"النهاية المرة". بهاتين الكلمتين اختصر محللون أكراد مصير قوات سوريا الديمقراطية (قسد) بعد إعلان قائدها مظلوم عبدي لوكالة "فرانس برس" اكتمال عملية دمجها الخميس الماضي. آلاف المقاتلين تبخروا، والنفط عاد إلى دمشق، أما الحلم الكردي بالـ "الفيدرالية" فقد جرى دفنه إلى أجل غير مسمى.
هكذا انتهت تجربة "الإدارة الذاتية" بتسليم "قسد" كل مؤسساتها المدنية والعسكرية للدولة، لتعود مؤسسات الحسكة للعمل تحت سلطة الدولة المركزية، ذلكَ بعد أشهر على اتفاق الدمج الذي باركته واشنطن ووقع في كانون الثاني 2026.
مما لا ريب فيه أن هذه النهاية جاءت بناء على مجموعة من العوامل:
أولاً، إعادة التموضع الأميركي الذي تحوّل إلى دعم الرئيس أحمد الشرع، وقد بشر بذلك المبعوث توماس باراك بإعلانه انتهاء دور "قسد" واعتبار دمشق شريكاً في الملف الأمني قبل توقيع اتفاق كانون الثاني. وتلا ذلك نقل آلاف المحتجزين من "داعش" بتنسيق وإشراف من قبل القيادة المركزية الأميركية لضمان تسليمهم إلى السلطات العراقية. أما الأهداف المعلنة فكانت تخفيف العبء عن مراكز الاحتجاز في سوريا وتسليمها للسلطات السورية، في حين كان الهدف الحقيقي انتزاع كل حجة تشرعن الوجود الأميركي لحماية القوات الكردية.
ثانياً، عامل الميدان فبعد اتفاق كانون الثاني شهدت المناطق الكردية تصعيداً عسكرياً أدى إلى انكفاء قوات الأكراد من كل المناطق العربية لتعود إلى "كانتون" الحسكة، فخسرت أراضٍ وأوراق قوة.
ثالثاً، المرسوم الرقم 13 الذي أصدره الشرع في 16 كانون الثاني 2026 واعترف بموجبه بحقوق الأكراد ولغتهم وسمح بتدريسها، إلى جانب حماية التنوع الثقافي. كذلك شمل إلغاء التدابير الاستثنائية ومنح الجنسية السورية للمستحقين من أصول كردية ومكتومي القيد. وهذا ما مكّن عبدي من الترويج لفكرة أن ما ناله الأكراد عبارة عن "مكاسب دستورية" لا هزيمة. علماً أن ما مُنح بمرسوم قد يُنزع بالطريقة نفسها إن تبدلت الأحوال وتغيرت. وهذا ما دفع الشارع الكردي إلى الانقسام بين من اعتبر الخطوة خيانة، ومن رأى فيها واقعية تقتضيها الضرورات.
رابعاً، الترحيب التركي باتفاق الدمج، إذ تبنته أنقرة واعتبرته خطوة لتفكيك تدريجي للبنى العسكرية الموازية ومكسباً يخدم مساعي الاستقرار الإقليمي، وهذا مطلب تركي قديم.
جولة صراع جديدة؟
وفق تسلسل الأحداث فقد خسر الأكراد 13 عاماً من العمل من أجل بناء "الإدارة الذاتية". لم يعد لديهم مؤسسات مدنية وعسكرية وفقدوا عامل التأثير الجغرافي، وطار حلمهم ببناء كيانهم الخاص عندما باتوا أحد مكونات الدولة المركزية.
لكن لا يزال دون استكمال بناء الدولة مسار طويل، ذلكَ أن دمج آلاف المقاتلين الأكراد في الجيش بدون مشكلات مسألة بالغة التعقيد، وهناك ما يتعلق بالطريقة التي سيتم فيها التعامل مع النفط، وأيضاً الموقف التركي، الذي وإن رحّب بالاتفاق، إلا أنه يعتبر ما تحقق هزيمة لـ PKK (حزب العمال الكردستاني)، وبالتالي قد يترتب عليه طلبات تركية لا تزال قيد الكتمان حتى اليوم.
في المقابل، فإن خلاصة الأحداث تؤكد أن الرئيس أحمد الشرع تمكن من إدارة الأزمة باستخدام الضغط العسكري والحلول الدستورية، واستثمار الدعم الأميركي من أجل الخروج بسوريا موحدة وإن على الورق. أما عبدي ففضل اختيار "النهاية المرة" على الدخول في حرب خاسرة.
هكذا اكتملت عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الدولة السورية وفق إعلان قائدها مظلوم عبدي، لتبدو كأنها سلمت المفاتيح كلها.
هذه النتيجة ربما ما كانت متوقعة حتى من قبل أكثر المتشائمين الأكراد، فقد خسرت "قسد" مقاتليها ومؤسساتها والأراضي التي كانت قد استولت عليها وكل أوراق القوة لديها. ليصبح ما حدث نسفاً لقيادة المشروع الكردي الانفصالي، وانتهاء الحالة الكردية وهو ما رأى فيه محللون أكراد بمثابة "استسلام مقنع".
راهن الأكراد على أطراف خارجية لكنها خذلتهم، وهذا ربما يكون درساً لهم في المستقبل لتكريس وجودهم كمكون أصيل وشريك داخل الدولة لا كمشروع "انفصالي"، وعليه يمكن انتظار الإجابة عن السؤال: هل "النهاية المرة" الكردية بداية الدولة الموحدة السورية، أم هدنة طويلة قبل جولة صراع جديدة؟




