العراق يعيد آلاف سجناء "داعش" الأجانب.. والسوريون في الواجهة

خاص - المدنالثلاثاء 2026/08/25
سجون داعش (Getty).Jpg
3245 سجيناً سورياً في العراق (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بدأ العراق إجراءات قانونية ودبلوماسية لإعادة نحو 6 آلاف سجين أجنبي إلى بلدانهم، لاستكمال مدد الأحكام الصادرة بحقهم، بالتنسيق مع بعثات دبلوماسية تمثل 61 دولة، فيما استُثني المحكومون بالإعدام من عمليات النقل.

ويشكّل السوريون غالبية هؤلاء السجناء، وبينهم عدد كبير من المعتقلين الذين نُقلوا من سجون قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي سوريا إلى العراق، على خلفية اتهامهم بالانتماء إلى تنظيم "داعش".

وتأتي الخطوة العراقية بالتزامن مع اتفاق سوري-عراقي على تشكيل فرق قضائية متخصّصة لمتابعة أوضاع السجناء السوريين وتبادل المعلومات والوثائق المتعلقة بملفاتهم، بما يمهّد لبدء ترتيبات إعادتهم إلى سوريا.

 

سجون الحسكة والقامشلي في الواجهة

أفاد مصدر خاص لـِ "المدن" أنه ستتم إعادة السجناء السوريين إلى مراكز الاحتجاز الموجودة في الحسكة والقامشلي، باعتبارها الأكثر خبرة بملف معتقلي "داعش" وبالبنية القائمة أصلاً لاستقبالهم وحراستهم.

ويأتي ذلك في إطار الترتيبات الجديدة التي يفترض أن تعمل بموجبها قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية بعد اندماجها مع الحكومة، بحيث تنتقل إدارة ملف السجون تدريجياً إلى إطار أمني وقضائي سوري، مع استمرار الاستفادة من الخبرات والدعم الفني الذي يوفره التحالف الدولي في مجال مكافحة الإرهاب وتأمين مراكز الاحتجاز.

وتضم منطقة الحسكة والقامشلي عدداً من السجون التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بملف معتقلي "داعش"، أبرزها سجن الصناعة في حي غويران، والسجن الأسود وسجن المحكمة في المالكية، وسجن علايا وسجن عمبارة وسجن جركين في القامشلي، وسجن الصناعة وسجن غويران في الحسكة.

ومن شأن إبقاء السجناء في هذه المنطقة، مع تولي قوات قسد المندمجة ضمن الهيكل الأمني للدولة مسؤولية الحراسة بالتنسيق مع الأجهزة الحكومية، أن يضع ترتيبات دمج القوات الكردية أمام اختبار عملي.

 

3245 سجيناً سورياً

كما أفاد مصدر خاص لـِ "المدن" أنه ستتم إسناد مهمة حراسة السجناء في الحسكة والقامشلي إلى قوات قسد (HAT - YAT)، بعد اندماجها ضمن مؤسسات الدولة السورية، وهذا ما قد يشكل اختباراً عملياً للاتفاق بين دمشق والقوات الكردية.

فملف معتقلي "داعش" يحتاج إلى قوات مدربة على إدارة السجون والتعامل مع المعتقلين المصنفين على درجة عالية من الخطورة، كما يحتاج إلى تنسيق استخباراتي وأمني مع التحالف الدولي.

وفي الوقت نفسه، فإن دمج قسد في مؤسسات الدولة يفترض ألا يؤدي إلى بقاء السجون خارج الإطار السيادي للحكومة السورية. ولذلك ستكون الصيغة الأكثر حساسية هي كيفية الجمع بين الخبرة الأمنية التي تمتلكها قسد وسلطة الدولة القانونية والقضائية على السجون والمعتقلين.

وهذا يعني أن وجود عناصر قسد في عملية الحراسة ينبغي أن يكون ضمن هيكلية الدولة السورية وليس باعتبارها قوة منفصلة تدير السجون بصورة مستقلة.

ويبلغ عدد السجناء السوريين في العراق نحو 3245 سجيناً، من أصل قرابة 5700 سجين نُقلوا من سجون قسد إلى العراق، وينتمون إلى أكثر من 40 دولة.

ويضم العدد الإجمالي نحو 900 سجين من دول أوروبا وآسيا وأستراليا، بينهم 27 سجيناً ألمانياً، و13 أسترالياً، و10 هولنديين، و9 بريطانيين، و4 سويديين، و3 فرنسيين.

وتكتسب قضية السوريين أهمية خاصة بالنسبة إلى بغداد، باعتبارهم المجموعة الأكبر بين السجناء الأجانب، فيما تشكل عملية إعادتهم إلى سوريا جزءاً من مسار أوسع لتقليص أعداد المعتقلين الأجانب الموجودين في السجون العراقية.

 

لماذا الآن؟

لا يمكن فصل التحرك العراقي عن التطورات الأمنية والعسكرية المتسارعة في المنطقة، وفي مقدمتها الاستعداد للانسحاب الأميركي من العراق.

ومع تراجع الوجود العسكري الأميركي، ستجد القوات العراقية وقوات البيشمركة نفسها أمام مسؤوليات أكبر في مكافحة تنظيم "داعش" وتأمين السجون التي تضم آلاف المتهمين بالانتماء إليه.

وتخشى أطراف عراقية وكردية من أن يؤدي أي فراغ أمني إلى استغلاله من جانب التنظيم لإعادة ترتيب صفوفه، ولا سيما أن "داعش" ما يزال يمتلك خلايا نشطة في المنطقة السورية-العراقية.

 

دمشق أمام استحقاق جديد

من المرجح أن توافق الحكومة السورية على استعادة مواطنيها المحتجزين في العراق، خصوصاً مع الضغوط الأميركية والدولية المتزايدة لإغلاق ملف المعتقلين الأجانب وإعادتهم إلى دولهم.

لكن عودة هؤلاء إلى سوريا لن تعني انتهاء القضية. فعلى دمشق أن تتولى مسؤولية احتجازهم ومحاكمتهم وتنفيذ الأحكام بحقهم، إضافة إلى تأمين السجون ومنع أي محاولة للفرار أو تحرير المعتقلين بالقوة.

وتكتسب المسألة حساسية أكبر في ظل استمرار عملية إعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية السورية، ومحاولات فرض السيطرة الأمنية على مختلف المناطق.

كما أن بعض المعتقلين أمضوا سنوات طويلة في السجون، ما يعني أن جزءاً منهم قد يكون اقترب من إتمام مدد العقوبات التي قد تصدر بحقهم، بينما قد يواجه آخرون أحكاماً طويلة أو مؤبدة، وفقاً لملفاتهم القضائية.

 

خطر "داعش" لا ينتهي بالنقل

يمثل نقل السجناء من العراق إلى سوريا تحدياً إضافياً لتنظيم "داعش" أيضاً. فقد يحاول التنظيم استثمار عملية النقل أو إعادة الاعتقال لتنفيذ هجمات تستهدف السجون بهدف تحرير عناصره، خصوصاً إذا جرى تجميع أعداد كبيرة منهم في مراكز احتجاز محددة.

ولهذا، فإن اختيار الحسكة والقامشلي كمركزين رئيسيين لاستقبال العائدين يحتاج إلى ترتيبات أمنية مشددة، وتوزيع مدروس للمعتقلين، ومنع تركيز جميع الشخصيات القيادية أو شديدة الخطورة في منشأة واحدة.

كما يتطلب الأمر تعزيز التعاون بين الأجهزة السورية وقسد والتحالف الدولي، خصوصاً في مجال تبادل المعلومات عن هوية المعتقلين وشبكاتهم وصلاتهم المحتملة بخلايا التنظيم الموجودة خارج السجون.

 

ملف يتجاوز السجون

إعادة السجناء السوريين من العراق ليست مجرد عملية نقل قانونية. فهي ترتبط بمستقبل مكافحة "داعش"، وبالانسحاب الأميركي من العراق، وبإعادة ترتيب العلاقة بين دمشق وقسد.

العراق يريد تخفيف العبء الأمني والقضائي الناجم عن وجود آلاف السجناء الأجانب، فيما تضغط الولايات المتحدة باتجاه إعادة كل دولة لمواطنيها، بينما ستتحمل دمشق المسؤولية النهائية عن مواطنيها.

يمكن أن يشكل ملف السجون في الحسكة والقامشلي اختباراً حقيقياً لعملية اندماج قسد في مؤسسات الدولة السورية. فإذا جرى دمج قواتها فعلياً ضمن المؤسسات الأمنية الرسمية، مع بقاء المسؤولية القضائية والسيادية بيد دمشق، فقد يتحول ملف معتقلي "داعش" من مصدر للتوتر إلى أحد مجالات التعاون بين الطرفين.

وفي ظل الترتيبات الجديدة، تبدو الحسكة والقامشلي مرشحتين لتكونا الوجهة الأساسية لهؤلاء المعتقلين، تحت إدارة أمنية يفترض أن تجمع بين خبرة قسد ومرجعية الدولة السورية، وبالتنسيق مع التحالف الدولي لمنع عودة ملف السجون إلى نقطة تهديد جديدة للأمن السوري والإقليمي.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث