عاد الملف النووي السوري إلى الواجهة مع نتائج عينات بيئية أخذتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية عام 2025 من ثلاثة مواقع مرتبطة بدير الزور، وأظهرت وجود جسيمات من اليورانيوم الطبيعي ذات أصل بشري، مع مؤشرات تتسق مع عمليات تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم. أما في آب/ أغسطس 2026 فقد انتقل الملف إلى مستوى آخر مع إبلاغ السلطات السورية الوكالة عن موقع يحتوي على بضعة أطنان من المواد النووية الموروثة وإتاحة الوصول إليها تمهيدًا للتحقق وإدخالها ضمن ترتيبات الضمانات؛ ليظهر أمام سوريا الجديدة إرث نووي مرتبط بمشروع الدولة السابقة، بالتوازي مع محاولة بناء علاقة مختلفة مع المؤسسات الدولية والاستخدامات السلمية للطاقة الذرية.
آثار مختلفة
بعيدًا عن وزن اليورانيوم وحده؛ يبدأ الاختلاف الحقيقي من التاريخ والسجل الذي يرافق المادة، لكون اليورانيوم الموجود في منجم معروف يتحرك ضمن دورة جيولوجية واقتصادية، والمادة الموجودة في منشأة معلنة تخضع للسجلات والرقابة والضمانات، بينما تحمل الجسيمات التي تظهر في مواقع مرتبطة بمنشأة دمرت، أو المواد التي بقيت خارج مسار التحقق، أثرًا مختلفًا يمكن أن يكشف جزءًا من تاريخ الدولة التي أنتجتها وأدارتها؛ لتتحول المادة النووية إلى أثر سياسي وأمني، وتصبح خصائصها الكيميائية جزءًا من أرشيف يبقى حاضرًا حتى بعد اختفاء المباني والوثائق.
يبدو الملف السوري أقرب إلى التنقيب في أرشيف دولة، لأنه في 6 أيلول/ سبتمبر 2007 دمرت الغارة الإسرائيلية منشأة "الكبر" في دير الزور، في عملية أطلق عليها اسم " البستان"، ثم بدأت الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال السنوات اللاحقة تحقيقًا اعتمد على صور الأقمار الصناعية والعينات البيئية والمعلومات الفنية. وفي 2011 خلصت إلى أن المبنى كان مفاعلًا نوويًا كان ينبغي الإعلان عنه، واعتبر مجلس محافظي الوكالة عدم تقديم المعلومات المتعلقة ببنائه وتصميمه إخلالًا بالتزامات سوريا في إطار اتفاق الضمانات. ومنذ ذلك الوقت تحولت القضية من التحقيق في منشأة قائمة إلى إعادة تركيب تاريخ منشأة اختفت، بينما بقيت آثارها في التربة، والعينات، والصور، والوثائق.
هذه الجسيمات مهمة لأنها قادرة على حمل آثار العمليات التي مرت بها؛ لأن تركيبها الكيميائي وشكلها والشوائب المصاحبة لها يمكن أن تساعد في تحديد مراحل من تاريخها الصناعي، وعندما تشير نتائج الوكالة إلى خصائص تتسق مع تحويل مركز خام اليورانيوم إلى أكسيد اليورانيوم، فإنها تفتح أسئلة حول مكان المعالجة ومسار المادة ووظيفتها داخل البنية النووية السابقة. لذلك يتحول التحقيق إلى قراءة للآثار النووية، حيث يمكن لجسيم بالغ الصغر أن يقود إلى نشاط صناعي أو منشأة أو شبكة توريد لم تعد عناصرها الأخرى ظاهرة.
أما التحول الأهم فيرتبط بطريقة تعامل السلطة السورية الجديدة مع الملف؛ لأنها ورثت مواد ومواقع ووثائق وبنية تحتية وأزمات دبلوماسية وقانونية مرتبطة ببرنامج لم تشارك في بنائه أو إدارة تفاصيله، ولذلك أصبحت عملية معرفة ما بقي منه جزءًا أساسيًا من إعادة بناء الدولة نفسها. فعليًا غير سقوط نظام الأسد عام 2024 إمكانية الوصول إلى هذا الإرث، وفتح المجال أمام فحص المواقع وتحليل العينات والكشف عن المواد وإدخالها تدريجيًا في مسار التحقق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ وفي أغسطس 2026 انتقل الملف من مستوى الجسيمات البيئية التي تكشف آثار الأنشطة السابقة إلى مستوى المواد المخزنة، بعد الإبلاغ عن بضعة أطنان من المواد النووية الموروثة. يعكس هذا الكشف حجم ما بدأ يظهر من إرث البرنامج السابق، بينما تبقى قيمته التقنية مرتبطة بطبيعة المواد ومستوى معالجتها وتاريخ استخدامها؛ إذ يمكن للكمية نفسها أن تحمل دلالات مختلفة تمامًا وفق مصدرها والمسار الذي مرت به؛ وبالتالي فإن الوزن يصف حجم المخزون، بينما التاريخ هو الذي يحدد معناه.
تبدأ الأهمية السياسية من الطريقة التي وصلت بها الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى المواد؛ إذ أبلغت دمشق عن الموقع وسمحت بالوصول إليه، في تحول واضح عن المرحلة التي كان الكشف الخارجي فيها يقود إلى طلب التفسيرات وفتح التحقيقات. وهنا تتحول الشفافية من مصدر ضغط إلى مورد سياسي يمكن للدولة الاستثمار فيه، لأن كل مادة يجري جردها وكل موقع يدخل إلى نظام الضمانات يساهم في إعادة بناء سجل الدولة وعلاقتها بالمؤسسات الدولية. كما أن المواد النووية نفسها تحمل أرشيفًا مختلفًا عن الأرشيف السياسي؛ فهي تكشف مسارات الاستخراج والمعالجة والنقل والتخزين، وتساعد الدولة الجديدة على معرفة ما الذي كانت الدولة السابقة تنتجه وتخزنه. ومن هنا يصبح التعامل مع الإرث النووي جزءًا من استعادة السيطرة على الدولة نفسها، ثم من محاولة الفصل بين مشروع سابق ارتبط بالسرية وهامشية دير الزور، ومسار مستقبلي تريد دمشق وضعه داخل إطار معلن وتحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
البعد الاقتصادي
يحمل هذا التحول بعدًا اقتصاديًا وخدميًا واستثماريًا لا يقل أهمية، لأن الحق في الاستخدام السلمي للطاقة الذرية يمثل نقطة البداية فقط، بينما تحتاج القدرة النووية إلى مؤسسات علمية وهيئات رقابية وتشريعات وكوادر وتمويل وبنية تحتية وأمن وأمان نووي. وفي دولة تواجه أولويات إعادة الإعمار والكهرباء والمياه والصحة، تبدو التطبيقات المدنية أكثر واقعية من القفز مباشرة إلى مشروع مفاعل ضخم؛ لأن الطب النووي والعلاج الإشعاعي وإنتاج النظائر والتطبيقات الزراعية وإدارة الموارد المائية والبحث العلمي تشكل مجالات ترتبط بحاجات المجتمع والاقتصاد، وتسمح في الوقت نفسه بإعادة بناء المعرفة والمؤسسات وتوسيع التعاون الدولي، بحيث يبدأ المشروع النووي السوري من بناء القدرة العلمية قبل الوصول إلى المشاريع الهندسية الكبرى.
البعد العسكري
أما البعد العسكري، فيبقى حاضرًا حتى مع إعلان سلمية البرنامج، بسبب حساسية التكنولوجيا النووية وارتباط الحالة السورية بإرث دير الزور والضربة الإسرائيلية عام 2007؛ وعلى العموم فإن دول المنطقة تنظر إلى القدرات الاستراتيجية السورية من زاوية تتجاوز الاستخدام المعلن، لتشمل المعرفة المتراكمة والبنية التحتية والمواد وإمكان تطورها مستقبلًا، وهو ما يجعل أي برنامج نووي سوري موضوعًا سياسيًا وأمنيًا اقليميًا إلى جانب كونه مشروعًا علميًا. وهنا تصبح الشفافية والضمانات الدولية جزءًا من الحماية السياسية للمشروع نفسه؛ فكلما كانت المواد معلنة والمواقع خاضعة للرقابة والتعاون مفتوحًا مع الوكالة، ازدادت قدرة دمشق على تثبيت الطابع المدني لبرنامجها وارتفعت الكلفة السياسية لأي محاولة لقراءته ضمن مسار عسكري.
وبهذا المعنى، تتجاوز القضية كمية اليورانيوم أو الموقع الذي جاءت منه، لتصبح اختبارًا لقدرة الدولة السورية على تحويل إرث استراتيجي غامض إلى معرفة موثقة، ثم تحويل هذه المعرفة إلى مؤسسات وقدرات علمية واقتصادية، ووضعها داخل إطار مدني يحظى بالاعتراف والرقابة الدولية. وبين دير الزور بوصفه رمزًا لمرحلة السرية والصراع العسكري، وبين الطب النووي والزراعة وإدارة المياه والبحث العلمي بوصفها مسارات للاستخدام السلمي، يتشكل مستقبل العلاقة السورية بالتكنولوجيا النووية ضمن معادلة تجمع السياسة، والاقتصاد، والعلم، والأمن.
عقبة تل أبيب ولقاء عمّان
الآن الأهم مما سبق هو أن الدولة السورية تقف أمام اختبار يتجاوز المادة النووية ذاتها؛ إذ ترتبط إدارة هذا الإرث بقدرتها على معرفة ما ورثته، وتوثيقه، وإدخاله في إطار مؤسساتي واضح يحدد مصدره ومكانه ومسؤولية التعامل معه، ثم الانتقال من معالجة إرث البرنامج السابق إلى بناء تصور جديد للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية. غير أن هذا الانتقال يتحرك داخل بيئة إقليمية شديدة الحساسية، لأن المسألة بالنسبة لإسرائيل لا تتوقف عند الاستخدام المعلن للمادة أو المنشأة، وإنما تمتد إلى طبيعة البنية العلمية والتقنية التي يمكن أن تتشكل حولها، وإمكان تحولها مع الزمن إلى مصدر استقلال استراتيجي أو قدرة عسكرية كامنة. ومن هذه الزاوية، وبالعودة إلى ضربة مفاعل تموز العراقي عام 1981، ثم تدمير منشأة الكبر السورية ، تتوضح عقيدة أمنية تقوم على منع تشكل قدرات نووية مستقلة في البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل، خصوصًا عندما تملك هذه القدرات قابلية التطور خارج منظومة التفوق الاستراتيجي الإسرائيلي التي بنيت عليها إسرائيل برامجها الدفاعية والهجومية وتقنيات الردع الخاصة بها .
وتكتسب التحركات الدبلوماسية السورية الأخيرة أهمية تتجاوز الملفات المعلنة في بيانات الاجتماعات، خصوصًا أن لقاء وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني برئيس جهاز الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان في عمّان، بوساطة أمريكية واستضافة أردنية، يفتح قناة ذات طبيعة أمنية واستخبارية مباشرة إلى جانب المسار السياسي. ويأتي هذا اللقاء في لحظة تحاول فيها دمشق إعادة ترتيب علاقتها بأكثر من طرف في وقت واحد؛ فمن جهة، تتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا لمعالجة الأسئلة الموروثة عن المواد والأنشطة النووية السابقة، ومن جهة أخرى، تدخل في اتصالات مع الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل لمعالجة خفض التصعيد ومستقبل الترتيبات الأمنية داخل سوريا. وبين المسارين يظهر الملف النووي بوصفه أحد الملفات التي يمكن أن تتأثر بهذه الترتيبات، حتى عندما لا يكون حاضرًا بصورة معلنة على جدول الاجتماع، لأن بناء برنامج نووي مدني يحتاج إلى أكثر من الاعتراف القانوني بحق سوريا في الاستخدامات السلمية؛ يحتاج أيضًا إلى بيئة أمنية تقل فيها احتمالات النظر إلى أي تطور علمي أو تقني سوري بوصفه تهديدًا استراتيجيًا.
وتزداد أهمية لقاء الشيباني وغوفمان لأن الموساد يمثل جزءًا أساسيًا من منظومة التقييم الإسرائيلي للقدرات الاستراتيجية في المنطقة؛ ولذلك فإن القناة التي فتحها اللقاء لا تتعلق فقط بالسياسة الخارجية أو بخفض التصعيد، وإنما تسمح بتبادل الرسائل حول ما تعتبره إسرائيل خطوطًا حمراء في سوريا، وما تستطيع دمشق تقديمه من ضمانات بشأن طبيعة قدراتها المستقبلية؛ و بالتالي يصبح الملف النووي أكثر حساسية لأن إسرائيل لا تنظر فقط إلى المادة أو المنشأة القائمة، وإنما إلى الكوادر العلمية، والمؤسسات البحثية ( بحوث جمرايا وبرزة والمنطقة الوسطى) ، وشبكات التوريد، والمعرفة التقنية، ومسار تراكم هذه العناصر وقدرتها على إنتاج قدرة استراتيجية أوسع مع مرور الوقت. ولذلك فإن أي برنامج نووي سوري، حتى عندما يبدأ من الطب النووي أو إنتاج النظائر أو البحث العلمي، سيخضع على الأرجح لقراءة أمنية تتجاوز وظيفته المدنية المباشرة.
مسار فيينا
ومن هنا يمكن النظر إلى المسار الذي يمتد بين دمشق وفيينا باعتباره مسارًا لإغلاق إرث الماضي وبناء الشرعية الدولية، بينما يشكل المسار الممتد بين دمشق وعمّان وواشنطن وتل أبيب جزءًا من التفاوض على البيئة الأمنية للمستقبل. فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تستطيع التحقق من المواد والمواقع وتحديد التزامات سوريا في إطار الضمانات، لكنها لا تدير الحسابات الأمنية التي تحكم نظرة إسرائيل إلى أي قدرة استراتيجية يمكن أن تظهر داخل سوريا. وهنا تكتسب القناة التي يمثلها لقاء الشيباني وغوفمان أهمية إضافية؛ لأنها تتيح الانتقال، ولو بصورة محدودة، من الاعتماد على التقديرات الاستخبارية والشكوك المتبادلة إلى تبادل الرسائل الأمنية ومعالجة بعض المخاوف عبر قناة اتصال مباشرة.
إذا نجحت الاتصالات السورية-الإسرائيلية، في إنتاج تفاهمات أكثر استقرارًا حول خفض التصعيد والانتشار العسكري والقدرات الاستراتيجية، فقد تمنح دمشق مساحة أوسع لتطوير الاستخدامات المدنية للطاقة النووية تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على اعتبار ان وجود مواد معلنة ومواقع خاضعة للضمانات وقنوات سياسية وأمنية مفتوحة مع إسرائيل والولايات المتحدة يرفع الكلفة السياسية لأي محاولة للتعامل مع منشأة مدنية معلنة باعتبارها تهديدًا عسكريًا، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابًا آخر يتعلق بسقف القدرات التي تستطيع سوريا بناءها مستقبلًا. فعلياً، إسرائيل لا تنظر فقط إلى ما تفعله سوريا اليوم، وإنما إلى ما يمكن أن تنتجه هذه البنية بعد سنوات ( على الأقل 20 عامًا)؛ إذ تبدأ القدرة النووية المدنية بالكوادر والمؤسسات والمعرفة التقنية وإدارة المواد والتعاون العلمي، ثم تتراكم هذه العناصر لتمنح الدولة قدرة علمية واستراتيجية أوسع. ولهذا يدخل البرنامج منذ مراحله الأولى في دائرة التقييم السياسي والاستخباري، عبر متابعة المواقع والمواد والمشتريات والكوادر وشبكات التعاون، وليس فقط المنشآت النووية الكبيرة؛ لتصبح الشفافية مع الوكالة جزءًا من الأمن السوري نفسه، لأنها تقلص مساحة الشك التي يمكن أن تتحول إلى ضغط سياسي أو عمل عسكري.
وعلى هذا الأساس يتحرك الملف السوري بين مسار فيينا الذي يركز على التحقق من الإرث السابق وبناء الشرعية والثقة الدولية، ومسار عمّان وواشنطن والقناة الأمنية مع إسرائيل الذي يحدد البيئة الاستراتيجية والاستخباراتية والأمنية الإقليمية التي يمكن أن تتحرك داخلها القدرات السورية الجديدة. هذا التداخل مهم لأنه يفتح إمكانية الانتقال من نموذج تاريخي ارتبط بالعمل الاستخباري والضربة الاستباقية إلى نموذج تُعالج فيه المخاوف عبر القنوات السياسية والأمنية قبل تحولها إلى مواجهة عسكرية. لكن هذه القنوات قد تؤدي في الاتجاه الآخر إلى رسم سقف للطموح السوري، لأن إسرائيل ستراقب ليس فقط طبيعة الاستخدام المدني، وإنما القدرة الكامنة التي يمكن أن تنتجها المعرفة والكوادر والبنية التحتية مع مرور الوقت.
تتداخل هنا السياسة بالدبلوماسية والأمن والاستخبارات، بحيث تعمل الوكالة على إغلاق أسئلة الماضي، وتسعى دمشق إلى بناء شرعية وقدرة مدنية للمستقبل، بينما تحاول إسرائيل التأكد من أن هذا المسار لا ينتج تحولًا في ميزان القوة الإقليمي. ولذلك فإن مستقبل البرنامج النووي السوري لن يتحدد فقط بكمية المواد أو طبيعة استخدامها، وإنما بقدرة دمشق على الجمع بين الشرعية الدولية، والشفافية، والدبلوماسية الأمنية، وإدارة المخاوف الإقليمية، بما يسمح لها ببناء قدرة علمية ومدنية دون تحويلها إلى مصدر جديد للصراع الاستراتيجي في المنطقة.




