الشيخة حسينة: سأعود لبنغلاديش حتى لو قتلوني

وائل عوادالجمعة 2026/08/28
شيخة حسينة (Getty)
حسينة: لست خائفة.. إذا قتلوني سألتحق بأبي في الجنة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بهذه الكلمات الحاسمة أجابتني الشيخة حسينة عندما حاولت إقناعها بعدم العودة إلى بنغلاديش في الوقت الراهن، إلى أن تصبح الظروف أكثر أمناً. لم تتردد، ولم تترك مساحة للشك في قرارها. قالت لي إنها عاشت المنفى من قبل، وإنها عادت إلى وطنها وشعبها وخدمتهم، مؤكدة أن المنفى ليس بديلاً عن العودة إلى أرض تعتبرها جزءاً من هويتها ومسيرتها السياسية.

قالت لي ببساطة وحسم: "لقد كنت في المنفى من قبل، وعدت إلى شعبي وخدمتهم". وعندما قلت لها إنني أخشى عليها من العودة في ظل الظروف الراهنة، وإنني أفضل أن تنتظر حتى تصبح عودتها أكثر أمناً، أجابتني: "سأعود، أنا لا أخاف. وإذا قتلوني فسألتحق بأبي في الجنة". ثم أوضحت أن الأعمار بيد الله، وأن الإنسان لا يستطيع أن يهرب من قدره.

 كان حديثها يعكس إيماناً عميقاً بأن حياتها ومصيرها في نهاية المطاف بيد الله، وأن هذا الإيمان يمنحها القوة لمواجهة الخوف والمخاطر التي قد تنتظرها عند العودة. لم أشعر وهي تتحدث أن الموت كان بالنسبة إليها تحدياً أو شعاراً سياسياً، بل كان جزءاً من نظرتها إلى الحياة والقدر. كانت تتحدث بهدوء امرأة تعرف المخاطر، لكنها لا تسمح للخوف منها بأن يحدد خياراتها. وفي تلك اللحظة تحديداً، بدا لي أن مصدر قوتها ليس فقط تجربتها السياسية الطويلة أو إرثها العائلي، وإنما أيضاً إيمانها بأن الحماية والمصير بيد الله، وأن الإنسان لا يملك أن يحدد موعد نهايته. 

لم يكن في صوتها خوف، ولم أشعر بأن المخاطر التي تدركها جيداً قد غيّرت موقفها. أُتيحت لي فرصة مراقبة الشيخة حسينة عن قرب عقب المؤتمر الصحافي الافتراضي الذي خاطبت من خلاله الصحافيين حصرياً عبر نادي المراسلين الأجانب في جنوب آسيا (FCC South Asia) في نيودلهي. وما لفتني لم يكن فقط مضمون حديثها، بل أيضاً نبرات صوتها وتعبيراتها، ولا سيما عندما غصّت الكلمات في حلقها وهي تستذكر والدها، الشيخ مجيب الرحمن، مؤسس بنغلاديش ورمز استقلالها. في تلك اللحظات، بدا أن خلف القائدة السياسية التي عرفها العالم لعقود امرأة تحمل في داخلها ذاكرة شخصية عميقة لم يمحها الزمن ولا قسوة التجربة السياسية.

حظي المؤتمر باهتمام استثنائي، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 40 مليون شخص تابعوا الحدث، بينهم شخصيات سياسية وقيادات حالية في داكا. لكن ما أثار اهتمامي لم يكن حجم الجمهور وحده، ولا الأرقام التي رافقت الحدث، بل المرأة التي كنت أراقبها بعيداً عن الكاميرات؛ المرأة خلف القائدة والسياسية، وهي تستعيد تاريخاً شخصياً ووطنياً متشابكاً في لحظة واحدة.

وخلال اللقاء بها لإجراء المقابلة، أُتيح لي أن أراقبها عن قرب، وأن أقرأ ما وراء كلماتها في تعابير وجهها، ونظراتها، ونبرات صوتها ولغة جسدها؛ وهي تفاصيل لا تستطيع الكاميرا دائماً نقلها. كانت هادئة، متماسكة ومركزة بصورة لافتة. بدت مدركة تماماً للتطورات السياسية المحيطة بها، ومسيطرة على تفاصيل الحديث. وبينما كان بعض أفراد فريقها يأتون للقائها، كانت تواصل توجيهاتها إليهم، وتناقش التطورات، وتستعيد تفاصيل دقيقة للأحداث بصورة أدهشتني. كنت أراقبها وهي تنتقل بسلاسة من الصورة السياسية الكبرى إلى التفاصيل الصغيرة والمعقدة، فتستحضر أسماء ووقائع وتفاصيل بدت حاضرة في ذاكرتها بوضوح لافت. كانت تتحدث بثقة وهدوء، من دون ارتباك أو تردد، وكأن سنوات الأزمات والمنفى لم تنتقص من قدرتها على الإمساك بخيوط المشهد. 

في عمر قد يجد فيه كثير من القادة صعوبة في الحفاظ على هذا القدر من التركيز والطاقة، بدت حسينة مصممة بصورة استثنائية. لم تكن هناك محاولة لاستعراض القوة، ولا خطاب درامي مفتعل، بل إصرار هادئ وعميق على العودة إلى البلد الذي تعتبره وطنها، وإلى شعب ترى أن مسيرتها السياسية مرتبطة به ارتباطاً لا يمكن فصله. وهنا وجدتني أتساءل: "ما الذي يجعل امرأة في هذا العمر تتمسك بهذه القوة بالعودة إلى بلد تعرف أن المخاطر فيه قد تكون حقيقية؟ وما الذي يدفعها إلى مواجهة المجهول، بدلاً من البقاء في المنفى حيث يمكنها أن تعيش بأمان أكبر؟"

 ربما تكمن الإجابة في تاريخها الشخصي، وفي علاقتها العميقة ببنغلاديش وشعبها، وفي إرث والدها، الشيخ مجيب الرحمن، الذي لا يزال حاضراً بقوة في فهمها لتاريخ بلادها ولموقعها هي في هذا التاريخ. لم تبدُ عبارة "سأعود حتى لو قتلوني" بالنسبة إليّ مجرد جملة عاطفية أو محاولة للتأثير السياسي، بل بدت تعبيراً عن قناعة راسخة بأن حياتها ومصيرها في نهاية المطاف بيد الله، وأن الإيمان هو ما يمنحها القدرة على مواجهة الخوف والمخاطر. ومن هذه الزاوية الشخصية والسياسية، بدت عودتها أكثر من قرار سياسي؛ بدت مسألة انتماء ووفاء لوطن وشعب وإرث عائلي، وإيماناً بأن المنفى مهما طال لا يمكن أن يكون بديلاً عن الوطن. ومن هنا أجابتني الشيخة حسينة عن أسئلتي. 

ما يلي ليس مجرد حوار مع رئيسة وزراء سابقة تعيش خارج بلادها، بل حديث مع قائدة سياسية تواجه ربما أكثر الأسئلة حساسية في حياتها: هل ستعود إلى بنغلاديش، ومتى، وكيف، وما الثمن الذي قد يتعين عليها دفعه مقابل العودة؟

وهنا نص الحوار مع الشيخة حسينة: عن المنفى والعودة، وعن بنغلاديش وشعبها، وعن المخاطر التي تعرف أنها قد تواجهها، وعن إصرارها على العودة إلى الأرض التي تعتبرها وطنها.

 

خلال العامين اللذين قضيتهما في الهند، شهد المشهد السياسي في بنغلاديش تحولاً، بدءاً من القيادة المؤقتة لمحمد يونس ووصولاً إلى حكومة طارق رحمن. كيف أثرت هذه التغيرات على فكرك السياسي وخططك للمستقبل؟

لم يغيّر الانتقال من الحكم المؤقت لمحمد يونس إلى حكومة طارق رحمن مسار بنغلاديش، بل أكد فقط الخطر الذي حذرت منه. لقد تغيرت الوجوه، لكن سياسات الانتقام والخوف والإقصاء استمرت في ظل النظام المؤقت بقيادة يونس، كان الهدف الأول هو تفكيك "رابطة عوامي"، ومنع كشف الحقيقة بشأن أحداث شهري تموز/يوليو وآب/أغسطس 2024، وضمان إفلات المتورطين في أعمال العنف من العقاب، وإقامة نظام سياسي تُستبعد منه أكبر قوة سياسية في البلاد. لقد شكّلتُ لجنة تحقيق قضائية في 18 تموز/يوليو 2024 للتحقيق في كل حالة وفاة وكل حادثة عنف. وكان الهدف واضحاً: لكل أسرة الحق في معرفة الحقيقة، وكان لا بد من تحديد هوية كل جانٍ من خلال مسار قانوني سليم. لكن بعد 5 آب/أغسطس، توقفت تلك العملية؛ فبدلاً من السماح بظهور الحقيقة، مُنحت الحصانة للمتورطين في أعمال القتل. وقد كشف ذلك القرار عن حقيقة نواياهم؛ فلم يكونوا يريدون العدالة، بل أرادوا السيطرة على السردية السياسية. وبعد وصول طارق رحمن إلى السلطة، لم يتحسن الوضع؛ إذ استمر حظر "رابطة عوامي"، وتواصلت القضايا الكيدية، وبقي السجناء السياسيون رهن الاعتقال، واضطر القادة والناشطون والمؤيدون إلى الاختباء، فيما ازدادت الجماعات المتطرفة جرأة. وظلت بنغلاديش رهينة للخوف والصعوبات الاقتصادية وانعدام الأمن. خلال فترة تولينا الحكم، انتقلت بنغلاديش من حالة الهشاشة إلى الثقة؛ حيث نما الاقتصاد من نحو 70 مليار دولار إلى حوالي 450 مليار دولار، وارتفع نصيب الفرد من الدخل من 482 دولاراً إلى 2,784 دولاراً. كما انخفض معدل الفقر من 41% إلى 18.7%، وتراجع معدل الفقر المدقع من 25.1% إلى 5.6%. وارتفعت القدرة على توليد الطاقة الكهربائية من 3,782 ميغاواط إلى أكثر من 28,000 ميغاواط، ونجحنا في إيصال الكهرباء إلى جميع المواطنين. لقد أنجزنا مشاريع كبرى بمواردنا الذاتية، شملت جسر "بادما"، وشبكة المترو، ومحطة "روبور" للطاقة النووية، ومشروع "ماتارباري"، ونفق "كارنافولي"، وقمر "بانغاباندو" الصناعي، فضلاً عن شبكات الطرق والجسور ومحطات الطاقة والموانئ والبنية التحتية الرقمية والعيادات المجتمعية، إلى جانب توفير مساكن للأسر التي لا تملك أراضي. والآن، انظروا إلى حجم الضرر؛ فقد تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي من 6.80%، وهو المعدل الذي تحقق خلال فترة حكم "رابطة عوامي"، إلى 2.22%. وللمرة الأولى منذ 54 عاماً، شهد القطاع الصناعي نمواً سلبياً. وتشير التقارير إلى ارتفاع نسبة القروض المتعثرة من 13% إلى 47%. كما تفاقمت معدلات الفقر بشكل حاد، وتحول الاستثمار إلى معدلات سلبية، وانهارت عملية خلق فرص العمل؛ إذ انضم أكثر من 20 مليون شخص مؤخراً إلى صفوف العاطلين عن العمل، وأُغلقت أكثر من 500 مصنع، وعادت أزمات نقص الكهرباء والغاز. بل إن الأزمة امتدت إلى قطاع الصحة العامة؛ حيث أودى تفشٍ لمرض يمكن الوقاية منه بحياة آلاف الأطفال، في ظل تقارير تشير إلى وجود ثغرات في برامج التطعيم، وضعف في الاستجابة، وإخفاقات في إدارة إمدادات اللقاحات. ففي بلد أنشأنا فيه عيادات مجتمعية ووسعنا نطاق الرعاية الصحية الأولية، لا ينبغي أن يموت الأطفال بسبب عجز الدولة عن توفير اللقاحات الأساسية. إن القطاع المصرفي يرزح تحت ضغوط هائلة، والأسعار تثقل كاهل الأسر، كما تدهورت حالة الأمن والنظام العام. إن الأمر لا يقتصر على مجرد تغيير الحكومة، بل يتعداه إلى تقويض إنجاز وطني شامل. فعندما تتوقف عجلة التنمية، تتلاشى فرص العمل؛ وعندما ينهار القانون، يفقد الناس شعورهم بالأمان؛ وعندما تستعيد الشبكات المتطرفة مساحات نفوذها، تتحول بنغلاديش إلى مصدر قلق إقليمي. لقد ساعدتني السنتان الماضيتان على بلورة رؤية أكثر وضوحاً؛ فلا يمكن إنقاذ بنغلاديش عبر سياسات الانتقام، ولا يمكن إعادة بنائها من خلال استبعاد ملايين المواطنين من العملية الديمقراطية. وتتلخص خطتي في نقاط واضحة: استعادة الديمقراطية وسيادة القانون، والإفراج عن السجناء السياسيين، وإسقاط القضايا الكيدية، وحماية الأقليات، وإعادة بنغلاديش إلى مسار التنمية والعلمانية والاستقرار.

إن عودتي لا تهدف إلى السعي وراء السلطة الشخصية، بل إلى استعادة حق الشعب في تقرير مستقبل بلاده.

 

هل ما زلتِ تنوين العودة إلى بنغلاديش؟ ولماذا تعتقدين أن هذا هو الوقت المناسب؟

نعم، أنوي العودة إلى بنغلاديش؛ فموطني النهائي هو بلدي وشعبي. وهذا هو الوقت المناسب، لأن بنغلاديش لا يمكنها الاستمرار على هذا النحو. فقد عاشت البلاد عامين في ظل الخوف والقمع السياسي وعدم اليقين الاقتصادي وانعدام القانون. وإذا استمرت حالة الفوضى هذه، فلن تواجه بنغلاديش مجرد أزمة سياسية أخرى، بل ستواجه خطر الانهيار كدولة. لقد قاد "أبو الأمة"، بانغاباندو الشيخ مجيب الرحمن، هذه البلاد نحو الحرية، وضحى بحياته من أجلها. وأنا كرّست حياتي بأكملها للعمل من أجل تنمية هذا البلد وخدمة شعبه، ولجعل بنغلاديش تتبوأ مكانة مرموقة في العالم. ولا يمكنني البقاء بعيداً ومشاهدة دمار البلاد. أنا أدرك المخاطر؛ فقد أتعرض للاعتقال أو السجن، وقد يحاولون تنفيذ أحكام قضائية ملفقة ضدي، كما أن حياتي مهددة بالخطر. لكن الخوف لا يمكن أن يحدد واجبي. فقد فقدتُ عائلتي عام 1975، وقضيت سنوات في المنفى، ونجوت من محاولات اغتيال متكررة، بما في ذلك الهجوم بالقنابل اليدوية في 21 أغسطس 2004. لقد تجاوزت حياتي منذ زمن بعيد حسابات السلامة الشخصية. أريد العودة لأن الشعب يستحق الأمن والديمقراطية والعدالة والتنمية والسلام. كانت بنغلاديش تمضي قدماً بثقة، لكنها دُفعت الآن نحو الخوف وعدم اليقين. أريد الوقوف إلى جانب الشعب والمساعدة في إعادة البلاد إلى المسار الصحيح.

 

هل يخطط ابنك للعودة إلى بنغلاديش أيضاً؟ وبالنظر إلى المطالبة المتزايدة بقيادة سياسية شابة، هل ترين له دوراً سياسياً في المستقبل؟ أم أن ذلك سيعزز الانتقادات الموجهة لسياسة الحكم الوراثي؟

وُلد جوي ونشأ في كنف عائلة سياسية؛ فقد بدأت حياته في خضم نضال بنغلاديش من أجل الحرية. عندما اعتقلت قوات الاحتلال الباكستانية والدتي وعائلتنا خلال حرب التحرير، كنت حاملاً. وُلد ابني جوي في 27 يوليو 1971 ونحن رهن الاعتقال؛ ولذلك، فإن تاريخ بنغلاديش وتضحيات عائلتنا يشكلان جزءاً من حياته منذ البداية. كما أنه قدّم خدماته لبنغلاديش من خلال عمله. وخلال فترة ولايتي الحكومية، عمل مستشاراً لي لشؤون تكنولوجيا المعلومات والاتصالات من دون أن يتقاضى أي راتب. لقد كان يحلم بـ"بنغلاديش الرقمية"، وساهم في تصميمها والتخطيط لها والعمل على تنفيذها. واليوم، تُعد البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصال والخدمات القائمة على التكنولوجيا، التي يستخدمها ملايين البنغلاديشيين، جزءاً من تلك الرؤية. لقد أثبت كفاءته بالفعل من خلال مساهماته العملية، وليس بفضل منصبه. لكن "رابطة عوامي" حزب ديمقراطي؛ فالقيادة فيه لا تُحدد بناءً على الانتماء العائلي، بل يقررها الحزب ومجلسه ودستوره وقواعده الشعبية. ولا يمكن لأحد أن يطالب بالقيادة باعتبارها إرثاً عائلياً، إذ يجب اكتسابها من خلال العمل والتضحية والالتزام وكسب ثقة الناس. وبصفته شخصاً بالغاً، سيتخذ "جوي" قراره بنفسه بشأن مستقبله ومسألة العودة إلى بنغلاديش، ولن أتحدث نيابة عنه. لكن، ونظراً إلى إدراكنا لإرث عائلتنا والتضحيات التي قُدمت من أجل بنغلاديش، فإنني أؤمن بأنه لن يقف مكتوف الأيدي أو غير مبالٍ عندما يعاني الوطن وشعبه. وأنا لا أقبل فكرة أن تُرفض تلقائياً أي مساهمة يقدمها فرد من عائلة سياسية باعتبارها مجرد "سياسة توريث". ففي ظل الديمقراطية، يعود القرار النهائي إلى الشعب، و"رابطة عوامي" ملك لأعضائها ولشعب بنغلاديش بأسره.

 

هل يمكنك إطلاعنا على وضع الحزب وقوته التنظيمية وقدرته على الحشد داخل بنغلاديش؟ ما مدى نشاط الحزب اليوم؟ وهل ينتظر الحزب عودتك، أم أنه وجد سبيلاً للمضي قدماً من دونك؟

إن "رابطة عوامي" حزب حي ونشط وراسخ الجذور بين الناس. فحزب مثل "رابطة عوامي" لا يمكن القضاء عليه بمجرد حظر أنشطته، أو إغلاق مكاتبه، أو اعتقال قادته، أو تلفيق قضايا كاذبة ضد كوادره. ومنذ الخامس من أغسطس 2024، يواجه الحزب حملة ممنهجة من الاضطهاد السياسي؛ إذ قُتل الآلاف من القادة والناشطين، أو تعرضوا للاختفاء القسري أو الاعتقال، أو أُجبروا على الاختباء. كما وُجّهت اتهامات كاذبة إلى مئات الآلاف، وهُجّرت عائلات، وتعرضت ناشطات للإهانة والإساءة، وفقد العديد من الكوادر حقهم الأساسي في عيش حياة طبيعية. ومع ذلك، ورغم هذه الظروف، يواصل قادة الحزب وناشطوه الحفاظ على تواصلهم مع الناس؛ فهم ينظمون صفوفهم بهدوء، ويدعمون بعضهم بعضاً، ويوثقون ممارسات القمع، ويساعدون الأسر المتضررة، ويقاومون المؤامرات المعادية للوطن بكل الوسائل المتاحة لهم. وقد لا يظهرون دائماً في التجمعات العامة، نظراً إلى استخدام أجهزة الدولة ضدهم، إلا أنهم موجودون في كل دائرة انتخابية، وفي كل مجتمع محلي، وفي مختلف شرائح المجتمع. 

إن "رابطة عوامي" لا تقف مكتوفة الأيدي بانتظاري، بل تمضي قدماً في ظل ظروف بالغة الصعوبة. وصحيح أن عودتي ستعزز النضال الديمقراطي، لكن قوة الحزب لا تعتمد على شخص واحد، وإنما تستند إلى أعضائه وقاعدته الشعبية وتاريخه والتزامه بمستقبل بنغلاديش.

لذلك، لا تعتمد قوة "رابطة عوامي" على شخص واحد؛ إنها تستمد قوتها من تاريخها وهيكلها التنظيمي ورابطتها الوثيقة بالشعب. لقد قادت "رابطة عوامي" حرب التحرير، وأسهمت في إعادة بناء بنغلاديش مراراً وتكراراً، وستفعل ذلك مجدداً؛ لأن جذورها ضاربة في عمق أرض بنغلاديش.

 

لقد أشرتِ إلى أن أطرافاً خارجية لعبت دوراً في الإطاحة بكِ. ما الذي يقنعكِ بوجود تدخل خارجي؟ وهل تعتقدين أن تلك القوى لا تزال تشكّل ملامح السياسة في بنغلاديش اليوم؟

 لم أنظر يوماً إلى أزمة بنغلاديش باعتبارها مجرد نزاع سياسي داخلي بسيط؛ فما حدث خلال شهري يوليو وأغسطس 2024 حمل مؤشرات واضحة على وجود تنظيم وتنسيق وتشجيع خارجي. لقد تحولت حركة المطالبة بإصلاح نظام "الكوتا" "نظام الحصص الوظيفية" إلى حملة ذات مطلب وحيد يتمثل في إسقاط حكومة منتخبة. وانتشر العنف بطريقة ممنهجة ومخطط لها، حيث تعرضت مؤسسات الدولة ومراكز الشرطة والمؤسسات الإعلامية والبنية التحتية العامة ورموز التنمية الوطنية للهجوم. كما انتشرت الدعاية المضللة بسرعة وانضباط غير مألوفين. وقد وصف محمد يونس نفسه الحركة لاحقاً بأنها "صُممت بدقة متناهية"، وتحدث عن وجود "مدبّر رئيسي" لها. وهذه الكلمات مهمة؛ فهي تؤكد، في رأيي، أن الأمر لم يكن مجرد احتجاج طلابي عفوي، بل كان تحركاً منظماً وموجهاً استُخدم لتمهيد الطريق نحو السلطة بعيداً عن صناديق الاقتراع. وأتوخى الحذر عند الحديث عن التدخل الأجنبي، لأنها قضايا بالغة الخطورة، لكنني أدرك جيداً كيف تعمل الجغرافيا السياسية في هذه المنطقة. فبنغلاديش تتمتع بموقع استراتيجي؛ فهي تقع بجوار الهند وميانمار، وبالقرب من خليج البنغال وطرق الملاحة البحرية الرئيسية، وفي قلب منطقة تتجاذبها مصالح إقليمية متنافسة.

إن وجود بنغلاديش مستقرة وعلمانية ومستقلة لا يروق للجميع. نعم، أعتقد أن المصالح الخارجية لا تزال تشكّل السياسة في بنغلاديش؛ فبعض القوى تريد بنغلاديش ضعيفة، وبعضها يريدها منقسمة، وبعضها يريدها ساحة يمكن فيها استخدام الجماعات المتطرفة لممارسة الضغوط، بينما يريد البعض الآخر أن تصبح سياستنا الخارجية تابعة وغير مستقرة وخاضعة لحسابات المصالح الآنية. لقد اتبعت سياستنا الخارجية دائماً المبدأ الذي أرساه "أبو الأمة"، بانغاباندو الشيخ مجيب الرحمن: "الصداقة مع الجميع، والعداء لأحد". وينبغي لبنغلاديش أن تحافظ على علاقاتها مع الهند والصين واليابان والولايات المتحدة وأوروبا والعالم الإسلامي وكافة الشركاء، ولكن يجب أن تُتخذ قرارات بنغلاديش بما يخدم مصلحتها الوطنية. فلا يجوز أن تتحول بلادنا إلى ساحة لتنفيذ أجندات أجنبية. والحل يكمن في الديمقراطية الحقيقية. فعندما يُسمح للناس بالتصويت بحرية، وتعمل المؤسسات باستقلالية، وتتمكن الأحزاب السياسية من ممارسة نشاطها علناً، وتُعاد سيادة القانون، يصبح التدخل الخارجي أكثر صعوبة.

 

العلاقة مع واشنطن... والقواعد العسكرية

وسألتها عن طبيعة علاقتها بالولايات المتحدة، وما إذا كانت واشنطن قد طلبت من حكومتها في أي وقت إقامة تسهيلات أو قواعد عسكرية على الأراضي البنغلاديشية.. أجابت حسينة: "نعم"، وأضافت أن الولايات المتحدة طلبت توفير نحو 25 موقعاً لهبوط المروحيات بالقرب من المناطق الشمالية المتاخمة للولايات الهندية، مبررة ذلك بالحاجة إلى التعامل مع الكوارث الطبيعية، ولا سيما الفيضانات. وقالت حسينة إنها رفضت الطلب، لأنها لم تكن تريد أن تتحول الأراضي البنغلاديشية إلى منصة يمكن استخدامها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، ضد الهند، مؤكدة أن بنغلاديش تمتلك بالفعل نظاماً للإنذار المبكر بالفيضانات وقدراتها الخاصة للتعامل مع الكوارث الطبيعية.

ويكشف هذا الجزء من حديثها، بصرف النظر عن الجدل الذي قد يحيط بتفاصيله، عن جانب مهم من رؤيتها للسياسة الخارجية: رفض تحويل الجغرافيا البنغلاديشية إلى ورقة في صراعات القوى الكبرى، والحفاظ على توازن العلاقات مع الجيران، وفي مقدمتهم الهند وميانمار. كما يعكس إدراكاً لحساسية الموقع الجغرافي لبنغلاديش، الواقعة في منطقة تتقاطع فيها المصالح الهندية والصينية والأميركية بصورة متزايدة.

وكان لافتاً أنها قدمت موقفها باعتباره قراراً سيادياً اتخذته حكومتها انطلاقاً من حسابات الأمن الوطني والعلاقات مع الجوار، وليس باعتباره مجرد استجابة لضغوط خارجية.

 

لحظة الوداع... ووعد بالعودة

وقبل أن ننهي حديثنا، عادت الشيخة حسينة لتشكرني على استضافتها في نادي المراسلين الأجانب في جنوب آسيا، وعلى تنظيم المؤتمر الصحافي وإتاحته أمام الصحافيين والمتابعين. كان الشكر يحمل، في تلك اللحظة، معنى يتجاوز المجاملة البروتوكولية؛ فقد بدا واضحاً أنها تقدر أن يكون صوتها قد وصل مباشرة إلى الجمهور والإعلام، بعيداً عن أي وسطاء.

وقبل أن أودع السيدة حسينة وأنا أمسك بيدها، قلت لها إنني آمل، عندما تعود إلى دكا بإرادة شعبها، أن توجه دعوة إلى أعضاء نادي المراسلين الأجانب في جنوب آسيا لزيارة بنغلاديش والالتقاء بها هناك. ابتسمت، وكأنها ترى المشهد أمامها، ثم أجابت بكلمة واحدة: "إن شاء الله".

كانت ابتسامة قصيرة، لكنها حملت الكثير من المعاني. ففي الوقت الذي كان الحديث يدور فيه عن المخاطر والمنفى والعودة والمستقبل السياسي، اختارت أن تنهي اللقاء بكلمة تحمل أملاً بالمستقبل. وبالنسبة إليّ، بدت تلك اللحظة امتداداً طبيعياً لما قالته في بداية حديثنا: هي لا تتحدث عن العودة باعتبارها احتمالاً بعيداً، وإنما باعتبارها قراراً تنتظر اللحظة التي تسمح بتحقيقه. غادرت اللقاء من دون أن ألتقط صورة معها، احتراماً للقيود المفروضة على تحركها، والأهم حرصاً على سلامتها. لكنني غادرت بصورة أخرى ستبقى في ذاكرتي أطول من أي صورة فوتوغرافية: ابتسامتها، هدوؤها، وتصميمها الاستثنائي على العودة.

ستبقى صورتها وهي تتحدث أمامي، بابتسامتها الهادئة وإصرارها الذي لا يتزعزع، حاضرة في ذاكرتي؛ كأنها لبوة تزأر عازمة على العودة إلى أرضها، مهما كانت المخاطر.

غادرت المكان من دون صورة تجمعني بها، لكنني حملت معي شيئاً أكثر عمقاً من صورة: ذاكرة امرأة لم يسمح لها المنفى، ولا الخوف، ولا التهديد، بأن تتخلى عن إيمانها بالعودة إلى وطنها وشعبها.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث