يسأل الناس في لبنان إن كان ثمة حرباً جديدة وموسعة ستشهدها الأيام المقبلة. يترقب آخرون المشهد في إيران ومآلاته. البعض يعتقد أن اتفاقاً قريباً في إسلام أباد إن حصل قد ينهي بدفع أميركي الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط منذ "طوفان الأقصى". غير أن ما يحصل هو أكبر من عنوان الحرب على إيران أو من تصعيد إسرائيلي هنا أو هناك. لكأننا في حرب عالمية ثالثة لا يصلح معها تقزيم أي تحليل أو واقعة. بلغ الطوفان العالم بأسره، ولمّا تُسمى الأمور بمسمياتها حتى هذه اللحظة. ما سيكتبه التاريخ لاحقاً سيكون أكثر وضوحاً في هذا الإطار، لكننا ما زلنا نترقب الوقائع ونسأل السؤال: وفق أي شكل جديد للعالم ستنتهي هذه الحرب العالمية؟
لماذا نحن في قلب الحرب العالمية الثالثة؟
لوسم حرب ما بالعالمية، ثمة أربع عناصر يمكن رصدها: أن تنخرط فيها معظم القوى الكبرى انخراطاً مباشراً، أن يمتدّ مسرحها إلى أكثر من قارة، أن تكون كلّية بمعنى تعبئة الاقتصادات والمجتمعات عدا عن الجيوش، وأن تُنتج نظاماً دولياً جديداً. يختلف الوضع راهناً، ومع ذلك ثمة مؤشرات على عالمية حقيقية لما يدور في العالم، بيد أنها من نوع مختلف عن عالمية الحربين السابقتين.
يكمن المؤشر الأول في عدد النزاعات حول العالم. خمس وستون نزاعاً وفق برنامج بيانات النزاع في جامعة أوبسالا، وهو العدد الأكبر منذ العام 1945. للأمر دلالاته. طبيعة الصراعات نفسها أصبحت أكثر قابلية للانتشار، كما أن بعض النزاعات يمكن أن يتحول إلى مواجهات كبرى تتورط فيها قوى دولية، مثل احتمال اندلاع حرب حول تايوان، أو توسع الحرب في أوكرانيا، أو تصعيد في شبه الجزيرة الكورية، أو اتساع حرب الشرق الأوسط بعد أكثر. وضعٌ خطر بطبيعة الحال ويزداد خطورةً بلحاظ أن الأدوات التي كانت تضبط التنافس بين القوى الكبرى تتراجع. معاهدات الحد من التسلح تضعف، العقوبات الاقتصادية تتحول إلى وسيلة للصراع، الدول تعيد بناء جيوشها وتزيد إنفاقها العسكري، بل وتعود في بعض الدول إلى التجنيد الإلزامي. في الوقت نفسه، يتعمق الانقسام بين الولايات المتحدة وحلفائها من جهة، وروسيا والصين وشركائهما من جهة أخرى، ناهيك عن أن الولايات المتحدة نفسها لم تعد تتصرف دائماً كحارس للنظام الدولي الذي أسهمت في بنائه بعد الحرب العالمية الثانية. مواقف ترامب من العولمة والتحالفات التقليدية تكشف عن استعداد لمراجعة هذا النظام من الداخل، كذلك وزير خارجيته ماركو روبيو الذي قال في جلسة تثبيته إن النظام العالمي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية لم يعد فقط متقادماً، بل أصبح في بعض جوانبه أداة تُستخدم ضد الولايات المتحدة، وإن الدول الأخرى عادت إلى التصرف وفق مصالحها الوطنية بدلاً من الالتزام بقواعد النظام الذي قادته واشنطن. جاي دي فانس ذهب كذلك في الاتجاه نفسه في خطابه أمام مؤتمر ميونيخ للأمن عندما دعا إلى مساءلة الأساس القيمي للتحالف الغربي نفسه، محذراً من أن التحالفات لا يمكن أن تقوم على التزامات تاريخية إذا لم تعد الأطراف تتشارك القيم والمصالح ذاتها.
يرتبط المؤشر الثاني بالاقتصاد الذي أضحى أحد أهم ميادين الصراع والقوة في الحروب. هذا ما يوضحه كل من هنري فاريل وأبراهام نيومان في دراستهما عام 2019 التي شرحا فيها مفهومهما عن "الاعتماد المتبادل المُسلَّح"، فالعالم الحديث قائم على شبكات اقتصادية ومالية مترابطة، لكن هذه الشبكات لا توزّع القوة بالتساوي. الدولة التي تسيطر على العُقد الأكثر أهمية فيها تستطيع أن تستخدم هذا الموقع للضغط على الآخرين. هي عقد تشمل أنظمة الدفع والتحويلات المالية، والمصارف، والموانئ، وسلاسل التوريد، والتكنولوجيا، والطاقة. فإذا كان اقتصاد دولة ما يعتمد على طريق أو مؤسسة أو مادة تسيطر عليها دولة أخرى، يمكن لهذه الأخيرة أن تحول هذا الاعتماد إلى أداة ضغط تمنع الوصول إلى السوق مثلاً، أو تفرض عقوبات، أو تقطع التمويل، أو تحظر تصدير التكنولوجيا والمواد الأساسية، ما يُحوّل الاعتماد المتبادل من وسيلة للتعاون إلى مصدر للقوة والإكراه.
يُبرز إدوارد فيشمان هذه الفكرة أيضاً في كتابه "نقاط الاختناق: القوة الأميركية في عصر الحرب الاقتصادية". يوضح كيف أن القوة الاقتصادية الحديثة لا تقوم فقط على حجم الاقتصاد، بل أيضاً على القدرة على التحكم في النقاط التي لا تستطيع الشبكات العالمية الاستغناء عنها. لذلك أصبحت العقوبات والقيود على التكنولوجيا والتحكم في سلاسل التوريد ومنع تصدير المواد الاستراتيجية أدوات أساسية في السياسة الدولية.
وتظهر أهمية ذلك بوضوح في الصراع حول المعادن النادرة والمغناطيسات والرقائق الإلكترونية لكونها مواد ضرورية لصناعات السيارات والإلكترونيات والذكاء الاصطناعي والتقنيات العسكرية، ومن يملك القدرة على التحكم في إنتاجها أو تصديرها يستطيع التأثير في صناعات دول أخرى، حتى من دون استخدام القوة العسكرية مباشرة. بل تمتد نقاط الاختناق إلى المال نفسه، وفي قلبه الولايات المتحدة. فالدولار وسوق سندات الخزانة الأميركية يشكلان إحدى أهم العقد التي تنتظم حولها الشبكة المالية العالمية، ولذلك فإن أي تضخم في السوق الأميركي لن يبقى أميركياً تماماً.
ما يستحق الإشارة إليه في هذا الصدد هو أن واشنطن أظهرت في الصراع مع روسيا أن موقعها المركزي في النظام المالي يمكن أن يتحول من مصدر للثقة إلى أداة ضغط، بعدما جرى تجميد جزء كبير من الاحتياطيات الروسية. قلقٌ تُرجم في اتجاه بعض الدول إلى تنويع احتياطاتها، فقد تراجعت الحيازات المعلنة للصين من سندات الخزانة الأميركية بصورة ملحوظة، ما يعني أنه كلما استخدمت الولايات المتحدة مركزيتها المالية للضغط على خصومها، ازدادت حوافز الآخرين لبناء بدائل تقلل اعتمادهم عليها. هكذا بالضبط يكون المال نقطة اختناق في الحرب الحديثة.
الأمر نفسه ينطبق على الممرات البحرية. هرمز وباب المندب ليسا مجرد مضيقين جغرافيين. إنهما نقطتا اختناق في الاقتصاد العالمي، وأي تهديد لحركة السفن ينتقل أثره من الممر البحري إلى الأسواق ومن الأسواق إلى حياة الناس اليومية. هذه صورةٌ لعالم حديث مفارق عن عالم 1939. في الحرب العالمية الثانية كان الاقتصاد عنصراً مهماً في الحرب، لكن الحرب بقيت مرتبطة أساساً بجبهات عسكرية واضحة، وكان الحصار الاقتصادي أحد أدواتها. أما اليوم فقد أصبح الاقتصاد نفسه أحد مسارح الحرب. الجبهة ليست بالضرورة مكاناً يوجد فيه الجنود. قد تكون مصنعاً للرقائق، أو شبكة دفع، أو مضيقاً بحرياً، أو منجماً للمعادن النادرة...
ينطوي المؤشر الثالث على مسألة الانضباط النوويّ، وهذا هو السبب الأبرز في أن الحرب العالمية الحالية لا تبدو حرباً. لقد غيّر السلاح النووي طبيعة الحرب نفسها. في الحربين العالميتين الأولى والثانية، كان بإمكان الدول أن تصعّد القتال تدريجياً حتى تصل إلى معارك كبرى وحاسمة، لأن خطر تدمير البشرية بأكملها لم يكن قائماً. أما اليوم، فإن امتلاك القوى الكبرى للسلاح النووي يجعل المواجهة المباشرة بينها شديدة الخطورة، لأن أي تصعيد كبير قد يتحول إلى كارثة لا يستطيع أحد السيطرة عليها، ولذلك يتغير شكل الحرب، وبدلاً من المواجهة المباشرة بين الجيوش تنتقل إلى مستوى أقل من الحرب الشاملة، لكن أكثر غموضاً. وهذا الغموض هو ما يحيل إلى المؤشر الرابع المتعلق بغياب تاريخ البداية للحرب. الحروب العالمية لا تبدأ دائماً بوضوح في اللحظة التي تقع فيها. نحن نعرف اليوم أن الحرب العالمية الأولى بدأت عام 1914 والحرب العالمية الثانية عام 1939، لكن الذين عاشوا تلك الأحداث لم يكونوا يعرفون أنهم دخلوا حرباً ستُسمّى لاحقاً حرباً عالمية، وكانوا يرون أحداثاً منفصلة تتطور أمامهم. ينطبق هذا على اللحظة الراهنة. ثمة أكثر من تاريخ يمكن اعتباره بداية لهذه الحرب: الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في شباط/فبراير 2022، أو أحداث السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي بدأت في 28 شباط 2026.. غموضٌ سيعني أننا داخل مسار تاريخي كبير من دون أن نمتلك بعد المسافة الزمنية اللازمة لتسميته. وكما احتاج المؤرخون إلى نهاية الحرب العالمية الأولى لكي ينظروا إلى الأحداث المتفرقة ويجمعوها تحت اسم واحد، قد يحتاج مؤرخو المستقبل إلى انتهاء الصراع الحالي حتى يحددوا متى بدأ بالضبط، وما الأحداث التي كانت مقدماته الفعلية.
أحلاف بلا اصطفاف
ثمة ما يمكن إضافته في السياق. في الحروب الكبرى السابقة، كانت الأحلاف تساعد على دفع الدول نحو أحد سلوكين واضحين. قبل الحرب العالمية الأولى، ظهر ما يسميه توماس كريستنسن وجاك سنايدر بـ"سلسلة التكتّل" (Chain-ganging)، بحيث تختار دولة الحرب، ثم تجد حلفاءها منجرفين إليها لأن التزاماتهم تجاهها تدفعهم إلى الوقوف معها. كان ذلك قريباً مما فعلته ألمانيا حين منحت النمسا دعماً مفتوحاً في أزمتها مع صربيا. أما قبل الحرب العالمية الثانية، فقد ظهر نمط آخر هو "تمرير المسؤولية" (buck-passing)، بحيث تعرف الدول أن هناك خطراً يتعاظم، لكنها تنتظر أن يواجهه طرف آخر حتى لا تتحمل هي كلفة المواجهة الأولى.
لا يبدو العالم متجهاً اليوم بوضوح إلى أحد النموذجين. التكتّل وتمرير المسؤولية يعملان معاً، ويظهر إلى جانبهما أيضاً سلوك ثالث هو التحوّط. الدول التي تدرك أن الحرب قد تصل إليها بدأت تبني لنفسها شبكات أمان مستقلة عوضاً عن الاعتماد الكامل على حليف أكبر. يتجلّى هذا بوضوح في العلاقة بين ترامب ونتنياهو حيث العلاقة لا تشبه نموذج 1914 الذي تمنح فيه القوة الكبرى حليفها حرية الحركة وتتحمل معه نتائج التصعيد. ما يحدث أحياناً هو العكس تماماً. تتدخل الولايات المتحدة بوصفها الطرف الأقوى لتحديد سقف التصعيد الإسرائيلي أو لمنعه عندما ترى أن الحرب تجاوزت الحدود التي تريدها.
نمط التحوّط هذا يمكن تتبعه كذلك إذا نظرنا إلى العلاقة الأميركية بأوكرانيا وأوروبا. لقد بدأت ترتيبات الأمن الأوروبي تتجه تدريجياً إلى توزيع الأعباء وبناء قدرات أوروبية أكثر استقلالاً، مع الإبقاء على الولايات المتحدة في موقع الداعم أو الضامن في بعض المجالات، لا في موقع الطرف الذي يتولى مسؤولية الأمن منفرداً.
نموذج آخر. دول منطقة الشرق الأوسط نفسها باتت تتحرك بطريقة مختلفة. أمكن فهم الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان من هذا الباب، بحيث تحاول دول متوسطة وقوية إقليمياً تأمين نفسها في عالم لم تعد فيه الضمانات القديمة كافية، والرسالة الأساسية هي أنه إذا لم نعرف إلى أين يتجه النظام الدولي، فعلينا أن نمتلك نحن أيضاً شبكة حماية. والمفارقة أن تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، لكنها في الوقت نفسه تدخل في ترتيب دفاعي جديد مع دول لها حساباتها الأمنية الخاصة، أي أن الدولة نفسها تستطيع أن تكون جزءاً من أكثر من شبكة أمنية، حتى عندما لا تتطابق تصورات هذه الشبكات حول الخصوم والمخاطر، وهذا أمر يصعب وضعه في خريطة الأحلاف التقليدية التي عرفناها في 1914 أو 1939.
المنطقة التي لم تعرف "ويستفاليا"
إذا كان ما يجري اليوم يشير إلى أن النظام العالمي القديم يتراجع من دون أن يكون نظام جديد قد استقر بعد، أين يمكن أن تتشكل القواعد الجديدة التي ستنظم العالم بعد هذه المرحلة؟
لعل الشرق الأوسط يكتسب أهمية خاصة في هذا الإطار، لأنه منطقة لم يترسخ فيها النموذج الويستفالي بالطريقة التي ترسخ بها في أوروبا. ويستفاليا ليست مجرد معاهدة سلام وقّعت عام 1648، وإنما نظام يقوم على فكرة أن الدول كيانات مستقلة، لكل منها سيادتها وحدودها، وأن العلاقات بينها تُنظَّم بقواعد واضحة. غير أن الشرق الأوسط ظل إلى جانب الدول وحدودها الرسمية محكوماً أيضاً بروابط وهويات ومصالح تتجاوز الحدود كالدين، والقومية، والطائفية، والصراع مع اسرائيل... ولذلك بقيت أسئلة أساسية بلا أجوبة نهائية: ما قواعد اللعبة التي يمكن أن تقبل بها دول المنطقة؟ من يملك حق استخدام القوة؟ ما حدود تدخل دولة في شؤون أخرى؟ ومن يضمن أمن الجميع؟
يخصّص هنري كيسنجر الفصل الثالث من كتابه "النظام العالمي" لِما سمّاه "الإسلاموية والشرق الأوسط: عالمٌ في حالة من الفوضى"، ويجادل بأن النموذج الويستفالي لم يتجذر في الشرق الأوسط كما تجذر في أوروبا، لأن المنطقة لم تستقر بصورة نهائية على مفهوم واحد للشرعية والسيادة. محمد حسنين هيكل وللمفارقة كان قد استخدم قبل كيسنجر بعقود تعبيراً شديد الدلالة حين وصف سلسلة الحروب والصراعات التي شكّلت تاريخ المنطقة تحت عنوان "حرب الثلاثين سنة". فحرب الثلاثين عاماً الأوروبية، التي انتهت سنة 1648، هي الحرب التي ارتبطت بالتسويات التي أرست النظام الويستفالي. ستبدو استعارة هيكل وإن لم يقصدها وكأنها تحمل سؤالاً عن الشرق الأوسط نفسه: هل يحتاج هذا الصراع الطويل إلى ويستفاليا خاصة به، أي إلى تسوية لا تنهي حرباً واحدة فقط، بل تعيد تعريف قواعد النظام الإقليمي؟ وسيصبح هذا السؤال أكثر أهمية إذا استحضرنا نظرية هيكل عن "الحزام الشمالي"، أي إيران وتركيا وإسرائيل بوصفها قوى غير عربية تحيط بالمجال العربي وتؤثر في توازناته، مع الدور الأميركي في إدارة العلاقة بين هذه القوى والعالم العربي. وبغض النظر عن مدى صلاحية هذه النظرية لتفسير كل ما يحدث اليوم، فإن المفارقة اللافتة أن القوى الثلاث نفسها ما زالت في قلب الصراع على شكل النظام الأمني في الشرق الأوسط. وبالتالي إذا كان النظام العالمي بأسره يمر بمرحلة انتقال، فقد يكون الشرق الأوسط لا أوروبا أحد الأماكن التي ستتبلور فيها قواعد النظام الجديد، تحديداً لأنه لم يستقر فيه نظام إقليمي نهائي منذ البداية.
من هذه الزاوية، تصبح بعض ترتيبات العام 2026 أكثر أهمية لكونها تكشف أن معنى السيادة نفسه أصبح موضع صراع وتفاوض. فالإطار الثلاثي في السادس والعشرين من حزيران، بغض النظر عن الموقف منه وعن مآلاته، رفع بالأساس شعار استعادة سيادة الدولة. وفي المقابل، تظهر "اتفاقية مكة" بوصفها محاولة لبناء ضمانات أمنية إقليمية لا تعتمد بالكامل على المظلة الغربية، بينما قد يفتح مسار هرمز الباب إذا نجح أمام تحويل أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم من ساحة دائمة للتوتر إلى فضاء تحكمه قواعد تفاوضية متفق عليها. كلّ واحدةٍ من هذه الوثائق تحاول أن تنحى منحى ويستفاليا، بمعنى أن تحاول إعادة تحديد من هو صاحب السيادة، وبأيّ شروط.
كيف تنتهي حرب كهذه؟
الأرجح أن هذه الحرب لن تنتهي بمشهد واحد. طبيعتها نفسها تمنع ذلك. ما بدأ كصراع عسكري أخذ يتحول إلى شبكة من الصراعات المتزامنة. لكن حادثة صغيرة في لبنان قد تغير طبيعة الحرب ويمكن أن تستدعي رداً من إيران (في حال ضربت إسرائيل الضاحية مثلاً كما كان مخططاً بعد حادثة مجدل زون وفق بعض المصادر)، والرد الإيراني يمكن أن يفتح جبهة بحرية، والهجوم البحري يمكن أن يستدعي تدخلاً أميركياً أو إسرائيلياً أوسع. عندها سيدخل أي هجوم في الخليج أو أي أزمة في لبنان أو أي اضطراب في البحر الأحمر في حسابات الصراع الأميركي ـ الصيني أو الروسي ـ الغربي أو صراع القوى الإقليمية. وإذا تزامن ذلك مع أزمة كبرى حول تايوان أو شرق آسيا، فقد يجد العالم نفسه أمام لحظة مختلفة تماماً. المفارقة أن اقتراب هذه الأزمات من بعضها قد لا يقود إلى حرب عالمية مفتوحة. كلما ارتفع خطر المواجهة المباشرة بين القوى النووية، ارتفعت معها كلفة تجاوز العتبة التي يمكن بعدها أن يصبح التصعيد غير قابل للسيطرة. لذلك قد تكون النتيجة حرباً طويلة، عنيفة، ومتعددة الأدوات، لكنها تبقى في معظم الوقت تحت سقف الحرب الشاملة.
هو تعقيدٌ عالٍ للمشهد يمكن أيضاً رصده في الحالة اللبنانية من زاوية أخرى. واقعاً، واشنطن لا تدير الملف اللبناني اليوم من مسار واحد، بل تجد نفسها مضطرة إلى التعامل معه عبر مسارين متوازيين لا يتطابقان تماماً. من جهة مسار أوسع مع إيران، كما ظهر في اتفاق إسلام آباد، ومن جهة أخرى مسار آخر يتعلق مباشرة بلبنان وإسرائيل وترتيبات الجنوب وسلاح حزب الله وانسحاب القوات الإسرائيلية وتوسيع سلطة الدولة اللبنانية. وقد بدا أن واشنطن تعترف بالمسارين معاً، وتحاول إدارتهما في الوقت نفسه، وهذه ليست مجرد مسألة تفاوضية لبنانية. سيغدو هذا المشهد صورة مصغرة لاختلال النظام الدولي نفسه. تستطيع القوة الكبرى نظرياً في نظام مستقر أن تحدد مساراً واحداً وتدفع الأطراف نحوه. أما في النظام الانتقالي، فإن تعدد مراكز القوة والمصالح يجعل حتى الدولة الصغيرة واقعة عند تقاطع أكثر من توازن، بحيث لا تستطيع القوة الأكبر أن تحسم مصيرها بإرادة منفردة.
وأمام كل هذه المعطيات، من الصعب الاكتفاء بالقول بأن النهاية الحقيقية لهذا الواقع ستبدأ عندما يتعب الجميع، لأن الحروب الكبرى تنتهي أيضاً عندما تستنفد الأطراف أهدافها، سلباً أو إيجاباً.المعضلة هنا أن مآلات هذه الحرب لن تتحدد فقط بما تريده الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، بل بما تريده القوى الكبرى الأخرى من العالم الذي سيخرج من هذه المرحلة. فالصين لا تنظر إلى نتائج الحرب من زاوية نجاح واشنطن أو فشلها وحده، بل من زاوية ما إذا كانت هذه النتائج توسع هامشها الاستراتيجي، أو تضعف منافسها، أو تعيد توزيع النفوذ في آسيا والشرق الأوسط والاقتصاد العالمي.
النظام الجديد لا بد وأن يكون نتيجة استقرار موازين جديدة بحيث تتراجع قوة، وتتقدم أخرى، ويحقق طرف من مصالحه ما يكفي لفرض قاعدة جديدة، وأطراف أخرى تقبل بها لأنها تصبح أقل كلفة من استمرار الصراع، وحينها سيصبح ما كان نتيجة مؤقتة للصراع أساساً للنظام الذي يأتي بعده. عند هذه النقطة بالتحديد يصبح من الممكن الحديث عن "ويستفاليا جديدة" بوصفها عملية طويلة تتحول خلالها موازين القوة التي أنتجتها الحرب إلى قواعد تنظّم العلاقات بين الدول.
وما أدرانا، قد لا تكون هذه الويستفالية الجديدة عالمَ دولٍ ذات سيادة مطلقة كما تخيلها السرد الأوروبي التقليدي. قد تكون السيادة فيها مرتبطة بالقدرة على ضبط الحدود والمجال الداخلي، ومسنودة بترتيبات أمنية خارجية، ومقيدة بشبكات الاعتماد الاقتصادي والتحالفات. دولةٌ تملك علماً وحدوداً ومقعداً في الأمم المتحدة، لكنها لا تستطيع وحدها تحديد أمنها أو اقتصادها أو علاقاتها العسكرية، لأن أمنها أصبح جزءاً من شبكة أكبر! ولهذا يصبح جنوب لبنان أكثر من جبهة في هذه الحرب. ففيه تُختبر على مساحة محدودة أسئلة النظام الذي قد يأتي بعدها من قبيل من يملك قرار استخدام القوة؟ من يضمن الأمن عندما تعجز الدولة وحدها؟ من يراقب تنفيذ الترتيبات ومن يحدد وقوع الخرق؟ وما حدود السيادة حين تصبح مرتبطة بضمانات أمنية خارجية؟ هذه ليست هذه أسئلة لبنانية فقط. إنها في العمق أسئلة عن شكل الدولة والسيادة والقوة في النظام الدولي المقبل.
وإذا كانت ويستفاليا الأولى قد صيغت في أوروبا من دون مشاركة حقيقية لمعظم العالم، فإن المفارقة التاريخية هذه المرة أن المناطق التي كانت غائبة عن صياغة النظام القديم ستكون في قلب صياغة النظام الذي يليه. الشرق الأوسط، والخليج، وآسيا، والممرات البحرية، وسلاسل الطاقة والتجارة، لن تكون هوامش في القصة. ستكون من الأماكن التي يُحسم فيها شكل النظام المقبل.
عملياً، وواقعاً، نحن لا نعرف بعد إن كانت هذه الحرب ستنتج نظاماً جديداً، أم ستترك وراءها فوضى أطول، أم ستقود إلى تسويات جزئية لا تكفي لبناء نظام مستقر. لكن ما نستطيع قوله هو أن قواعد النظام القديم تتعرض للاختبار في أكثر من مكان في الوقت نفسه، وأننا بالفعل في أتون الحرب العالمية الثالثة!




