أيهما أكثر أهمية في حسابات السياسة، الإجراء.. أم نتائجه؟!
سؤال قديم أجاب عنه التاريخ آلاف المرات، لكنه لا يزال مطروحاً مع كل موقف أو مسألة.
في الأزمة الراهنة في الحرب الأميركية على إيران، يطرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب السؤال مجدداً، لا ليبحث عن إجابة، وإنما ليستعرض براعته عند الإجابة عنه، بإخراج أرنب أبيض من كمّ سترته السوداء الأنيقة.
في كل مرة يجيب فيها ترامب عن ذات السؤال، كان يبدو أكثر حرصاً عند الإجابة،على اقناع الآخرين بانعدام سائر الخيارات الأخرى، وبأنه وحده القادر على تبني الخيار الوحيد الباقي بعد إعدام أو انعدام باقي الخيارات!
في طور الأزمة الراهن، انحاز ترامب للإجراء، فاختار شنّ حرب اقتصادية شاملة ضد إيران، قال إنها لن تتوقف قبل أن تحقق سقوط الدولة، أو انهيار النظام، أو كلاهما معاً. فهل تبنّى ترامب خياراً حقيقياً قابلاً للتطبيق على الأرض؟ أم أنه سعى لإرضاء ماكينات الدعاية، ولو على حساب نتائج الحرب الاقتصادية المزعومة؟!
هناك من يسأل ترامب، ما الذي جاء بك إلى هنا؟!.. كيف بلغتَ بالأزمة طوراً من العجز، لم يدَع من بدائل او خيارات أمامك سوى حرب اقتصادية شاملة ضد إيران مستحيل أن تنجح ما لم يتوافر لها عنصر الشمول وعنصر الوقت، وكلاهما بعيد عن متناول يد دونالد ترامب، فلا هو قادر على إرغام العالم على الانخراط قسراً في حرب اقتصادية شاملة هدفها إرغام طهران على رفع الراية البيضاء بحسب تعبير ترامب نفسه، ولا هو قادر على إطالة أمد هذا الحصار مهما بدت طهران عصيّة على الخضوع.
حتى الآن يبدو أن دونالد ترامب ما زال عاجزاً في الأزمة، عن إخراج أرنب أبيض من كمّ سترته السوداء، لكنه ما زال يحاول تنويم جمهوره، ولو لبضعة أسابيع ريثما ينتهي من تحدي الانتخابات النصفية للكونغرس مطلع تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
المقدمات تنذر بنتائج مخيبة لآمال الجمهوريين في الانتخابات، ما يضع ترامب تحت ضغوط هائلة سواء في الانتخابات ذاتها، أو بسبب نتائجها التي يمنّي الديمقراطيون أنفسهم فيها بالسيطرة على الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، بما يسمح بمحاكمة ترامب وربما حتى بعزله.
الخيارات الصفرية أمام ترامب في الأزمة مع إيران، لا تدع أمامه متسعاً للمناورة، فهو إما أن يتقدم مبادراً بجولة قتال أعنف، لا تقطع المقدمات بقدرته على الفوز بها، وإما أن ينسحب بقوة لطيفة، أو بلطف قوي، وهو ما يحاوله الآن بالحديث الخشن جداً عن يوم يستدعي فيه ترامب ذاكرة الـ"دي داي أوف نورماندي"، مشيراً إلى اضخم عملية إنزال للحلفاء في التاريخ على شواطئ النورماندي الفرنسية لإلحاق هزيمة منكرة بجيوش هتلر.
بمزاج يغلب عليه الحنين الاستعماري إلى نهج السيطرة المباشرة على مستعمرات جديدة، أعلن ترامب قبل أيام أن مضيق هرمز بات أرضاً أميركية، مستدعياً سياسات الأخوين آلن وجون فوستر دالاس مطلع خمسينيات القرن الماضي، بالذهاب إلى "حافة الهاوية"، وتحدي الآخرين أن يذهبوا إليها أو أن يقفون فوقها، في اختبار لسلامة أعصاب الساسة والسياسة أيضاً.
في الأزمة الراهنة، وبسيكولوجية المقامر، يفضّل كلا من دونالد ترامب، ومجتبى خامنئي اللعب عند الحافة. ما يرفع رهانات الحرب، ويحبس أنفاس الشهود، فالأول يسوّق لرؤيته بشن حرب اقتصادية ضد إيران غير مسبوقة في التاريخ الإنساني كله، والثاني يتحدى أميركا أن تحشد العالم ضد إيران لزمن ممتد.
نجاح حصار ترامب لإيران، مرهون بثلاثة أمور، يعرف ترامب أن تحققها معاً خلال مدىّ زمني مؤثر، أمر يصعب تحقيقه.
أول هذه الأمور: قدرة الولايات المتحدة على بناء توافق دولي ينخرط أعضاؤه بالتزام تام في خطط الحصار.
ثاني هذه الأمور: المدى الزمني المطلوب حتى يُحدِث الحصار أثره. فهذا النوع من الحصار يحتاج إلى مدىً زمني مؤثر لا يملكه ترامب وإدارته بينما تلاحقهم استحقاقات الانتخابات النصفية، وأشباح إبستين معاً.
ثالث هذه الأمو: مدى قدرة نتائج الحصار وآثاره، على تحريك الشارع الايراني ضد النظام الذي استطاع عبر أدائه في الازمة، استقطاب قطاع واسع من الجماهير خلف حرب انكشف أمر من خططوا لها على مدى قرابة نصف قرن.
فيما يبدو -حتى الآن- فقد تخلى ترامب عن فكرة الحرب الشاملة والضربة الساحقة الماحقة، بعدما تأكد لديه أنها غير ممكنة، فضلاً عن كلفتها الباهظة، وفيما يبدو أيضاً فإن ما يقوله وما يفعله حتى الآن بصدد تفعيل تهديداته بحرب النورماندي الثانية، قد لا يتجاوز حدود التهويش، أو المبارزات اللفظية.
ترامب يعتقد ان الإجراء بشأن حرب اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ، من شأنه أن يُسقط نظام الملالي ويفتح باب السيطرة على إيران على مصراعيه، بينما يرى مجتبى خامنئي أن العبرة بالخواتيم، وأن صاحب النفس الأطول، هو من سيربح في نهاية المطاف.
الأطراف كافة غاب عنهم في خضم المعارك، أن ما يجري هو بعض عمليات ضمن صراع دامٍ حول طبيعة النظام الدولي خلال العقود المقبلة. أميركا تريد مواصلة الاستفراد بزعامة النظام الدولي المعدّل، والصين تريد الشراكة في زعامة نظام دولي جديد بحق، بينما يحتدم الصراع عند قاعدته في إقليم الشرق الأوسط، بين من يريدون نظاماً إقليمياً تحكمه التوازنات الدقيقة، ومن يريدون خلخلة التوازنات كأداة للسيطرة والتأثير.
الصراع سيتواصل بين الإجراء وبين نتائجه، أو بين الوسائل والغايات، وكما اعتدت أن اسمع من جدتي: "اللي يحسب الحسابات..في الهنا يبات".



