يبدو أن الانتخابات التشريعية المقررة أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل، ستصاحبها وستتبعها جملةٌ من التطورات وتداخل الأوراق، على نحو يُلقي بظلاله على المشهد السياسي الفلسطيني، سواء أُجريت الانتخابات أم أُلغيت تحت أي ذريعة.
فمنذ إصدار الرئيس الفلسطيني محمود عباس مرسومه بإجراء الانتخابات العامة الغائبة منذ نحو عقدين، بدأت اتصالات واجتماعات، سراً وعلانية، بين أحزاب وأطر وشخصيات سياسية داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، وفي الخارج أيضًا. ومن أبرزها النقاشات الجارية في القاهرة بين حركة "حماس" وتيار "الإصلاح" التابع للقيادي المفصول من حركة "فتح" محمد دحلان، إلى جانب حركة "الجهاد الإسلامي" والجبهتين الشعبية والديمقراطية ولجان المقاومة الشعبية، بهدف تشكيل "ائتلاف موحّد" لخوض الانتخابات المرتقبة.
نقاشات مستمرة.. بشأن الصيغ
وقال مصدر من حركة "حماس" لـِ "المدن" إنّه جرى ترسيم هذا الائتلاف المنوي تشكيله، لكن النقاشات ما زالت جارية في القاهرة لبلورة "مواقف وطنية" تشكل أساساً لانضمام الأحزاب والتيارات المعنية به، متوقعاً حسم المواقف والصيغ المتعلقة بأهداف الائتلاف وبرنامجه خلال الأيام المقبلة.
وأوضح المصدر الحمساوي أن هناك "توجها مبدئيا" لتشكيل الائتلاف، مؤكداً أن المداولات جارية لتوحيد التوجه وتقريب وجهات النظر بخصوص البرنامج السياسي وتفاصيل أخرى، على أن يُعقد اجتماع قريب لحسم القرار النهائي. لكن المصدر نفسه أقرّ لـِ "المدن" بوجود تباينات بين طرح "حماس" وتيار دحلان بشأن الرؤية السياسية، مبينا أن هناك 4 فصائل متوافقة مبدئيا إزاء الائتلاف المطلوب تشكيله، وبانتظار حسم التباينات مع باقي الفصائل والتيارات الأخرى.
في حين، أفادت مصادر سياسية مطلعة أن كل شيء في موضع "الاختبار والنقاش"، بدعوى أنَّ المشاورات حول الصيغ الخاصة بالائتلاف، ما زالت مستمرة، عدا أن النقاشات تجري أصلا على مستويين، سواء في إطار داخلي بالنسبة لكل تيار وحزب، وأيضا على مستوى جمعي يشمل الأحزاب والتيارات المعنية بالائتلاف. وأوضحت تلك المصادر لـِ "المدن" أنه حتى تيار دحلان يجري نقاشا داخليا بشأن الخيار الأكثر جدوى بالنسبة له، ما يؤشر إلى عدم حسم قراره النهائي.. فهل يخوض الانتخابات بقائمة خاصة به؟ أم ضمن "ائتلاف موسع"؟ أم كليهما؟
الشيخ وفرج في القاهرة.. للقاء الجبهة الشعبية!
وكشف مصدر من السلطة الفلسطينية أن نائب الرئيس الفلسطيني حسين الشيخ وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح ماجد فرج، سيلتقيان قادة الجبهة الشعبية في القاهرة الأحد المقبل، في ظل أنباء عن أن الجبهة لم تُعط موقفاً نهائياً بشأن انخراطها في الائتلاف الموسع. وليس واضحاً إن كان الشيخ وفرج سينجحان في إقناع الجبهة الشعبية وآخرين بعدم الانضمام لهذا الائتلاف، مع أنهما قد يلتقيان قيادة "حماس" أيضاً. في حين، قالت قيادات من عدة أحزاب يسارية فلسطينية ل"المدن"، إن تشكيل "ائتلاف عريض" مدعوم من "حماس" وتيار دحلان وأحزاب أخرى، لم يتبلور بعد، ونصحت تلك الأصوات بمحافظة القوى اليسارية على نفسها، عبر خوض الانتخابات ضمن تحالف يساري؛ محذرة من "طمس نفسها" بالانخراط في ائتلاف مع أحزاب غير منسجمة معها سياسيا وأيديولوجيا.. لكن هذا الرأي اليساري يشدد على أنه لا مانع بعد الانتخابات من تشكيل "إطار وطني شامل" لا يُقصي أحداً.
أبعد من حلف انتخابي!
وهذا الائتلاف في حال تشكيله، لا يُنظر إليه باعتباره مجرد تحالف انتخابي، بل بوصفه محاولة لتشكيل كتلة سياسية تضم الأحزاب والتيارات المجتمعة في القاهرة، في مواجهة ما توصف بهيمنة الرئيس محمود عباس على النظام السياسي، وسيطرته على مفاصل السلطة الفلسطينية ومنظمة "التحرير". وقال قيادي مقرب من عباس لـِ "المدن" إن ما يجري في القاهرة من نقاشات بشأن بلورة "ائتلاف موحد" لـِ "حماس" وتيار دحلان وفصائل أخرى، يتجاوز حدود الرغبة الذاتية بالتحالف، إلى كونه "قراراً إقليمياً" لإعادة "هندسة النظام السياسي الفلسطيني"، على حد تعبيره، في إشارة إلى دفع دول عربية باتجاه الائتلاف؛ لكسر "هيمنة" عباس على القرار الفلسطيني.
وبينما تؤكد مصادر "المدن" أن علاقة عباس مع عدة دول عربية، ليست على ما يُرام؛ بسبب عدم رضاها عن سياسته بكل ما يتصل بغزة والحوار الوطني والمصالحة مع تيار دحلان، فإن مصادر بالسلطة الفلسطينية تبرر لـِ "المدن" هذا التوتر، بأن دولا عربية تدفع باتجاه "إضعاف" الثقل السياسي للسلطة في الضفة، عبر مطالبتها بعدم حصر مركز القرار في رام الله، وفق قوله.
سيناريو إلغاء الانتخابات.. أو تأجيلها
وبدا مصدر من "فتح" يائسا من قدرة الحركة على النجاح المطلوب في الانتخابات العامة على ضوء المعطيات القائمة، قائلاً إن "فتح ليست بخير"، وأضاف المصدر الفتحاوي لـِ "المدن" أن معلومات لديه تفيد بأن عباس سيعمل على إلغاء الانتخابات أو تأجيلها، لكن مصدرا آخر من دائرة عباس ادعى أن النية تتجه لإجراء الانتخابات بكل الأحوال. وفي حال مضى الرئيس الفلسطيني نحو الانتخابات، تبرز تساؤلات بشأن مدى قدرته على المناورة حتى اللحظة الأخيرة، عبر إصداره مراسيم وقرارات مفاجئة، تضمن له "هندسة الانتخابات" على نحو يُبقي سيطرة تياره على مفاصل الأمور السياسية، خصوصا أن هناك أحاديث عن توجه لإصدار قانون الأحزاب، يقضي بمنع أي "تشكيل مسلح" من نيل ترخيص لممارسة نشاطه السياسي، عدا أن قانون الانتخابات يشترط التزام أي قائمة ببرنامج منظمة "التحرير" واتفاقاتها، ولا يُستبعد اتخاذ عباس قرارات أو تعديلات قانونية تقود إلى تقويض عمل المجلس التشريعي المنتخب، وربما جعل المجلس "الوطني" بوابة تشريعية ثانية لحسم أي شيء.
إتمام تسجيل الضفة للانتخابات
وفي حين، تتردد أنباء عن إمكانية تأجيل الانتخابات حتى مارس/آذار 2027، قال الخبير بشؤون الانتخابات طالب عوض لـِ "المدن"، إنه لا يوجد أي موقف رسمي بهذا الخصوص، مجدداً اعتقاده أن الانتخابات ستجري في كل الأحوال، حتى لو جرى تأجيلها لفترة قصيرة. وأشار عوض إلى أن لجنة الانتخابات المركزية أكملت عملية التسجيل في الضفة الغربية للانتخابات، بنسبة 87 في المئة ممن يحق لهم الاقتراع، بواقع مليون و600 ألف مواطن، فيما لم تُجرَ عملية التسجيل في غزة بسبب الظروف الاستثنائية التي خلفتها الحرب الإسرائيلية، على أن يُكتفى في القطاع بتمكين من يحق له الانتخاب، لمجرد إبراز بطاقة هويته الشخصية. ورجح خبراء الانتخابات لـِ "المدن" أن تترشح نحو 40 إلى 45 قائمة لانتخابات التشريعي المرتقبة، قد تفوز منها قربة 20 قائمة.




