب، ما يضيف إلى قيمة كازاخستان لدى أطراف تحتاج إلى تنويع مصادرها وطرق وصولها إلى الأسواق.
لكن إلى أن يتحقق كل ذلك لا تستطيع أستانا قطع علاقتها بموسكو، حتى وهي تعمل على تقليل اعتمادها عليها.
الصين: فرصة وهاجس
وإذا كانت روسيا تثير لدى الكازاخيين أسئلة السيادة والأمن، فإن الموقف من الصين لا يقل تعقيداً؛ فهي شريك اقتصادي لا يمكن تجاهله، وقوة صاعدة يمكن أن تشكل ثقلاً موازناً لموسكو، لكنها في الوقت نفسه تثير حذراً تاريخياً من نفوذ الجار الكبير.
بعد الحرب في أوكرانيا، ازدادت مخاوف أستانا من روسيا، ولا سيما بعد تصريحات سياسيين روس بشأن الأراضي في شمال كازاخستان، ما جعل الصين أكثر أهمية بالنسبة إليها كشريك وعامل في موازنة النفوذ الروسي. وكان تأكيد شي جينبينغ دعم سيادة كازاخستان ووحدة أراضيها واستقلالها رسالة ذات وزن خاص في أستانا.
لكن دور الصين لا يقتصر على ذلك فهي أكبر شريك تجاري، وبوابة رئيسية لمبادرة "الحزام والطريق" نحو أوروبا، ومصدر لاستثمارات ومشاريع في النقل والطاقة والبنية التحتية تتيح لأستانا تنويع طرق تجارتها. ومع صعود السيارات الكهربائية والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الصينية، تبدو الصين أيضاً أكثر جاذبية لجيل جديد يبدي اهتماماً متزايداً بتعلم اللغة الصينية.
مع ذلك، لم تختفِ المخاوف كلياً. فالحضور الاقتصادي الصيني الكبير يثير في الداخل أسئلة حول العمالة والديون والتبعية، ما يجعل الانفتاح على بكين عملية موازنة دقيقة متواصلة.
وأخيراً، تبقى شينغيانغ، التي تحد كازاخستان مباشرة، من أكثر جوانب العلاقة حساسية. لكن حدوداً كان يطغى عليها الهاجس الأمني، خصوصاً مع قضية الإيغور، أخذت تتحول إلى بوابة للتجارة والعبور والاستثمار، ولا سيما في منطقة خورغوس الحدودية للتجارة الحرة.
أميركا: الحذر الإيجابي
وعلى قدر ما يظهر في الحديث عن أميركا إعجاب ببعض جوانب نموذجها، تظهر أيضاً حساسية سياسية تجاه نفوذها وبعض سياساتها، فضلاً عن تحفظات على بعض القيم الاجتماعية المرتبطة بها. مع ذلك، تطورت العلاقة مع واشنطن من التعاون في مجال نزع السلاح النووي، إلى التعاون النفطي، وصولاً إلى بعض الملفات الأمنية، ولا سيما خلال حرب أفغانستان.
وحالياً، اكتسبت العلاقة زخماً إضافياً مع قمة تشرين الثاني/نوفمبر 2025 التي جمعت للمرة الأولى رؤساء دول آسيا الوسطى الخمس مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في واشنطن. وركزت القمة على الطاقة والمعادن الاستراتيجية وطرق النقل، وهي مجالات تزداد أهميتها بالنسبة إلى واشنطن في إطار سعيها إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الصين.
وتكتسب مشاريع النقل التي تعمل كازاخستان على تطويرها أهمية خاصة في هذا السياق، وفي مقدمها الممر الأوسط عبر بحر قزوين والقوقاز إلى أوروبا، باعتباره طريقاً بديلاً عن شبكات النقل التي تمر عبر الأراضي الروسية أو الصينية.
ورغم أن أستانا لا تملك هامشاً واسعاً لمعارضة واشنطن، ولا سيما في ظل السياسات الأكثر هجومية لإدارة ترامب، فإن الحضور الأميركي يمكن أن يوفر لها، في نظر بعض الكازاخيين، هامشاً إضافياً في موازنة نفوذ موسكو وبكين.
قدر الدول الوسطى
ومع اقترابنا من غايتنا، بحيرة إيسيك كول، أو "بحر قرغيزستان" كما يسميها البعض، كان الاستنتاج الأبرز في الحافلة أن ما يبدو براغماتية في سياسة القوى الوسطى قد لا يكون خياراً بقدر ما هو ضرورة وأن قدر هذه القوى في زمن صراعات الكبار هو تنويع العلاقات والخيارات، والتعامل مع كل معسكر بالمفرّق لا بالجملة.
وفي هذا السياق، تقدم كازاخستان، التي انضمت إلى اتفاقات أبراهام العام الماضي وبقيت إلى حد بعيد على الحياد في حرب إيران، مثالاً على مسارين متلازمين: تمتين الوضع الداخلي عبر الإصلاح، مهما كان بطيئاً وحذراً، وبناء شبكة من المصالح والعلاقات تجعلك مهماً لكل القوى الكبرى، بحيث لا تستطيع أي منها أن تضغط عليك من دون أن تحسب أولاً ما إذا كان ذلك سيدفعك إلى أحضان منافسيها.

