زمن الأذلّاء: لماذا تعبث إيران بأعصاب ترامب؟

رأيطهران - مجيد مراديالاثنين 2026/08/24
إيران طهران (Getty)
مذكرة إسلام آباد منحت إيران امتيازات واسعة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

بعد أربعين يوماً من اندلاع الحرب الأخيرة التي شنتها أميركا وإسرائيل على إيران، تمكنت طهران من إخراج نفسها من تحت وطأة الهجوم العنيف الذي شنّه جيشان عظيمان، وذلك بقبولها الجلوس إلى طاولة المفاوضات مع واشنطن في إسلام آباد. كان وقف إطلاق النار وتجنيب البلاد المزيد من ويلات الدمار نعمة كبرى، بل فرصة ذهبية، ليس فقط لإطفاء حماسة المعتدين وشحذ أسلحتهم، بل أيضاً لإعادة ترتيب البيت الداخلي على المستويات العسكرية والسياسية والتنظيمية. وقد أسفرت مفاوضات إسلام آباد عن مذكرة تفاهم منحت إيران امتيازات تجاوزت كل التوقعات، لدرجة أن مراقبين مستقلين، وحتى معارضين إيرانيين في الخارج، فضلاً عن جمهوريين أميركيين، أجمعوا على أن هذه المذكرة كانت أحادية الجانب في مصلحة طهران.

 

تعزيز للثقة بالنفس

غير أن هذه الامتيازات، وبدلاً من أن تدفع إيران نحو تعزيز المكتسبات عبر اتفاق دائم، ولّدت لديها شعوراً بالغرور، ورسخت اعتقاداً بأن بإمكانها الحصول على المزيد. واستغل المتشددون في النظام، دون اكتراث بنصوص المذكرة، حالة الانقسام داخل الإدارة الأميركية حول شرعية الحرب التي شنّها ترامب، وضعف حلفاء واشنطن في الخليج، وأزمة الطاقة العالمية المرتبطة بمضيق هرمز، ليشرعوا في لعبة خطيرة: النكاية بترامب واستفزازه ليس فقط للحصول على مزيد من الامتيازات، بل للتفريغ النفسي وتعويض خمسة عقود من الحصار والإذلال والرفض، وآخرها حربان مدمرتان.

لم تكن واقعة استهداف ثلاث ناقلات نفط قبالة سواحل هرمز الجنوبية، المتزامنة مع زيارة ترامب إلى تركيا لحضور قمة حلف شمال الأطلسي، وتهديدات غير رسمية من مصادر إيرانية باغتياله، والتي أرغمته على تغيير مسار طائرته، مجرد محاولة لتعديل مضمون المذكرة أو إعادة تفسيرها. بل كانت رسالة أعمق، تهدف إلى إحراج الرئيس الأميركي وإذلاله، انتقاماً منه على اغتيال قادة إيران، وعلى ما اعتبرته طهران إهانة ممنهجة طيلة عقود. هنا نجد أنفسنا أمام مفهوم "الإذلال" في العلاقات الدولية كأداة لفهم السلوك الإيراني، وهذا ما يقودنا إلى المفكر الفرنسي من أصل إيراني، برتران بديع الذي التقيت به في بيروت قبل عقد من الزمن وتحدثت معه بالفارسية وتأكدت أنه لم يتفصل عن جذوره الإيرانية.

 

ظاهرة الإذلال في العلاقات الدولية

في كتابه "زمن المذلولين: باثولوجيا العلاقات الدولية"، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ضمن سلسلة "ترجمان"، يقدم بديع تشخيصاً عميقاً للخلل في علاقات الدول، مرجعاً إياه إلى ممارسة القوى الغربية إذلال شعوب العالم الثالث، التي تسعى اليوم، بوعي متزايد، إلى إعادة توازن القوى وإقامة نظام دولي جديد قائم على العدالة.

يرى بديع أن الإذلال ليس مجرد انفعال نفسي، بل "باثولوجيا اجتماعية" أصبحت مبدأً منظماً للعلاقات الدولية. فالدول الصاعدة في آسيا وأميركا اللاتينية، التي تذوقت مرارة القهر، تجد في هذا الإحساس المشترك أرضية للتحالف والتنسيق. وقد بات الضعيف في العالم يدرك أنه قادر على التأثير في المعادلات الكبرى، وأن الإرهاب والصراعات المعاصرة إنما تنبع من شعور بالإهانة. لم تعد الحرب، كما في الماضي، هزيمة فردية لقائد في ساحة المعركة، بل هي هزيمة لأمة وشعب، يعي تماماً موقعه ومكانته.

 

أبعاد الإذلال ومخاطره

يقسم بديع كتابه إلى ثلاثة أقسام: الأول لتاريخ الإذلال، والثاني لتمظهراته في بنية النظام الدولي، والثالث لتداعياته الخطيرة. ويرى أن الشأن الدولي بات اجتماعياً بامتياز، وأن نظام "ويستفاليا" الذي قام على التنافس بين متساوين قد انتهى، ليحل محله نظام قائم على عدم المساواة، حيث الإذلال هو الظاهرة الاجتماعية المهيمنة. ويسلط الضوء على أربعة نماذج للإذلال: الانتقاص، وإنكار المساواة، والإقصاء، والوصم.

ومن الطبيعي أن يطبق المؤلف، كونه إيرانياً من الأصل، تلك النماذج على إيران. فعندما يتحدث بديع عن الإذلال بواسطة الإقصاء؛ أي عدم القبول بالآخر كندّ، مما يعني إقصاءه الموضوعي والذاتي، يتطرق إلى إيران قائلاً: ومن ذلك جاءت تصنيفات إقصائية، تضع الدول الأقل قدرة في تصنيف "دول العالم الثالث"، وذلك مثل الإقصاء الذي يُمارس ضد إيران، بعدم السماح لها بالدخول في النادي النووي، بل وفرض عقوبات اقتصادية عليها، وفي المقابل تمّ الصفح عن الهند، رغم رفضها توقيع المعاهدة مع الولايات المتحدة، وكذلك باكستان. وأخيراً يتحدث بديع عن الإذلال بواسطة الوصم، وهو يأتي في الأنظمة غير المُهيكلة لمنع محاولات الإدماج، أكثر مما يهدف إلى انتقاص المكانة، أما في الأنظمة المُهيكلة فيُركّز على التنديد المُزري بالآخر، فيما يُميّزه، وتتجمع فيه سمات سياسية وثقافية. مثلما وصم الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش في خطاب ألقاه بتاريخ 29 كانون الثاني/ يناير 2002، العراق، وإيران، وكوريا الشمالية، بأنهم محور الشر.

 

من النظرية إلى التطبيق

إن قراءة المشهد الإيراني عبر عدسة بديع في كتابه "زمن المذلولين" تمنحنا إطاراً لفهم أسباب "العبث بأعصاب ترامب". فإيران، التي تذوقت طعم الإذلال لعقود، والتي شعرت بأن مكانتها في النظام الدولي لا ترقى إلى تاريخها وقوتها، لم تعد تسعى فقط إلى رفع العقوبات أو تأمين حاجاتها المعيشية. بل إنها تسعى إلى استعادة اعتبارها، وإثبات أن الضعف ليس قدراً محتوماً. فمذكرة إسلام آباد، بالنسبة إلى القادة الإيرانيين، كانت شهادة على أن ميزان القوى قابل للاهتزاز، وأن التحدي المباشر لواشنطن يمكن أن يدر مكاسب سياسية ونفسية. إنهم لا يلعبون لعبة السياسة فقط، بل لعبة الكرامة التي تمزج بين الواقعي والنفسي، والتي تهدف إلى إعادة تعريف مكانتهم في خريطة القوى العالمية والتعويض عن الإذلال الممنهج، حتى لو كان الثمن هو مزيد من التصعيد.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث