"البراميل المفقودة" في هرمز: أين تدفقات النفط المعلن عنها؟

المدن - عرب وعالمالاثنين 2026/08/24
هرمز (Getty)
وول ستريت جورنال: فجوة بين أرقام واشنطن وتدفقات النفط عبر هرمز (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

 

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن فجوة واسعة بين تقديرات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لكميات النفط التي تعبر مضيق هرمز، وبين الأرقام التي تستطيع شركات تتبع الناقلات وبيانات الشحن والإمدادات التحقق منها، في وقت بات فيه تحديد حجم التدفقات الفعلية عبر الممر المائي عاملاً مهماً في تقييم وضع أسواق الطاقة ومسار حرب الاستنزاف الاقتصادية بين واشنطن وطهران.

وقالت الصحيفة، في تقرير نشرته الاثنين، إن الإدارة الأميركية تؤكد أن كميات كبيرة من النفط تمر عبر مضيق هرمز، لكن الشركات المتخصصة في تتبع شحنات الطاقة لا تستطيع حتى الآن التحقق من كامل الأحجام التي تعلنها واشنطن، إذ تتراوح معظم تقديراتها بين نحو مليوني وستة ملايين برميل يومياً.

وكان وزير الطاقة الأميركي كريس رايت قد أعلن الأسبوع الماضي أن الجيش الأميركي ساعد في إخراج أكثر من 15 مليون برميل من النفط الخام والمنتجات النفطية عبر المضيق يوم الثلاثاء، مشيراً إلى أن متوسط الصادرات خلال فترة سبعة أيام تجاوز ثمانية ملايين برميل يومياً. وفي وقت سابق من آب/أغسطس، قدر رايت المتوسط لسبعة أيام بنحو تسعة ملايين برميل يومياً.

وبحسب "وول ستريت جورنال"، لا تتطابق هذه التقديرات مع بيانات شركات تتبع السفن أو الأرقام المتعلقة بكميات الخام والمشتقات التي يجري تحميلها على الناقلات داخل الخليج ثم تسليمها إلى المشترين.

 

صعوبة تعقب الناقلات

وأوضحت الصحيفة أن هناك عدة أسباب محتملة للاختلاف بين الأرقام، أبرزها عبور عدد كبير من السفن المضيق ليلاً بعد إيقاف أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، ما يجعل رصدها عبر إشارات الراديو أو صور الأقمار الصناعية أكثر صعوبة.

وأضافت أن الناقلة العملاقة يمكن أن تحمل نحو مليوني برميل، ما يعني أن عدم رصد ناقلة واحدة أو اثنتين قد يؤدي إلى اختلاف كبير في التقديرات، كما تتأثر الحسابات بالفترة الزمنية المستخدمة وبالافتراضات المتعلقة بمدى امتلاء الناقلات عند عبورها.

وكان رايت قد اعتبر أن شركات البيانات الخاصة تقلل من تقدير عدد السفن التي تعبر المضيق بصورة غير معلنة، إلا أن الصحيفة أشارت إلى استمرار فجوة واضحة بين أرقام واشنطن وما تستطيع السوق التحقق منه بصورة مستقلة.

وقال مؤسس شركة "كوموديتي كونتكست" لأبحاث أسواق النفط روري جونستون، للصحيفة، إن اللافت هو مدى تقارب أرقام شركات تتبع الناقلات المختلفة، مضيفاً أنه كان من المتوقع أن تتمكن إحدى الجهات من إيجاد طريقة للتحقق من أرقام البيت الأبيض إذا كان ذلك ممكناً، لكنه لم ير حتى الآن من نجح في ذلك.

ونقلت الصحيفة عن هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية "UKMTO"، المرتبطة بالبحرية الملكية البريطانية، قولها في تقرير خلال عطلة نهاية الأسبوع، استناداً إلى بيانات البحرية الأميركية، إن الولايات المتحدة سهلت 74 عملية عبور عبر هرمز بين الخميس والسبت، بمتوسط يقارب 25 عملية يومياً.

لكن البيانات لم تحدد عدد ناقلات النفط ضمن هذه السفن أو كميات الخام التي كانت تحملها، فيما لم ترد الهيئة ولا القيادة المركزية للقوات البحرية الأميركية على طلب الصحيفة تقديم مزيد من التفاصيل.

وقالت "UKMTO" إن حركة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز ظلت عند مستويات منخفضة، مشيرة إلى أن بيانات التتبع المستقلة أظهرت استمرار تراجع الحركة، مع تسجيل أعداد أحادية الرقم للسفن العابرة في كلا الاتجاهين.

 

الأسواق لا تظهر نقصاً حاداً في الإمدادات

ورأت "وول ستريت جورنال" أن الخلاف يعيد إلى الواجهة ظاهرة معروفة في سوق النفط باسم "البراميل المفقودة"، وهي الكميات التي تظهر في مجموعة من البيانات من دون إمكانية العثور عليها بسهولة في بيانات أخرى، مشيرة إلى أن الاختبار النهائي لمثل هذه التقديرات يحدث في السوق الفعلية، حيث يتبين في النهاية ما إذا كانت الكميات متاحة بالفعل.

وبحسب الصحيفة، لا تزال الأسواق هادئة نسبياً، إذ تدور العقود الآجلة لخام برنت حول 90 دولاراً للبرميل، وهي مستويات مرتفعة لكنها أدنى بكثير من الذروة التي بلغتها خلال الحرب، ما يشير إلى أن السوق لا تواجه حتى الآن نقصاً حاداً في الإمدادات.

وفي مرحلة سابقة من الحرب، ظهرت فجوة كبيرة بين أسعار الشحنات الفعلية وأسعار العقود الآجلة لبرنت، في مؤشر إلى ضغوط فورية على الإمدادات وتوقعات لدى المتعاملين بانتهاء الحرب سريعاً. ووفق بيانات وكالة "أرغوس ميديا" التي أوردتها الصحيفة، تقلصت هذه الفجوة من نحو 36 دولاراً للبرميل في ذروتها إلى أقل من ستة دولارات خلال الأشهر الأخيرة. كما تراجعت أسعار العقود الآجلة لخامات تخرج من الخليج، ومنها خام دبي، من نحو 160 دولاراً للبرميل في أواخر آذار/مارس إلى قرابة 97 دولاراً يوم الجمعة، بحسب "أرغوس ميديا".

وأكدت الصحيفة أن الخلاف بشأن حجم التدفقات يظل مهماً بالنسبة إلى توقعات متداولي النفط، وكذلك لتقييم موازين حرب الاستنزاف الاقتصادية بين واشنطن وطهران، والتي يشكل النفط إحدى أدواتها الرئيسية.

 

مساران أميركي وإيراني لعبور هرمز

وقالت "وول ستريت جورنال" إن البحرية الأميركية نجحت على مدى أشهر في توجيه بعض ناقلات النفط عبر مسار محمي بمحاذاة الجانب العماني من المضيق، ما أدى إلى تقليص قدرة إيران على التحكم بحركة الملاحة وخفف الضغوط عن أسواق النفط العالمية. وأضافت أن إيران ردت في تموز/يوليو بمهاجمة سفن كانت تستخدم هذا المسار، ما أدى إلى انهيار اتفاق كان يستهدف فتح الممر المائي.

وفي الوقت نفسه، تمكنت الإمارات والسعودية من تحويل ملايين البراميل يومياً بعيداً عن الحصار، عبر خطوط أنابيب تنقل النفط عبر اليابسة إلى خليج عمان أو البحر الأحمر.

ونقلت الصحيفة عن المسؤول الإيراني محسن رضائي قوله، في وقت متأخر الأحد، إن هذه المسارات ستصبح مهددة إذا واصلت الولايات المتحدة حملتها الرامية إلى خنق الاقتصاد الإيراني.

كما قال مسؤولون كويتيون وعراقيون وإماراتيون للصحيفة إن بعض الناقلات تعبر المضيق بموجب ترتيبات منفصلة مع إيران، ما يعني أن حركة الملاحة لا تجري كلها تحت الحماية الأميركية.

وبحسب شركات تتبع السفن، استخدم نحو ثلث السفن التي عبرت المضيق خلال آب/أغسطس المسار الذي تديره إيران بمحاذاة الجزء الشمالي من الممر المائي.

وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن الحرب أخرجت كميات كبيرة من الإمدادات النفطية من السوق، ما جعل أسعار النفط والاقتصاد العالمي أكثر حساسية من المعتاد لحجم الخام الذي يمكن أن يصل إلى الأسواق. وفي ظل هذا التراجع في الإمدادات، تكتسب معرفة الكميات التي تعبر هرمز فعلياً أهمية أكبر، لأن أي تغير في التدفقات يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسعار والأسواق العالمية.

 

تقديرات تتراوح بين مليوني و9.2 ملايين برميل

وأظهرت البيانات التي جمعتها "وول ستريت جورنال" تبايناً واسعاً في تقديرات التدفقات. فقد قدرت شركة "كبلر" لتتبع السفن متوسط صادرات الخام والمنتجات النفطية عبر هرمز خلال آب/أغسطس بنحو 2.3 مليون برميل يومياً، انخفاضاً من 4.9 ملايين برميل يومياً في تموز/يوليو.

وقدرت شركة "هواكس" التدفقات الحالية من الخام والمنتجات المكررة بما يتراوح بين مليوني وخمسة ملايين برميل يومياً. أما جونستون، فقد قدر متوسط عمليات العبور المؤكدة خلال أحدث فترة من سبعة أيام بنحو أربعة ملايين برميل يومياً، لكنه توقع ارتفاع الرقم لاحقاً إلى ما بين خمسة وستة ملايين برميل، بعدما تعيد السفن التي عبرت المضيق من دون تشغيل أجهزة التعريف تشغيلها ويتمكن المحللون من إعادة بناء مسارات رحلاتها.

وتقترب بيانات شركة "فورتيكسا" أكثر من أرقام الإدارة الأميركية، لكن خلال فترة زمنية قصيرة فقط. وبحسب الصحيفة، بلغ متوسط الشركة لسبعة أيام ذروة حديثة عند 9.2 ملايين برميل يومياً، في حين بقي المتوسط المتحرك لـ28 يوماً عند نحو ستة ملايين برميل يومياً.

وترى "فورتيكسا" أن المتوسط الأطول أكثر تمثيلاً للواقع لأنه يحد من تأثير القفزات والتقلبات قصيرة الأجل، وهو ما يوضح، وفق الصحيفة، مدى تغير صورة التدفقات باختلاف الفترة الزمنية المختارة للحساب.

 

ناقلات تعبر هرمز دون أجهزة التتبع

وذكرت "وول ستريت جورنال" أن أكبر عقبة تواجه شركات التتبع تتمثل في إطفاء عدد كبير من الناقلات أجهزة نظام التعريف الآلي "AIS"، الذي يبث عادة هوية السفينة وموقعها وسرعتها واتجاهها.

ومع توقف كثير من السفن عن إرسال هذه البيانات قبل عبور هرمز، يضطر المحللون إلى إعادة بناء الرحلات باستخدام صور الأقمار الصناعية وغيرها من المؤشرات.

وقالت مديرة الاستخبارات والأبحاث البحرية في "لويدز ليست إنتليجنس" بريدجيت دياكون إن عبور هذا العدد الكبير من السفن دون بث إشاراتها يجعل حساب إجمالي حركة الناقلات في الوقت الفعلي صعباً، موضحة أن المحللين ينتظرون جزئياً عودة إشارات "AIS"، إلى جانب توافر صور الأقمار الصناعية للتحقق من عمليات الإبحار عبر هرمز.

وأوضحت الصحيفة أن الأقمار الصناعية تستطيع المساعدة في تحديد السفن الموجودة في مراسي الخليج ثم رصدها في مناطق خارج المضيق حيث تجري عمليات نقل الشحنات من سفينة إلى أخرى، لكنها لا توفر سوى صور في نقاط زمنية محددة، ولا تعد مثالية لمراقبة المضيق نفسه، خصوصاً مع مرور جزء كبير من الحركة ليلاً.

كما أن اكتشاف الناقلة لا يكفي لتحديد كمية النفط التي عبرت، إذ يتعين معرفة ما إذا كانت محملة أو فارغة. فالناقلة العملاقة من طراز "VLCC" تستطيع حمل نحو مليوني برميل، لكن وجودها في المضيق لا يعني بالضرورة أنها كانت ممتلئة.

وأشارت الصحيفة إلى أن الجيش الأميركي يمتلك مصادر معلومات أوسع من الشركات التجارية، بالنظر إلى وجوده النشط في المنطقة وامتلاكه أجهزة استشعار متطورة واتصالات مباشرة مع السفن العابرة.

وقال مؤسس "هواكس" أرسينيو لونغو إنه لا يستطيع، استناداً إلى صورة السفن والشحنات المتاحة له، الوصول إلى تقدير يبلغ عشرة ملايين برميل يومياً، لكنه أقر بأن الجيش قد يكون قادراً على رصد سفن عبر الرادارات أو الطائرات أو وسائل مراقبة أخرى لا تصل إليها مصادر البيانات التجارية.

 

بيانات التحميل لا تدعم أرقام واشنطن

ولفتت "وول ستريت جورنال" إلى وسيلة أخرى للتحقق من حجم التدفقات، إذ لا يمكن للنفط عبور المضيق ما لم يُحمّل أولاً على ناقلات في مكان ما داخل الخليج، لكن بيانات التحميل بدورها لا تتطابق مع تقديرات واشنطن.

ووفق شركة "LSEG"، بلغ متوسط تحميل الخام والمنتجات النفطية داخل الخليج نحو 4.4 ملايين برميل يومياً في تموز/يوليو، مقابل نحو 1.9 مليون برميل يومياً منذ بداية آب/أغسطس.

وأظهرت بيانات الشركة أن العراق، الذي لا يمتلك مساراً رئيسياً لتجاوز هرمز، حمّل نحو 1.1 مليون برميل يومياً منذ بداية الشهر، أي أقل من ثلث مستوياته قبل الحرب، بينما بلغت تحميلات الكويت نحو 500 ألف برميل يومياً، أي نحو خُمس معدلها قبل الحرب. إلا أن مسؤولين كويتيين قالوا للصحيفة إن بلادهم تصدر كميات أكبر تبلغ نحو مليون برميل يومياً.

وخلصت "وول ستريت جورنال" إلى أن الاختبار النهائي لأرقام واشنطن يتمثل في ظهور البراميل في وجهاتها النهائية، إذ يفترض أن تظهر معظم الكميات في بيانات تفريغ النفط لدى المشترين أو الوسطاء حتى إذا اختفت الناقلات من أنظمة التتبع أثناء عبورها هرمز.

لكن الكميات التي تقول الحكومة الأميركية إنها تعبر المضيق لم تظهر بالكامل حتى الآن في بيانات واردات الدول الأخرى. ووفق بيانات "LSEG"، يبلغ متوسط كميات الخام والمنتجات المكررة القادمة من الشرق الأوسط التي جرى تفريغها أو من المقرر تفريغها في آسيا نحو 11.6 مليون برميل يومياً، وهو رقم يشمل أيضاً صادرات النفط التي جرى تحويلها عبر خطوط الأنابيب لتجاوز هرمز، وليس فقط البراميل التي عبرت المضيق تحت الحماية الأميركية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث