تتوالى المؤشرات على احتمال توصل دول المنطقة وإيران إلى تهدئة على مستوى الشرق الأوسط، تؤدي إلى انحسار التوترات في لبنان والعراق واليمن والخليج العربي، ذلكَ بالرغم من تصاعد الضغوط التصعيدية في طول المنطقة وعرضها، التي يمنّي أبناؤها أنفسهم باستعادة الاستقرار بعد ربع قرن من الصراعات المتسلسلة.
جاء أول مؤشر من مؤشرات انحسار التوتر الإقليمي من إعلان الأمين العام لحزب الله اللبناني الشيخ نعيم قاسم استعداد حزب الله للعودة إلى اتفاق وقف إطلاق النار في تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، متراجعاً بشكل ضمني عن مطلب سابق للحزب بإنهاء ملحقات الاتفاق، وبالتحديد منحه إسرائيل حرية الحركة على الساحة اللبنانية. أتى المؤشر الثاني من لدن قاسم نفسه، الذي مد يد الصداقة إلى الحكم السوري؛ فبعد شهرين من إشادته بـِ "القيادة السورية" لرفضها الخضوع أمام الضغوط الإسرائيلية الأميركية المطالبة بوضع حزب الله بين فكي "كماشة" في الشرق والجنوب، خطا قاسم خطوة جديدة نحو دمشق. قدم الشيخ ما يرقى أن يكون مبادرة لفتح صفحة جديدة بين سوريا الجديدة والضاحية الجنوبية؛ فلم يمانع عقد لقاء بين الحزب و"القيادة السورية". وأبدى دعماً لـِ "استقرار" الحكم السوري، وتمنى له النجاح في بسط "العدل" وإبقاء سوريا "واحدة وموحدة"، وأن تستعيد "كامل أراضيها المحتلة". وألمح إلى أن الحزب سيكون "سنداً" لسوريا، ودعا إلى توثيق التعاون بين الدولتين السورية واللبنانية. وعلى الرغم من أن قاسم في مبادرته تلك تحاشى توضيح موقف الحزب من القضايا التي تقض مضاجع دمشق، مثل إيواء حزب الله آلاف العناصر من فلول نظام الأسد داخل الأراضي اللبنانية وتوفير مظلة أمنية لتحركاتهم ونشاطاتهم، واستمراره في تهريب السلاح عبر الأراضي السورية، وتقديمه الدعم الخفي لشبكات وخلايا وتنظيمات من الفلول داخل سوريا، إلا أن دمشق والقوى الإقليمية أولت مبادرته على أنها رسالة إيرانية.
قناعة إيرانية
فهم السوريون وحلفاؤهم الأتراك والسعوديون من مبادرة قاسم أن طهران اقتنعت بتفكيك استراتيجية المرشد السابق علي خامنئي الرامية إلى قلب نظام الحكم في سوريا، والانتقال إلى الاعتراف بالتغيير الذي شهدته دمشق وأسقط نظام حليفها الأسد، وبعدم قدرتها على إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، خاصة أن استراتيجية خامنئي تلك تتطابق مع استراتيجية رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي يجهد لإبقاء سوريا ضعيفة ومجزأة وساحة للآليات والطائرات الإسرائيلية. كما فهموا أن إيران تعرض من خلال قاسم إحداث تحول في مواقف أذرعها الإقليمية في العراق واليمن حيال الرئيس السوري أحمد الشرع، وتفكيك حالة العداء القائمة فيما بينها وبين تلك الأذرع من جهة، وبين الشرع من جهة أخرى.
مؤشر ثالث أتى أيضاً من حزب الله، إذ أعلن عضو مجلسه محمود قماطي بأن الحزب لم يغلق الباب أمام التواصل المباشر مع الأميركيين، نافياً وجود مقاتلين إيرانيين بين صفوف الحزب في جنوب لبنان. وقوبل تصريح قماطي بتأكيد رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف أنه على تواصل مع مقاتلي الحزب على "خطوط القتال الأمامية".
في مؤشر رابع، كشف قاليباف عن تواصل دول الجوار مع بلاده بهدف صياغة "ترتيبات أمنية جديدة"، داعياً إلى "نظام إقليمي أصيل ومستقل" بعيداً عن الأميركيين.
تمثل المؤشر الخامس في الأنباء عن وساطة بين الولايات المتحدة وحزب الله يقودها رئيس المخابرات التركية إبراهيم كالن. تلا ذلك انتقال أحد نواب الحزب في البرلمان اللبناني، حسن فضل الله، إلى طهران (عبر تركيا؟) حيث التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
في ظلال هذه المؤشرات، حط وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في إسلام آباد، حيث عرض أمام الوسيط الباكستاني الشروط السورية لأي مصالحة مع إيران وأذرعها، وعلى رأسها الاعتذار عما اقترفته بحق السوريين إبان حرب نظام الأسد عليهم.
نفحات تصعيدية حاسمة
قاطع مؤشرات التهدئة هذه نفحات تصعيدية حاسمة، تمثلت في إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب حربه الاقتصادية على إيران ومن يتاجر معها. أطلقت وزارة الخزانة الأميركية أولى الرصاصات في هذه الحرب، التي تستهدف قطع كل "شريان حياة اقتصادي" يبقي النظام الإيراني قائماً.
على وقع ما أسماه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت "إنزال نورماندي" على الاقتصاد الإيراني، وصل قائد الجيش الباكستاني المارشال عاصم منير ووزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إلى طهران، فيما بدا مسعى أخيراً منهما لإحياء مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران وإنهاء الحرب بينهما. ومن نافل القول إن المارشال منير جاء إلى إيران برسالة من الرئيس ترامب، لكن الأهم منها هو الدعم الصيني والروسي والسعودي والتركي لمهمته؛ إذ تتشارك بكين وموسكو وإسلام آباد وأنقرة قلقاً عميقاً من الحرب الأميركية الاقتصادية على إيران، وتخشى أن تتأذى اقتصاداتها من شرارات تلك الحرب، التي لا تقل ضراوة عن الحرب الفعلية. بذلك أصبحت الكرة في ملعب الإيرانيين.على مدار الأشهر الماضية، قدمت دول الخليج العربي ودول اتفاق مكة (تركيا والسعودية وباكستان) حلولاً إقليمية لجوانب المسألة الإيرانية، سواء في ما يتعلق بإنهاء الحرب الأميركية على إيران ومستقبل مضيق هرمز بموجب مذكرة التفاهم والمفاوضات العمانية الإيرانية حول إدارة المضيق، أو شكل ومستقبل النفوذ الإيراني ودور أذرع طهران في المنطقة بما فيها حزب الله وحركة "أنصار الله" (الحوثيين)، أو إعادة بناء ما دمرته آلتا الحرب الأميركية والإسرائيلية في إيران ولبنان. والحقيقة أن بعض المسؤولين الإيرانيين، كالرئيس مسعود بزشكيان وقاليباف، أظهروا انفتاحاً على التعاون مع الدول الإقليمية، إلا أن أصحاب الرؤوس الحامية داخل "الحرس الثوري"، والذين رسخوا مواقعهم في الهيكلية العسكرية والأمنية للنظام الإيراني بعد تعيينات المرشد الأعلى مجتبى خامنئي الأخيرة، بدوا أكثر تشككاً في نوايا تلك الدول. لعب هؤلاء القادة، تحديداً، المعروفون بقصر نظرهم ومحدودية أفقهم، الدور الأول في إطالة أمد الحرب العراقية الإيرانية، وتخريب الحوار السعودي الإيراني إبان التسعينات من القرن الماضي. كما ساهموا في تدهور العراق إلى أتون الحرب الأهلية بعد الغزو الأميركي عام 2003، وفي تدمير الحواضر السنية خلال الحرب على تنظيم "داعش"، وإذ دفعوا نظام الأسد إلى شن حرب شعواء على شعبه، نفخوا في أوار الفتنة السنية الشيعية في بلاد الشام ودمروا مصداقية بلادهم وحزب الله على المستوى الإسلامي. ولقد أدت تدخلاتهم إلى تفكيك اليمن بعد إنهاء حكم الرئيس علي عبد الله صالح، وتأليب الشعب اليمني بعضه على بعض، وفي النهاية إذكاء التوترات في شبه جزيرة العرب مهد الإسلام. وأخيراً، جروا لبنان إلى حربين لا قبل له بهما، أدتا إلى هزيمة جديدة لحزب الله وخراب جنوب لبنان، كما ضغطوا على الحوثيين في اليمن كي ينقضوا الهدنة مع السعوديين والأميركيين، ويعاودوا استهداف السفن عند مضيق باب المندب.
رضائي ممتعض من اتفاق مكة
وفي هذا الإطار، لم يُخفِ الأمين العام للمجلس الأعلى للأمن القومي في إيران محسن رضائي امتعاضه من اتفاق مكة. بل إن رضائي بدا مهتماً بمزاحمة الدول المنضوية تحت لواء الاتفاق على ما اعتبره "غنيمة" تخلفت عن الانسحاب الأميركي من المنطقة، على الحوار مع تلك الدول. كما أظهر الجنرال القديم في الحرس الثوري ضيق أفقه بتهديده بضرب دول الخليج العربي، كي يدفعها إلى عدم التعاون مع الحرب الأميركية الاقتصادية على بلاده، من دون أن يظهر أي اتعاظ بحقيقة أن الضربات الإيرانية على دول الخليج تصب في خدمة المصالح الإسرائيلية، أو أن شيئاً قد تغيّر بعد اتفاق مكة.
على الرغم من عوامل التصعيد بين واشنطن وطهران، إلا أن دول المنطقة ستظل تعمل على خفض التصعيد بينها وبين إيران، وفي الوقت نفسه دفع قادتها للاعتراف بالأمر الواقع الإقليمي الجديد، وتثبيت موازين القوى الجديدة التي ظهرت من أنقاض الحقبة الإيرانية المريرة، وألا يفكروا في تعديلها أو زعزعة استقرار المنطقة. وأغلب الظن ألا يحالفهم النجاح إلا في التوصل إلى هدنة محدودة مع طهران، لأن الثوريين ليس من عادتهم الركون إلى الواقع، ولأن قدرهم المحتوم لا يتحقق إلا بالنصر الكامل أو الهزيمة الكاملة.




