قمة شنغهاي تكشف نفوذ الصين المتصاعد وحدود الحرب الاقتصادية

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/09/01
قمة شنغهاي (Getty)
شي يجمع روسيا وإيران والهند في بشكيك ويستعرض نفوذ الصين المتصاعد (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن اجتماع قادة الصين وروسيا والهند وإيران ودول أخرى في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في قرغيزستان، أظهر حجم النفوذ الذي بات يتمتع به الرئيس الصيني شي جينبينغ، في وقت كشفت فيه الحروب الجارية عن حدود قدرة الولايات المتحدة على استخدام الضغوط والعقوبات الاقتصادية لعزل خصومها.

وذكرت الصحيفة، أن وصول شي إلى العاصمة القرغيزية بشكيك للمشاركة في القمة التي تستمر يومين وتضم قادة الدول العشر الأعضاء في المنظمة، أظهر قدرة بكين على توفير الدعم لخصوم واشنطن والحفاظ على علاقاتها معهم في أوقات السلم والحرب، حيث تنعقد القمة على خلفية حربين دفعتا العالم إلى مرحلة من الاضطراب الجيوسياسي الحاد، وأثرتا في النمو الاقتصادي وأسهمتا في ارتفاع التضخم، في وقت كانت هذه التداعيات نفسها حاضرة في اجتماعات وزراء مالية مجموعة العشرين في آشفيل بولاية نورث كارولاينا الأميركية.

ورأت الصحيفة أن اجتماع بشكيك تحول، في المقابل، إلى استعراض للنفوذ الذي منحته الحروب لشي، مشيرة إلى أنه لا توجد دولة لعبت دوراً أكثر أهمية من الصين في مساعدة روسيا وإيران على الحفاظ على اقتصاديهما وجهودهما الحربية.

 

الصين تقوّض الضغوط على روسيا وإيران

وقالت "نيويورك تايمز" إن شي قوّض جهود الولايات المتحدة وحلفائها الرامية إلى ممارسة ضغوط اقتصادية على موسكو وطهران، مستفيداً من الثقل الجيوسياسي والاقتصادي لبكين، باعتبار الصين أكبر مستورد للنفط الخام وأكبر مصدر للسلع الاستهلاكية في العالم. وأضافت أن الولايات المتحدة، المنافس الأكبر للصين، باتت منشغلة بالحرب في إيران، وسحبت بعض قواتها العسكرية من آسيا وأوروبا، في حين تمكن شي الشهر الماضي من تجاهل تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بفرض ما وصفه بـ"يوم إنزال اقتصادي" على الدول التي توفر شريان حياة لطهران.

وأشارت الصحيفة إلى أن ترامب سبق أن أطلق تهديدات مماثلة ضد مشتري النفط الروسي، لكنه لم يتخذ إجراءات ضد بكين. ونقلت عن جوليان غيرويتز، المدير السابق لشؤون الصين وتايوان في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس جو بايدن، قوله إن ترامب أصبح يعاني "مشكلة جوهرية في المصداقية" لدى شي بعد أحداث العام الماضي، مضيفاً أن تهديداته وتطميناته تبدو لبكين وكأنها "مكتوبة بقلم رصاص".

وبحسب الصحيفة، يسعى شي خلال قمة بشكيك إلى تعزيز صورته قائداً للدول غير الغربية ومواجهة ما يصفه بـ"الهيمنة الأميركية"، لكنه يُرجح أن يتعامل بحذر مع حجم الدعم العلني الذي سيقدمه لإيران. وأوضحت أن الرئيس الصيني لا يريد استفزاز ترامب قبل أقل من شهر على زيارته المقررة إلى واشنطن، حيث سيحاول تمديد الهدنة الاقتصادية الهشة بين الولايات المتحدة والصين. ومن المقرر أن يزور شي مصر والهند في زيارتين رسميتين قبل توجهه إلى الولايات المتحدة.

ونقلت الصحيفة عن محللين أن سلسلة الزيارات التي تسبق قمته مع ترامب تهدف إلى تقديم شي بوصفه رجل دولة قوياً، في وقت شهدت فيه علاقات واشنطن مع عدد من حلفائها توترات. وقال غيرويتز إن شي يرى فرصة لإظهار أن "الصين لديها أصدقاء وخيارات في أنحاء العالم"، في الوقت الذي تبتعد فيه واشنطن عن عدد من حلفائها.

 

بوتين وبزشكيان في بشكيك

ووصفت "نيويورك تايمز" قمة منظمة شنغهاي بأنها تذكير بحدود الحرب الاقتصادية التي تقودها الولايات المتحدة، مشيرة إلى وصول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى العاصمة القرغيزية أمس الاثنين، في وقت تعتمد فيه موسكو وطهران بدرجة كبيرة على الصين وتحاولان مقاومة المساعي الغربية لعزلهما ومواصلة أهدافهما خلال الحرب.

وقالت الصحيفة إن بكين وفّرت إلى حد كبير شرايين اقتصادية لموسكو وطهران، واستخدمت ثقلها الاقتصادي بطريقة أثارت إحباط واشنطن. لكن التقرير أشار إلى وجود حدود لنفوذ الصين، إذ إنه على الرغم من أن منظمة شنغهاي تضم جانباً أمنياً، فإن بكين لم تبدِ استعداداً لنشر قواتها للدفاع عن أعضاء في المنظمة، مثل إيران التي انضمت إليها عام 2023، أو روسيا، واكتفت رسمياً بالدعوة إلى الحوار وإنهاء النزاعات.

وبحسب محللين تحدثوا للصحيفة، لا يريد شي التورط في حروب خارجية، إذ تنظر بكين إلى الحروب الخارجية باعتبارها أحد الأسباب الرئيسية لتراجع القوة الأميركية خلال العقود الماضية، لكنها في الوقت نفسه مستعدة لزيادة التجارة وتوفير تقنيات يمكن استخدامها في ساحات القتال.

 

تعاون صيني روسي متزايد

وذكرت "نيويورك تايمز" أن شي عقد أمس، محادثات ثنائية مع بوتين في بشكيك، وأشاد بما وصفه بالآفاق المتزايدة إشراقاً للعلاقات الصينية الروسية.

وفي المقابل، سلّط بوتين الضوء على نجاح السفر من دون تأشيرات بين البلدين، وأبدى استعداده لجعل الترتيب دائماً. كما أشار إلى عبور أول رحلة مجدولة لسفينة حاويات صينية عبر "طريق بحر الشمال" في منتصف آب/ أغسطس، في مؤشر على إمكانية توسيع التعاون بين البلدين في القطب الشمالي.

وقالت الصحيفة إن عقد لقاء منفصل بين شي وبزشكيان على هامش القمة سيكون مؤشراً على مدى استعداد الرئيس الصيني لدفع حدود علاقته مع إيران قبل زيارته المقررة إلى الولايات المتحدة.

وأشارت إلى أن منظمة شنغهاي للتعاون كانت تضم في بدايتها روسيا والصين وأربع دول من آسيا الوسطى، قبل أن تنضم إليها الهند وباكستان عام 2017، ثم بيلاروسيا وإيران لاحقاً، لتتحول تدريجياً إلى ثقل مقابل للتكتلات السياسية والأمنية التي يقودها الغرب.

 

شبكة تساعد موسكو وطهران

وبحسب "نيويورك تايمز"، فإن عدداً من الدول المشاركة في قمة بشكيك ساعد روسيا على مواصلة حربها ضد أوكرانيا، التي دخلت عامها الخامس، كما ساعد إيران على الصمود أمام الهجوم الأميركي المستمر منذ أشهر.

وأشارت الصحيفة إلى أن إيران زودت روسيا بطائرات "شاهد" المسيّرة بعد فترة وجيزة من بدء الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022، وساعدت موسكو في إنشاء منشآت محلية لإنتاج هذه الأسلحة. كما تحولت دول آسيا الوسطى، وفق التقرير، إلى مسارات حيوية للواردات والمدفوعات الروسية، في ظل محاولات موسكو الالتفاف على القيود الغربية، بينما لجأت إيران إلى آسيا الوسطى باعتبارها مساراً بديلاً للاستيراد في ظل الحصار الأميركي.

وقالت الصحيفة إن الهند وكازاخستان وبيلاروسيا كانت من بين الدول التي تدخلت خلال الأسابيع الأخيرة لإرسال البنزين إلى روسيا، بعدما ألحقت الضربات الأوكرانية بعيدة المدى أضراراً كبيرة بمصافي النفط الروسية.

 

النفط يعزز أوراق بكين

وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن الهند أصبحت أحد أكبر مشتري النفط الروسي عقب الغزو الروسي لأوكرانيا، قبل أن تنخفض وارداتها تحت ضغط ترامب والعقوبات الأميركية الجديدة على شركات النفط الروسية الكبرى. لكن الحرب الأميركية على إيران أحدثت اضطراباً في أسواق النفط، وفق الصحيفة، ما دفع الموردين الهنود مجدداً إلى زيادة الاعتماد على الواردات الروسية، في حين بقيت الصين أكبر مستورد للنفط الخام الروسي والإيراني.

ورأت الصحيفة أن علاقة شي ببوتين أصبحت بصورة متزايدة تميل لمصلحة بكين، إذ أتاحت العقوبات الغربية المرتبطة بالحرب الأوكرانية للصين شراء وتخزين النفط الروسي بأسعار مخفضة، ما ساعدها على تخفيف تداعيات الحصار في مضيق هرمز. وأضافت أن اختيار قرغيزستان لاستضافة القمة يعكس بدوره اتساع النفوذ الصيني على حساب روسيا. فالدولة التي كانت جمهورية سوفياتية وتقع تقليدياً ضمن دائرة النفوذ الروسي شهدت خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً للحضور الصيني، بالتوازي مع تقارب دول آسيا الوسطى الخمس فيما بينها رداً على الحرب الروسية ضد أوكرانيا.

ونقلت الصحيفة عن شي قوله، خلال اجتماعه أمس مع الرئيس القرغيزي صدير جاباروف، إن العلاقات بين بكين وبشكيك حققت "قفزة إلى الأمام"، وإن التعاون بينهما "يزدهر في جميع المجالات". وفي مساء اليوم نفسه، شارك القادة في مراسم افتتاح دورة الألعاب العالمية للبدو الرحل في ملعب جديد بالعاصمة بشكيك، بحضور عروض للرقص والغناء التقليدي وفعاليات للفرسان.

 

ترامب أمام معادلة إيران والصين

وخلصت "نيويورك تايمز" إلى أن ترامب سيطلب على الأرجح، عندما يصل شي إلى الولايات المتحدة، تعاون الصين في ملفي إيران وكوريا الشمالية، لكن من غير الواضح ما إذا كانت بكين مستعدة للاستجابة.

ونقلت عن غيرويتز قوله إن ترامب وضع نفسه في موقف صعب، إذ تواجه إدارته صعوبة في التوفيق بين هدفين يبدوان متناقضين: تشديد الضغوط على إيران، وفي الوقت نفسه الحفاظ على الهدنة الاقتصادية مع الصين.

وبحسب الصحيفة، تكشف قمة بشكيك أن محاولات واشنطن عزل خصومها اقتصادياً تصطدم بقدرة الصين على توفير أسواق ومسارات تجارية وبدائل مالية لروسيا وإيران، في وقت يستثمر فيه شي هذه الظروف لتوسيع نفوذ بلاده وتعزيز موقعها في مواجهة النظام السياسي والأمني الذي تقوده الولايات المتحدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث