إسرائيل ترفع سقف استفزازاتها لسوريا: بداية "القضم والضم"؟

أدهم جابرالأربعاء 2026/08/26
الجولان جبل حرمون
إسرائيل تبدأ بتكريس معادلة جديدة في جنوب سوريا (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

رفع وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس سقف استفزازات بلاده لسوريا بقوله إنَّ "إسرائيل لن تنسحب من المنطقة الأمنية العازلة وجبل الشيخ"، مؤكداً بذلك صحة النوايا التوسعية لإسرائيل وهو ما درجت على نفيه.

 

أهداف إسرائيلية

هذا الإعلان الصريح يعكس مجموعة من الأهداف الإسرائيلية التي لا يمكن إغفالها، التي تتخذ أشكالاً تبدأ بالعسكرية عبر إنشاء منطقة عازلة خالية من أي سلاح ردع بغض النظر عن نوعه، وتمتد لمسافة نحو 40 كلم داخل سوريا وفق كاتس نفسه الذي أشار من جبل الشيخ إلى أن قواته موجودة في مواقع تبعد 35 كلم عن العاصمة السورية، مما يعني أن الجبل بات عين إسرائيل الكاشفة للعمق السوري. أما ثاني الأهداف فسياسي يعتمد على "شخصنة" كاتس للصراع عندما توجه إلى الرئيس السوري أحمد الشرع مباشرة بالقول: "عندما تستيقظ صباحاً في قصر دمشق وتنظر إلى جبل الشيخ وترى الجيش الإسرائيلي، فاعلم أننا موجودون هنا لحماية مجتمعاتنا وحدودنا". وهذه رسالة تحمل في مضمونها تهديد للشرع لدفعه إلى قبول الواقع الجديد، كما تدل على أن ما تريده إسرائيل من سوريا هو "سلام بارد" عبر تسخين الجبهة السورية.

وبالنسبة إلى الهدف الثالث فإقليمي يتعلق بتغير بوصلة المواجهة الإسرائيلية نحو تركيا بدلاً من إيران، وهو ما تبجح به كاتس قائلاً إن الجيش الإسرائيلي "أحبط جميع محاولات تركيا لتعزيز وجودها في سوريا"، في إشارة إلى قصف مطار أبو الظهور، كما تُرجم هذا الهدف أيضاً بالزيارة التي قام بها رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير إلى جنوب سوريا حيث قال من هناك إنه "لن يسمح للقوات المعادية بالتمركز على حدودنا" قاصداً بذلك تركيا وليس إيران.

أما الهدف الأخير فداخلي إسرائيلي، إذ يرغب رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو، ووزير أمنه بتسويق بضاعة جديدة للرأي العام الإسرائيلي، بأن ما تقوم به الحكومة من عمليات احتلال في الجنوب السوري، يرمي إلى "تأمين الشمال"، وهذا يبرز معادلة إسرائيلية جديدة ولدت بعد أحداث 7 تشرين الأول/ أكتوبر، وتقوم على الانتقال من  موقع ردة الفعل إلى الفعل المباشر، وهي "وصفة" يعمل نتنياهو على تكريسها ومضمونها أن أصوات الناخبين يمكن شرائها بدماء الآخرين واحتلال أراضيهم.

 

سيناريوهات سورية

إنَّ الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة لدمشق، تضع الأخيرة أمام سيناريوهات معقدة بحجم تشابك المشكلة، أولها الحرب المباشرة التي ربما تشتعل نتيجة خطأ في الحسابات، لكن بما أن الرئيس السوري ليس في وارد منح إسرائيل الذريعة التي تنتظرها والدخول في معركة غير مضمونة النتائج لاعتبارات أن سوريا لا تزال في مرحلة بناء الدولة، فتقديراً يبدو أن هذا الخيار مستبعد أقله في المرحلة الراهنة.

وإذا كانت سوريا ليست مستعجلة للحرب المباشرة، فإن السيناريو الثاني يتعلق بالخيار الدبلوماسي عبر اللجوء إلى مجلس الأمن للحصول على قرار بالاعتراف بأن الوجود الإسرائيلي في جنوب سوريا هو احتلال وليس منطقة أمنية، لكن في ظل دعم إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب اللامحدود لنتنياهو، فإن هذا المسار قد يتعرض لفيتو أميركي يسقط أي قرار للمجلس في هذا المجال، علماً أنه حتى لو نجح المجلس بإصدار قرار لمصلحة سوريا، فإن إسرائيل لن تطبقه بدليل عدم تنفيذها لكل القرارات الدولية المتعلقة بسوريا ومنها: 242 (1967)، 338 (1973)، 497 (1981)، والتي يمكن للقارئ مراجعة تفاصيلها.

أما السيناريو الثالث فيتعلق بلجوء دمشق إلى حرب استنزاف "ناعمة" تتجسد بإغماض العين عن عمليات مقاومة شعبية متفرقة تقوم بها فصائل في مناطق درعا والقنيطرة ضد دوريات الاحتلال لرفع الكلفة البشرية والاقتصادية للاحتلال، من دون أن تتبناها دمشق رسمياً، وهذا سيناريو ربما يمكن استبعاده أيضاً، خصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار ما ينطوي عليه من مخاطر تتعلق بقيام إسرائيل بعملية اجتياح أوسع للأراضي السورية، بذريعة عدم قدرة سلطة دمشق على بسط سيطرتها على كل أراضيها، وهي الحجة نفسها التي لطالما بررت إسرائيل عبرها اجتياحاتها في جنوب لبنان وغزة.

وبعيداً عن لغة الحرب، قد يبدو أن هناك سيناريو رابع أقرب إلى النجاح، وهو خيار الصفقة، إذ قد تبعث دمشق برسالة عبر الوسطاء، تنص على قبولها بالواقع الحالي مقابل التزام إسرائيل بعدم التوسع في هجماتها واحتلال المزيد من الأراضي، إلى جانب تثبيت خط وقف إطلاق النار عند الحدود التي وصل إليها الاحتلال. وهذا خيار مر لما يحمله من سياسة "إذلال" تمارسها إسرائيل، لكنه لا يلغي في الوقت نفسه، فرضية أن الرئيس الشرع ربما يرغب بكسب الوقت على أمل تغير الحكومة الإسرائيلية الحالية واستثمار الدعم الأميركي لدمشق في إحداث خرق ما يؤدي إلى تبدل مواقف إدارة ترامب.

 

رسائل لأنقرة ودمشق

في المحصلة فإن إسرائيل، من خلال تصريحات كاتس، توجه رسائلها إلى دمشق وأنقرة معاً، وهي أن هناك خطوطاً إسرائيلية حمراء في سوريا تبدأ من بوابة الجنوب، وعليه لن يتم السماح لتركيا بأن تكون اللاعب رقم واحد على الأراضي السورية، أما الهدف فليس الأمن، وإنما كسر أي مشروع إقليمي "معادِ" وفق التوصيف الإسرائيلي، وفرض "السلام بالقوة"، في تطبيق عملي للمعادلة التي أطلقها وتبناها الرئيس الأميركي دونالد ترامب. وبهذا فإن زيارة كاتس إلى جبل الشيخ وإطلاق استفزازاته هي عملياً تثبيت إسرائيل لمعادلتها الجديدة القائمة فهل انتهت "سياسة الغارات" الخاطفة وبدأت "سياسة القضم والضم"؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث