واشنطن تشدد الخناق على طهران وتترك الباب مفتوحاً أمام بكين

المدن - عرب وعالمالثلاثاء 2026/08/25
سفن صينية (Getty)
الصين تشتري 80% من نفط إيران.. وواشنطن تتجنب مواجهة مباشرة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن الحملة الاقتصادية الجديدة التي أطلقتها إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب بهدف خنق الاقتصاد الإيراني وقطع ما وصفته بـ"كل شريان متبقٍ" لطهران، تجنبت حتى الآن استهداف البنوك والشركات الصينية الكبرى بشكل مباشر، رغم أن الصين تمثل أهم منفذ اقتصادي لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها، وساعدتها على تحمل سنوات من العقوبات الأميركية.

وقالت الصحيفة إن وزير الخزانة الأميركية سكوت بيسنت أعلن، أمس الاثنين، حملة تحت اسم "عملية المنبوذ الاقتصادي"، وقدمها باعتبارها جهداً غير مسبوق لإضعاف الاقتصاد الإيراني وقطع مصادر تمويله، إلا أن خطابه لم يتضمن إجراءات مباشرة قوية ضد الصين، في مؤشر إلى المعضلة التي تواجهها واشنطن بين تشديد الضغوط على طهران وتجنب مواجهة اقتصادية جديدة مع بكين.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، تعتمد إيران بصورة كبيرة على الصين لشراء صادراتها النفطية، فيما أنشأت بكين وطهران منظومة معقدة لنقل عائدات تلك المبيعات حول العالم بعيداً عن العقوبات الأميركية. ومع ذلك، أظهرت واشنطن حتى الآن تردداً في الدخول في مواجهة مباشرة مع الصين بسبب دعمها الاقتصادي لإيران.

ونقلت الصحيفة عن الدبلوماسي الأميركي السابق والباحث في المجلس الأطلسي دانيال فريد، قوله إن "الخطاب كان شرساً، لكن الضربة كانت أقل من ذلك"، مضيفاً أن توجيه ضربة قاصمة للاقتصاد الإيراني سيتطلب على الأرجح استهداف شركات وبنوك صينية كبيرة.

 

عقوبات على أكثر من 60 كياناً

وفي إطار الحملة الجديدة الرامية إلى إنهاء الحرب مع إيران، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على أكثر من 60 كياناً، من بينها شركات صينية تقول واشنطن إنها تساعد إيران على الحصول على تقنيات مرتبطة بالبرامج النووية والصاروخية، وتحصيل عائدات النفط وتنفيذ عمليات إلكترونية.

وأوضحت الصحيفة أن الخطوة الجديدة تأتي امتداداً لأكثر من ألف عقوبة فرضتها إدارة ترامب على إيران منذ عودتها إلى السلطة العام الماضي. وإلى جانب العمليات العسكرية والحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية، أدت هذه الإجراءات إلى إلحاق أضرار بالاقتصاد الإيراني وانهيار عملته.

لكن "وول ستريت جورنال" أشارت إلى أن الضغوط الأميركية لم تنجح حتى الآن في تغيير الموقف العسكري لطهران في الشرق الأوسط أو ردعها عن السعي إلى امتلاك أسلحة نووية.

وقال بيسنت إن ترامب يجري اتصالات مع قادة دوليين لحثهم على وقف التعامل التجاري مع إيران، محذراً من أن واشنطن ستفرض قريباً عقوبات على مؤسسة مالية لم يسمها بسبب التحايل على العقوبات.

كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنها ستفرض مستقبلاً عقوبات على الدول والكيانات التي تتعامل مع إيران في خمسة قطاعات هي الأصول الرقمية والتكنولوجيا والذهب والطيران والشحن.

ونقلت الصحيفة عن المسؤولة السابقة في وزارة الخزانة كيري بيتسوف، قولها إن الوزارة صاغت الحملة بطريقة "تمنح الصين مجالاً للتكيف بهدوء"، موضحة أن هذه المقاربة تتيح لبكين تغيير سلوكها من دون استهداف بنوكها مباشرة.

 

الصين تواصل استيراد النفط الإيراني

ووفق الصحيفة، فرضت الولايات المتحدة منذ اندلاع الحرب مع إيران عقوبات على ناقلات نفط وبنية تحتية نفطية صينية، إلا أن ذلك لم يمنع بكين من مواصلة شراء النفط الإيراني.

ورغم أن الحصار الأميركي حدّ أخيراً من صادرات إيران النفطية، استوردت الصين أكثر من 500 ألف برميل يومياً من النفط الإيراني منذ بداية آب/أغسطس الجاري، بحسب بيانات شركة "كبلر" التي أوردتها الصحيفة.

وتتم نسبة كبيرة من هذه التجارة عبر منظومة معقدة تشمل عمليات نقل النفط الإيراني من سفينة إلى أخرى، إذ يُنقل في كثير من الأحيان من ناقلات خاضعة للعقوبات إلى ناقلات غير مدرجة على قوائم العقوبات، قبل أن تتجه الشحنات إلى الصين.

وترى "وول ستريت جورنال" أن مدى اقتناع البنوك والمصافي الصينية بجدية تهديدات بيسنت سيكون عاملاً حاسماً في تحديد فاعلية الحملة الجديدة، خصوصاً أن ترامب جعل تحسين العلاقات مع الصين إحدى أولوياته بعد الحرب التجارية الكبيرة بين البلدين العام الماضي.

وكانت بكين قد ردت حينها باستخدام أدوات ضغط قوية، من بينها تقييد الوصول إلى المعادن الأرضية النادرة، وهو ما ألحق أضراراً بالمصنعين الأميركيين.

 

بكين تلوّح بالرد

وجددت الصين، اليوم الثلاثاء، رفضها لما تصفه بالعقوبات الأميركية "الأحادية وغير القانونية وغير المعقولة". ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، قوله إن الحرب الاقتصادية لن تؤدي سوى إلى تصعيد التوترات وقد تسبب اضطراباً في الاقتصاد العالمي، مؤكداً أن الصين "ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة لحماية حقوقها ومصالحها بحزم".

وقال الباحث في مجلس العلاقات الخارجية إدوارد فيشمان إن احتمال الرد الصيني بات "تهديداً حقيقياً"، معتبراً أنه يمثل عاملاً جديداً في ديناميكيات العلاقات الأميركية الصينية منذ العام الماضي.

وتأتي هذه الحسابات في وقت يسعى فيه ترامب إلى الحفاظ على مسار التقارب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وذكرت الصحيفة أن ترامب زار شي في بكين في أيار/مايو الماضي، فيما يُتوقع أن يزور الرئيس الصيني واشنطن الشهر المقبل لعقد قمة متابعة.

 

الصين تشتري معظم صادرات النفط الإيرانية

ورغم مساعي البيت الأبيض لتحسين العلاقات مع بكين، تقول واشنطن إن الصين تلعب دوراً أساسياً في تقويض جهود عزل إيران اقتصادياً. وبحسب مسؤولين أميركيين نقلت عنهم "وول ستريت جورنال"، تشتري الصين أكثر من 80% من صادرات النفط الإيراني، فيما تستخدم شركات واجهة إيرانية بنوكاً صينية لشراء بضائع من الصين وتحريك الأموال عبر مكاتب صرافة إلى الشرق الأوسط وإيران.

كما دفع عزل إيران المتزايد عن الدولار الأميركي طهران إلى الاعتماد بصورة أكبر على العملة الصينية، اليوان، في تجارتها الخارجية، وهو ما ساهم في تخفيف تأثير العقوبات الأميركية عليها.

وقالت الصحيفة إن مساعي واشنطن باتت تشبه لعبة مطاردة مستمرة، إذ تفرض وزارة الخزانة عقوبات على شركات صغيرة وشركات واجهة في هونغ كونغ والصين والإمارات وتركيا، قبل أن تظهر جهات أخرى لتحل محلها في تسهيل مبيعات النفط الإيراني وحركة الأموال والواردات من الصين إلى الشرق الأوسط.

 

واشنطن تتجنب البنوك الصينية الكبرى

وفي أحدث الإجراءات، فرضت واشنطن، الاثنين، عقوبات على ناقلة نفط مملوكة لجهة صينية قالت إنها نقلت ملايين البراميل من النفط الإيراني إلى الصين خلال العام الجاري، إلى جانب شركات وأفراد في الصين وهونغ كونغ اتهمتهم بمساعدة إيران على الحصول على سلع حساسة، من بينها أجهزة ملاحة تستخدم في الصواريخ.

لكن الإدارة الأميركية لم تستهدف، وفق الصحيفة، أياً من البنوك أو الشركات الصينية البارزة الأكثر ارتباطاً واعتماداً على النظام المالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة.

وخلال المؤتمر الصحافي الذي أعلن فيه العقوبات، سُئل بيسنت مرتين عما إذا كانت الإدارة تعتزم تشديد العقوبات على البنوك والشركات الصينية، فرد قائلاً إن "على كل دولة وكل كيان أن يكون مستعداً لمواجهة العقوبات الأميركية"، مؤكداً أن "لا أحد فوق ذلك".

وكان بيسنت قد قال إن حملة الضغط الجديدة تهدف إلى تهيئة الظروف لانهيار النظام في إيران، ووصف المبادرة أيضاً بأنها "يوم الإنزال الاقتصادي"، في تشبيه بعملية إنزال الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية.

لكن الباحث في منظمة "متحدون ضد إيران النووية" تشارلي براون، اعتبر أن الإجراءات المعلنة "لا تقترب من مستوى الضجة" التي رافقتها، فيما تدعو المنظمة إلى فرض عقوبات إضافية على البنوك في الصين ودول أخرى التي تسهل شراء النفط الإيراني.

ورأت "وول ستريت جورنال" أن واشنطن قد تراهن على أن تدفع التهديدات الحالية الصين إلى ممارسة مزيد من الضغوط على إيران من دون الوصول إلى مواجهة مباشرة بين أكبر اقتصادين في العالم.

وقالت بيتسوف إن هذا النوع من الضغط يمكن أن ينجح، وإنها شاهدته في بعض الحالات يكون أكثر فاعلية من فرض العقوبات نفسها، لكنها أضافت أن الاختبار الحقيقي للحملة الأميركية سيأتي على الأرجح بعد القمة المرتقبة بين ترامب وشي جين بينغ.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث