تتجاوز التطورات الميدانية في اليمن حدود التصعيد العسكري العابر، لتكشف عن مرحلة جديدة لإعادة رسم موازين القوى والنفوذ، تضع الأزمة أمام مسارين أحلاهما مرّ: إما فرض "مفاوضات تحت النيران" تنتج صيغة معدلة لخريطة الطريق الأممية، وإما الانزلاق نحو حرب شاملة واسعة النطاق.
وتُظهر القراءة التحليلية حركة مناورة حذرة تحاول فيها السعودية تجنّب المواجهة المباشرة مع الاحتفاظ بالجاهزية لمعركة عسكرية مرتقبة، في مقابل إصرار حوثي على ربط الملف المحلي بالتوازنات الإقليمية، وتكثيف الضغوط الاقتصادية لتحقيق مكاسب تفاوضية وسط انسداد مسارات الحل القائم.
وكشفت مصادر حكومية يمنية لـ"المدن"، عن إجراء مباحثات في مسقط بهدف استعادة مسار الحل السياسي، مستدركة أن التصعيد الحوثي الأخير نقل الأزمة إلى مرحلة من التصعيد العسكري تتسع مساراته وآفاقه يوماً بعد آخر على حساب فرص الحل السلمي.
في المقابل، أوضح المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ، خلال إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن في 13 آب/أغسطس الحالي، أنه لا يزال مقتنعاً بإمكانية التوصل إلى مخرج عبر المفاوضات، على الرغم من خطورة المرحلة الحالية، مشيراً إلى إجرائه اتصالات وزيارات مكثفة مع الأطراف اليمنية بدعم من جهات إقليمية فاعلة شملت الرياض ومسقط، طرح خلالها سبلاً لخفض التصعيد ورسم مسار موثوق نحو حل سياسي، مع تأكيده أن الحكومة اليمنية وجماعة الحوثيين اشترطتا عدداً من العناصر المطلوبة لتحقيق العودة إلى المسار التفاوضي.
هجمات الحوثيين
وبرز خلال اليومين الماضيين إعلان الحوثيين استهداف مصفاة نفط تابعة لشركة أرامكو في جازان، واستهداف سفينة سعودية قبالة ميناء ينبع جنوبي السعودية على ساحل البحر الأحمر بعدد من الطائرات المسيّرة، بحسب ما أفادت وكالة سبأ بنسختها التابعة للحوثيين.
في المقابل، أقرّ مجلس القيادة الرئاسي اليمني في اجتماعه أول من أمس الثلاثاء، جملة من الإجراءات العسكرية والأمنية والاقتصادية لمواجهة جماعة الحوثيين، مؤكداً إبقاء الجاهزية عند مستوياتها القصوى ومضي القوات الحكومية في "استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب".
وخُصص اجتماع المجلس لمناقشة التطورات العسكرية والأمنية والاقتصادية وخيارات الحكومة في مواجهة تصعيد الحوثيين، في ظل استمرار التوتر الميداني الهجمات التي تقول الحكومة إنها تستهدف منشآت حيوية وأعياناً مدنية.
إجهاض خريطة الطريق
وفي رؤية لمستقبل التسوية، يستبعد الباحث في مركز الأخر للدراسات الاستراتيجية صلاح العريقي، في حديث لـ"المدن"، العودة إلى المسار السياسي في اليمن، معتبراً أن حسابات الحوثيين أصبحت مرتبطة بإيران وأولوياتها ومسار معاركها أكثر من أي وقت مضى.
ويضيف العريقي أن خريطة الحل الأممية "أُجهضت عندما دخل الحوثيون في حرب غزة، وصار تطبيقها أو العودة إليها صعباً، خصوصاً بعد تصنيف الحوثيين جماعة إرهابية، والفيتو الأميركي الذي صعّب تطبيق بعض بنودها، وبالتالي أصبح مسار الحل السياسي، في الأصل، مساراً مُجهضاً".
ويرى أن الحوثيين أرادوا إحياء هذا المسار، لكن في ظل الظرف الإقليمي القائم من الصعب إحياؤه، لأنه سيمنح إيران امتيازات لا تريد واشنطن منحها لطهران في الوقت الحالي، مما جعل الظرف الإقليمي لا يخدم العودة إلى أي تسوية سياسية مع الحوثيين في المستقبل المنظور.
وحول أهداف الحوثيين من التصعيد الحالي، يشير إلى أن الجماعة تسعى للحصول على بعض الامتيازات في الملف الاقتصادي، خصوصاً ما يتعلق بتقاسم الثروات ودفع المرتبات وغيرها من المصالح الاقتصادية بعيداً عن التسوية الشاملة، معتبراً أن فرص نجاح هذا المسار ضئيلة، على الرغم من أن السعودية تحاول تجنّب أي معركة مع الحوثيين وفي الوقت ذاته تتجهز لها.
ويضيف أن ما يدور في مسقط من مباحثات يرتبط بالمطالب الاقتصادية للحوثيين، لكن نجاحها يظل مرتبطاً بالسياق الإقليمي الذي لا يزال بعيداً عن التهدئة، إذ ما زالت الملفات مفتوحة وما زالت إيران تحتاج إلى تفعيل أوراقها في لحظة ما، فيما لا تريد الولايات المتحدة إغلاق أي ملف قابل للاستثمار.
شروط ضبط المسار الدبلوماسي
في المقابل، يرى الخبير في دبلوماسية النزاعات سمير المقطري، في حديث لـ"المدن"، أن هناك فرصة لاستعادة المسار السياسي في اليمن، بشرط التمييز بين استعادة العملية السياسية والعودة إلى خريطة الطريق بصيغتها السابقة.
وبحسب المقطري، فإن التصعيد الأخير لم يغلق الباب أمام التسوية، لكنه غيّر البيئة السياسية والأمنية وموازين الحسابات التي صيغت في ظلها خريطة الطريق.
ويوضح أن اليمن عاش خلال الفترة الماضية حالة من "اللاحرب واللاسلم"، وهي حالة أصبحت أكثر هشاشة مع عودة النشاط العسكري وتزايد ارتباط الملف اليمني بالتوترات الإقليمية، لذلك فإن أولوية المرحلة الحالية تتمثل في منع الانزلاق إلى حرب واسعة، وإعادة تثبيت حد أدنى من الاستقرار يسمح باستئناف العملية السياسية.
وأكد المقطري أن المسار السياسي لم يمت، لكنه يحتاج إلى إعادة تهيئة البيئة التي تسمح بعودته، وإذا ما تهيأت هذه البيئة فمن المرجح ألا تكون العودة مجرد استكمال تلقائي لما توقف، وإنما مراجعة تأخذ في الاعتبار ما تغيّر على الأرض في اليمن والمنطقة ككل.
وعن اللقاءات التي يجريها المبعوث الأممي والدور العُماني، بيّن المقطري أن أهميتها تكمن في الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة في لحظة شديدة الحساسية، مشيراً إلى أن لقاءات المبعوث الأممي الأخيرة في مسقط ركزت على خفض التصعيد.
ويلفت إلى أن نجاح الوساطة في مثل هذه المراحل لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرتها على إنتاج اتفاق سياسي شامل وفوري، بقدر ما يُقاس بقدرتها على منع سوء الحسابات، وضبط إيقاع التصعيد، وخلق مخارج سياسية وأمنية تسمح للأطراف بالتراجع عن خطوات التصعيد من دون أن تشعر بأنها خسرت موقعها ورصيدها بالكامل.
وعن إمكانية الذهاب إلى تسوية سياسية وشكلها، يشدد المقطري على أنه لا يمكن لأي تسوية سياسية واقعية أن تتجاهل موازين القوى التي تشكّلت على الأرض، فالحوثيون يمثّلون قوة سياسية وعسكرية رئيسية، ويسيطرون على صنعاء وعلى أجزاء واسعة من شمال اليمن ومراكز سكانية مهمة، وبالتالي فإن هذا الواقع سيكون بالضرورة أحد مدخلات أي عملية تفاوضية جديدة.
ويضيف أنه يجب التمييز بين أمرين: الاعتراف بميزان القوى باعتباره نقطة انطلاق للتفاوض، وبين شرعنة هذا الميزان باعتباره النتيجة النهائية للتسوية، ولهذا فإن أي تسوية تقتصر على تفاهم سعودي-حوثي قد تساعد على خفض التصعيد الإقليمي، لكنها لن تكون بالضرورة تسوية تقدم حلاً عميقاً ومستدام للأزمة اليمنية نفسها.
ويعتبر أن "أي تسوية قابلة للاستمرار لا بد من أن تكون تدريجية وعلى مستويين مترابطين: الأول يتعلق بوقف التصعيد وترتيبات وقف إطلاق النار والملفات الاقتصادية والإنسانية وبعض القضايا الأمنية، والثاني يتمثل في عملية سياسية يمنية أوسع تبحث القضايا الأصعب، المتعلقة بشكل الدولة وتقاسم السلطة والموارد والترتيبات الأمنية وتمثيل القوى والمناطق المختلفة".
الميدان وتوازنات القوة
من جهته، يقول الخبير في تحليل النزاعات محمد المقرعي، لـ"المدن"، إن مسار الحل السياسي لا يزال قائماً ولكن بحدود ضيقة في ظل التصعيد العسكري الحالي، الذي وصفه بأنه الأخطر والأكبر منذ إعلان الهدنة الأممية في عام 2022.
ويشير المقرعي إلى أن ما يجري حالياً يشبه "مفاوضات تحت النيران"، معتبراً أن التصعيد الحوثي في جبهات مأرب وحضرموت والساحل الغربي يمثّل اختباراً لجاهزية القوات الحكومية وقدرتها على الرد، وإجهاضاً لعملية البناء الهيكلي والمؤسسي التي تقوم بها قوات الحكومة اليمنية.
ويضيف أن التصعيد يهدف إلى إرسال رسائل متعددة، بعضها يتعلق بأمن الملاحة البحرية ومضيق باب المندب، وأخرى مرتبطة بدعم المسار التفاوضي الإيراني مع الولايات المتحدة، والسعي إلى جعل اليمن جزءاً من تسوية إقليمية.
وحول مسار التصعيد، يرى المقرعي أن العودة إلى المسار السياسي أمر بالغ الصعوبة، وتستلزم العديد من المتطلبات، أولها خفض التصعيد وهو ما ينبغي أن يعمل عليه المسار الدبلوماسي ومسار الوساطة الأممية والإقليمية، وثانيها وجود رغبة لدى الأطراف المحلية وهو ما لا يراه متوافراً لدى الحوثيين الذين يريدون فرض كل شيء بالقوة بحسب تعبيره.
وعن جهود الوساطة، يؤأكد أنه قد تكون هناك جهود تُبذل وقنوات تواصل خلفية، خصوصاً من جانب سلطنة عُمان، لكنه أشار إلى عدم وجود مسار أممي معلن من جانب المبعوث الأممي منذ بدء التصعيد العسكري الحوثي على الأقل، متابعاً أنه "عندما تنطلق أصوات المدافع يصبح الحديث والتحرك الدبلوماسي صعباً ومعقّداً" لأن الأطراف تكون قد حسمت قراراتها، مؤكداً أن ذلك لا يلغي مسار الوساطة بقدر ما يفرض عليها بذل جهد أكبر.
ويرى المقرعي أن هذه الجولة من التصعيد ستتحول إلى معركة شاملة ستعيد بلا شك رسم موازين القوة والنفوذ، وأن أي تسوية مقبلة، إذا ما حدثت، ستكون وفق المعادلة التي تتشكل حالياً في جبهات المواجهة.
ويقول إن الرياض تركز على تأمين حدودها ومشاريعها التنموية الوطنية، وتفضل المسارات السياسية لمنع تعثر الجهود الدبلوماسية ولتجنب الانزلاق مجدداً إلى استنزاف عسكري طويل الأمد.
في المقابل، تجري السعودية وفقاً للمقرعي، تحركات أمنية وعسكرية وتنسيقاً إقليمياً ودولياً لبناء مظلة ردع، تمكنها من التعامل الفوري مع أي سيناريوهات تصعيد ميدانية قد تفرضها الجماعة أو تمليها التطورات الإقليمية.




