غزة... صيانة الواقع الراهن حتى الانتخابات الإسرائيلية

ماجد عزامالثلاثاء 2026/09/01
غزة (Getty)
تفويض اللجنة الوطنية لإدارة غزة يُتوقع أن يمتد فعليا لخمس سنوات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أظهرت مجريات الأيام الماضية، بعد جولة المبعوث الأميركي جاريد كوشنير وحوارات الفصائل الفلسطينية في العلمين، والممارسات والسياسات الإسرائيلية والمواقف المعلنة لبنيامين نتنياهو وأركان حكومته، وأخيراً الإحاطة الواضحة التي قدمها نيكولاي ميلادينوف أمام مجلس الأمن نهاية الأسبوع، أن لا شيء سيتغير جدياً في قطاع غزة حتى الانتخابات الإسرائيلية المقررة نهاية تشرين الأول/ أكتوبر القادم، مع التوافق المبدئي والنظري على خارطة الطريق لتنفيذ خطة الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الحرب واليوم التالي لها بغزة، ما يعني تحسناً نسبياً للأوضاع الكارثية والمأساوية بغزة، ولو من الزاوية الإنسانية "الزائفة" وتحت رايتها، والخشية العنصرية من تداعيات الأوبئة والأمراض المعدية والتلوث البيئي بغزة على حياة جنود الاحتلال والمستوطنين بالمستوطنات المحيطة بغزة، مع خطوات تمهيدية جداً فيما يتعلق بنزع أو تجميد السلاح خلال شهر أي إلى نهاية أيلول/ سبتمبر القادم، ثم شهرين أو ثلاثة لمعالجة أو انطلاق معالجة قضية الأنفاق أي حتى كانون الأول/ ديسمبر وربما نهاية العام، وتجاوز الانتخابات الإسرائيلية واتضاح نتائجها وتشكيل الحكومة الجديدة، مع حديث كوشنير وميلادينوف عن ألا تغيير جذرياً في المشهد لجهة التنفيذ العملي للخارطة والخطة أياً كان الفائز بالانتخابات، مع الجزم بعدم إطلاق عملية إعادة الإعمار الضخمة ولا الانسحاب النهائي للاحتلال إلا باكتمال نزع السلاح، مع برامج تمتد من سنتين إلى ثلاث سنوات تتعلق بعمل لجنة إدارة غزة ومعالجة إرث وديون الإدارة السابقة بغزة، ما يعني تجاوز التفويض الزمني المحدد لها بعامين وحتمية تمديده لعدم حدوث فراغ قبل إنجاز مهمتها التي ستستمر خمس سنوات على الأقل وبالحد الأدنى إلى نهاية العقد الجاري، وما بعد الانتخابات الأميركية القادمة وربما الإسرائيلية بعد القادمة كذلك، ما يعني للأسف أننا أمام عملية مستمرة وطويلة، لكنها تقتصر على غزة فقط لا القضية الفلسطينية برمتها، وتشبه تلك التي أطلقها وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر تحت عنوان عملية السلام قبل خمسة عقود تقريباً ولم تبصر النهاية والخاتمة السعيدة والمستهدفة حتى الآن.

إذن يمكن رسم المشهد في غزة بناءً على تقييم مصادر مطلعة وحصيلة التطورات بالأيام الماضية إثر جولة المبعوث الأميركي جاريد كوشنير ولقاءاته مع حماس والوسطاء في مصر ونتنياهو في تل أبيب، ثم حوارات الفصائل الفلسطينية الثنائية والجماعية والحركة المستمرة للممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ميلادينوف والخلاصات التي قدمها في إحاطة لافتة أمام مجلس الأمن الجمعة الماضية.

بداية يمكن التأكيد على توافق حماس والفصائل والوسطاء ولو نظرياً على خارطة الطريق لتنفيذ خطة دونالد ترامب لوقف إطلاق النار وإنهاء الحرب واليوم التالي لها، ورغم الرفض الإسرائيلي العلني إلا أن ثمة تماهياً ما معها على الأرض ولكن دون إعلان سياسي رسمي.

للتذكير تتضمن خارطة الطريق نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي التدريجي ثم الكامل وانتشار قوة الاستقرار الدولية ودخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة لمباشرة مهامها ومسؤوليتها وفق الخارطة والخطة وقرار مجلس الأمن رقم 2803.

 

ثلاثة محددات لتنفيذ الخطة

من جهته طرح ميلادينوف أمام مجلس الأمن -كما في لقاءاته الخاصة- ثلاثة محددات أساسية لتنفيذ الخارطة والخطة تتمثل بانتشار قوة الاستقرار، والتزام إسرائيل ببروتوكول شرم الشيخ "اتفاق وقف إطلاق النار"، والتزام حماس والفصائل بنزع السلاح الذي وصفه ميلادينوف بالتاريخي وغير المسبوق.

وفق مصادر مطلعة كذلك، فلا شروع في إعادة الإعمار الضخمة ولا انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع، مع جشع صهيوني معتاد فيما يتعلق بالمنطقة العازلة -يريدها ثلث القطاع- ورفض الفلسطينيين والوسطاء لهذا الجشع، وربط العملية كلها بنزع السلاح بكافة أنواعه الخفيف والثقيل والفردي -تنظم اللجنة الإدارية رخص حمل السلاح الخاص وفق القانون الفلسطيني- وهدم وتدمير الأنفاق، وهي عملية قد تستغرق 10 سنوات كما يقول جاريد كوشنير كذلك في لقاءاته الخاصة.

في هذا السياق يجري العمل أساساً من قبل ميلادينوف وعضو مجلس السلام المتنفذ توني بلير على صيانة الواقع المأساوي الراهن بغزة مع تحديثه وتحسينه لضمان عدم انهياره وفشل الخارطة والخطة والعملية برمتها.

 

خطوات تمهيدية حتى نهاية العام

وعليه جرى التوافق على البدء بخطوات تمهيدية للشهور الأربعة القادمة حتى نهاية العام، للحفاظ بالعربة على السكة الصحيحة حتى لو بقيت جامدة أو متعثرة.

تتضمن الخطوات المتزامنة، أو يفترض أن تتضمن، الاتفاق على وقف فوري للهجمات والغارات الإسرائيلية مع قبول أميركي بمزاعم الاحتلال عن مواصلة الاغتيالات للمشاركين في عملية طوفان الأقصى، ومواجهة التهديدات الفورية، وتشكيل لجنة أو آلية خاصة لمعالجة تلك التهديدات تضم الولايات المتحدة ومصر وإسرائيل، علماً أن الاغتيالات تمثل تصفيات غير شرعية وإعدامات خارج المحكمة، مع التأكيد أنَّ إسرائيل كقوة احتلال لا تملك الحق في المحاكمة ناهيك عن الإعدام، وهي تتحدث عن قتل 2800 من 5000 تزعم مشاركتهم في طوفان الأقصى، ما يعني أن الرقم المتبقي 2200 كبير جداً ويشكل مبرراً أو ذريعة لمواصلة القتل بشكل يومي بحق الغزيين.

إلى ذلك ستكون هناك خطوات صغيرة ورمزية كذلك تتعلق بنزع السلاح خلال أيلول/ سبتمبر -تم التوافق على لجنة ثانية خاصة بهذا البند- والشهور التالية، شرط تحسين الوضع الإنساني ومضاعفة دخول المواد الإغاثية والإنسانية ولو تحت ذريعة خطر انتشار الأوبئة في غزة والمستوطنات المحيطة.

يسعى ميلادينوف إلى ضمان تنفيذ بروتوكول شرم الشيخ -تشرين الأول/ أكتوبر 2025- الذي وافقت عليه إسرائيل أصلاً، بما في ذلك السماح بدخول 600 شاحنة يومياً بينها 50 شاحنة وقود مع مستلزمات للتعافي المبكر والإيواء العاجل. ولعدم إيذاء نتنياهو انتخابياً، سيتم إظهار الخطوة في إطار إنساني "مزعوم" لا سياسي يتعلق بمعالجة أزمات المياه والصرف الصحي كي لا تنتشر الأوبئة ويتأثر بها جنود الاحتلال والمستوطنات المحيطة بغزة.

وعليه يجري العمل فعلاً على تأهيل وتوسيع معبر بيت حانون "إيرز"، مع تقديم ألمانيا جهاز الكشف "سكانر" لتسهيل فحص البضائع وتسريع حركة دخول المساعدات إلى غزة.

إلى ذلك يعمل ميلادينوف على إعادة تأهيل وتشغيل قطاع الكهرباء والبنى التحتية وقطاعي التعليم والصحة، كونها مرتبطة مباشرة وجدياً بتحسين الواقع بغزة، مع وضعها كذلك تحت لافتات إنسانية "عنصرية" لا سياسية.

 

انتشار القوة الدولية ولجنة إدارة غزة

إضافة إلى ما سبق، تستمر الخطوات التمهيدية لانتشار القوات الدولية مع اتضاح الصورة والمعالم العامة، حيث ستكون برئاسة أميركية وقيادة ميدانية مغربية ومشاركة ألبانيا وكوسوفو وأوغندا وبوروندي وربما دولة أفريقية أخرى "بوركينا فاسو"، مع استبعاد مشاركة إندونيسيا -ودول إسلامية كبرى أخرى- رغم استعدادها السابق، في ظل تحفظات على الممارسات الإسرائيلية من الرأي العام الغاضب في جاكرتا.

خصصت الإدارة الأميركية فعلاً مبلغ 206 مليون دولار لتجهيز القوة، وتم إبلاغ الكونغرس بذلك لاستكمال الإطار التشريعي للخطوة، مع تأسيس بنى تحتية ومعسكر "شرق رفح" يتسع لـِ 1500 جندي بالمرافق والخدمات التابعة، ويفترض أن تكون القوة جاهزة عملياً للانتشار خلال الشهور القليلة القادمة.

ثمة استعدادات موازية لدخول اللجنة الوطنية لإدارة غزة -غالباً صحبة قوة الاستقرار- مع فرق ميدانية جاهزة وخطط تمتد لعامين إلى ثلاثة، علماً أن تفويضها ينتهي أواخر العام القادم 2027.

بالعموم ثمة مساعٍ من ميلادينوف بالتنسيق مع الوسطاء الثلاثة -قطر ومصر وتركيا- والإدارة الأميركية لإبقاء العملية حية والعربة على السكة إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، مع تحذير الممثل السامي من الفشل وانهيار العملية برمتها، حيث لن تكون خطة ولا خارطة ولا اهتمام حتى بغزة والواقع فيها، وهو ما يقوله الوسطاء لحماس والفصائل للالتزام، مع التعهد ببذل كافة الجهود والضغط على إسرائيل لتنفيذ ما وافقت عليه مسبقاً ولو دون إعلان سياسي رسمي بذلك.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث