اليمين الإسرائيلي وأولوية حسم المعركة في الضفة

حلمي موسىالأربعاء 2026/08/26
الضفة الغربية (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

مع اقتراب الحرب من نهاية عامها الثالث وفي ظل توسع جبهاتها واحتمال انضمام أخرى، يرى كثيرون أن منطقتنا تدخل أخطر مراحل الصراع فيها بعد أن عجز العدو، بشكل واضح، عن حسم المعركة لصالحه. وفيما تراهن الولايات المتحدة على الحصار الاقتصادي والمالي لحسم المعركة مع إيران، تجد إسرائيل نفسها في موقع بالغ الحساسية والريبة من قدرتها حتى على المراهنة. فتعدد الجبهات دفع الكثيرين، خصوصاً مع اقتراب موعد الانتخابات العامة الإسرائيلية والتي تشهد تراجعاً واضحاً لمكانة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وائتلافه اليميني المتطرف المستقبلية، للمراهنة على جبهة تفجير الصراع. البعض لم يستبعد فتح الصراع مع تركيا رغم مخاطره الكبيرة، وآخرون اكتفوا بهامش الحرب في لبنان، وبعضهم رأى أن سوريا هي الجبهة الساخنة المقبلة. لكن طوال الوقت وفي ظل دوي المدافع في كل الجبهات كان الجهد الإسرائيلي مركّزاً بدأب على حسم المعركة في الضفة الغربية.

 

الحسم الأقل كلفة

ويمكن القول، دون مبالغة، أن حسم المعركة في الضفة الغربية تعني، وفق كل المعايير، حسم المعركة في إسرائيل نفسها ليس فقط بين يمين ويسار وإنما أساساً داخل اليمين نفسه، بتغليب اليمين الكهاني المتطرف. وثمة من يرون أن نتنياهو أفلح في تسييد اليمين المتطرف على ما عداه، أولاً، داخل الليكود، وتالياً، في الحلبة السياسية والأهم داخل المجتمع الإسرائيلي. وبصرف النظر عن نتائج الانتخابات المقبلة، وحتى إن خرج نتنياهو منها خاسراً، فإنه فعلاً وقولاً حقق أهداف اليمين السياسية على الأقل في المرحة المقبلة. وربما لن يتمكن أحد داخل إسرائيل في العقدين المقبلين من تغيير جوهر الأهداف التي اعتمدها وسعى إليها نتنياهو واليمين المتطرف. وهذا ما يعتبره كثيرون فخاً قاتلاً يحشر مستقبل إسرائيل في زاوية ضيقة ومن دون آفاق حقيقية للخروج منها.

وهذا هو المعنى الحقيقي لتصريحات نبي الغضب الإسرائيلي، الجنرال اسحاق بريك حول الطريق الآمن لـ"دمار الهيكل الثالث" الذي تسير فيه إسرائيل حالياً. إذ لاحظ في مقالته الأخيرة في "معاريف" هذ الأسبوع، أن "المجتمع الإسرائيلي يقف اليوم على حافة هاوية سحيقة، أعمى عن الواقع تماماً، مدفوعاً بنشوة السلطة والتعصب والضغائن السياسية التي لا تُغتفر. لطالما انتقدتُ بشدة، وبلا هوادة، جميع القطاعات، بغض النظر عن العرق أو الجنس أو الدين. أُدين بشدة كل من يُهدد أمن الدولة، بأفعاله وأفكاره وسلوكه - يساراً كان أو يميناً، متديناً أو علمانياً، عرباً أو يهوداً، كثير منهم تحركهم الأيديولوجيا وينتمون إلى قطاع أو آخر، عندما لا تكون الحقيقة والوقائع نبراساً لهم، وهم على استعداد لتدمير كل ما هو جيد فيمن يخالفهم الرأي، ويُلحقون ضرراً بالغاً بالصمود الوطني، ويعيشون في حالة إنكار وقمع، ويقربون إسرائيل من تدمير الهيكل الثالث".

فائتلاف نتنياهو قرر وفق كبار المعلقين الإسرائيليين خوض حروب حتى موعد فتح صناديق الاقتراع في نهاية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وإلا فإنه سيعمد إلى إلغاء الانتخابات بدعوى تاجيلها. غير أن الحرب في مختلف الجبهات مكلفة بل وباهظة التكلفة لدرجة أن إسرائيل نفسها صارت تخشى على اقتصادها من الانهيار. فميزانية دفاع سنوية بما يزيد عن 60 مليار دولار تحدث ثقباً أسود في الاقتصاد الإسرائيلي كفيل بتدميره، خصوصاً في ظل هجرة سلبية وتراجع في حجم الاستثمارات. ومع ذلك لا مفر لنتنياهو من مواصلة الحروب بحثاً عن أسهلها وأقلها كلفة وأكثرها مردوداً على الصعيد الانتخابي وهو التركيز على غزة والضفة الغربية. فالحرب الإسرائيلية في الجبهات الأخرى باتت مقيدة وأشد كلفة. ومثل هذه الحروب كفيلة بتحقيق الحلم الصهيوني الكهاني وتنهي خرافة الحلم الصهيوني الديمقراطي. 

 

تفجير الضفة

حذر رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال إيال زامير وقائد المنطقة الوسطى الجنرال آفي بلوط، القيادة السياسية في اجتماع عقد ليل الاثنين الماضي، من أن الضفة على وشك الانفجار بسبب اعتداءات المستوطنين على القرى والمدن الفلسطينية. ووصف الجنرال بلوط ما أسماه بـ"الجرائم القومية" ضد الفلسطينيين بأنها "عود ثقاب كفيل بأن يشعل كل شيء في لحظة". وقيل في الاجتماع الذي حضره أيضاً نتنياهو ووزير أمنه إسرائيل كاتس، أن انشغال الجيش بجرائم المستوطنين يضعف قدرته على الاستعداد لمواجهة "الإرهاب الفلسطيني". وأشار الجيش إلى أن ما يسميه "عنف المستوطنين"، يعرض قيادة الجيش للحرج مع الأميركيين الذين باتوا يبدون اعتراضات أشدّ على سلوكيات إسرائيل والمستوطنين.

لكن عنف المستوطنين لم يكن حدثاً ارتجالياً من مجموعات متمردة بقدر ما كان فعلاً مخططاً له من جانب قوى مركزية في الحكومة الإسرائيلية وبهدف واضح وهو تفجير الوضع. والأمر حقاً لم يبدأ فقط في ولاية نتنياهو وسموتريتش وبن غفير وإنما قبل ذلك بكثير عندما كان هدف الحكومات اليمينية السابقة خلق واقع يحول دون قيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وهذا هو المعنى الحقيقي لدعوة أرييل شارون للمستوطنين باحتلال كل تلة في الضفة الغربية والمعنى الحقيقي لخريطة الطرق التي تفصل المناطق الفلسطينية وكذلك لبناء مستوطنات الفصل كما في منطقة الخان الأحمر. وفي الآونة الأخيرة تعاظم الضغط على وكالة غوث اللاجئين (أونروا) وعلى القرى الفلسطينية بتعمد إنشاء البؤر الاستيطانية الاستفزازية داخلها وعلى مداخلها. ورأينا مؤخراً ما جرى في ترمسعيا ومادما وقصرة والعديد من القرى، وما جرى من تحطيم للنصب التذكارية في العديد من القرى، وبحضور ومشاركة الجيش الإسرائيلي. وبحسب المتابعة نفذ المستوطنون خلال العام الجاري شهرياً ما لا يقل عن 200 اعتداء على قرى ومزارع وبيوت ومواطنين فلسطينيين وهو أعلى معدل اعتداءات تم تسجيله منذ بدء الاحتلال عام 1967.

وتباهى وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بإنشاء أكثر من 100 مستوطنة خلال ولاية الحكومة الحالية، وإنشاء 70 منطقة إدارية لمستوطنات في الضفة خلال العام الأخير فقط. كما أن وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ترأس القوة التي اقتحمت مركز التدريب المهني لوكالة الأونروا في قلنديا وتدميره، بعد أن كان قد دمّر مركز رئاسة عمليات الوكالة في القدس في انتهاك صارخ للمواثيق الدولية وحتى لاتفاق أوسلو. وكان واضحاً للجميع، وفق ما نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية، أن نتنياهو وبن غفير وسموتريتش يحاولون إشعال الضفة الغربية عشية الانتخابات.

 

طائرات غزة الورقية

وفي السياق نفسه، تأتي الحملة الإسرائيلية على طائرات أطفال غزة الورقية. فمن يستمع لحجم المخاوف التي أعرب عنها سكان ما يسمى بغلاف غزة وتضخيم كل من رئيس الحكومة الإسرائيلية ووزير أمنه لخطرها، يظن أن الحديث يدور عن أسلحة دمار شامل. لكن الواقع يشير إلى أن نتنياهو وحكومته غير الراضين عما آل إليه الحال في قطاع غزة، يرون في مجلس السلام وخطة ترامب نفسها خطراً غير محتمل. ولأنه يصعب عليهم، لأسباب مختلفة الصدام المباشر مع مجلس السلام، يستسهلون البحث عن ذرائع. فالخطة الإسرائيلية اليمينية لم تتغير بعد وهي مواصلة الجهد ليس لتثبيت أهل غزة على أرضهم وتحسين مستوى حياتهم، وإنما تهجيرهم عنها قسراً أو طوعاً. ولذلك يواصل الجيش الإسرائيلي تنفيذ سياسة الإبادة والتضييق والبحث عن ذرائع، وكان آخرها التهديد ليس فقط باستهداف من يلعبون بطائرات الأطفال الورقية وإنما أيضا بالمنطقة التي يلعبون فيها وسكانها. 

وتشيع إسرائيل أنه، على الرغم من أن من يصنعون الطائرات الورقية ويلعبون بها أطفال، إلا أنه تقف خلفهم قيادات من حماس. ولا حاجة البتة لإثبات سخافة هذا التوصيف، خصوصاً أن بين المناطق المأهولة في غزة ومستوطنات غلاف غزة منطقة عازلة يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي تمتد لكيلومترات. ولكن أمام جمهور إسرائيلي لم يشبع بعد من الدم الفلسطيني يطلق قادة الحكم والجيش في إسرائيل التهديدات ويعمدون إلى تدمير مساجد وإخلاء مربعات سكنية بدعوى انطلاق طائرات ورقية منها. فالمهم عند نتنياهو وكاتس أمام ناخبيهم، إبداء حزم شديد لمنع "تهديد مجتمعاتنا وتقويض شعور مواطنينا بالأمان"، حسب قولهم.

 

الضغط الدولي

تتعاظم الانتقادات الدولية للانتهاكات الإسرائيلية في الضفة والقطاع. وبدأت عدة دول أوروبية ببحث اتخاذ إجراءات عقابية ضد قادة إسرائيليين. وثمة داخل إسرائيل من يرون وجوب توسيع هذا الضغط كي تضطر القوى الداخلية للتصدي لمنطق الحروب الدائمة. وكتب ران أدليست في معاريف: "السؤال المطروح هو: هل سيُعيد الضغط الدولي الحالي، سواء كان ذلك إيجابياً أم سلبياً، المجتمع الإسرائيلي إلى مساره الصحيح؟ للأسف، الإجابة هي نعم. إن الضغط الخارجي الذي يُولّد ضغطاً داخلياً هو وحده الكفيل بعزل دعاة الحرب فينا، وتحقيق الخلاص من خباثة البيبوية والكاهانية والحريدية".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث