منذ سقوط نظام الأسد البائد في سوريا، وسّع الاحتلال الإسرائيلي نطاق تحركاته العسكرية داخل الأراضي السورية، خصوصاً في منطقة جبل الشيخ ومحافظة القنيطرة وريف درعا الغربي، وسط انتقال تدريجي من التوغلات العسكرية إلى إنشاء مواقع وقواعد ونقاط رصد وتحصينها.
جبل الشيخ.. قمم استراتيجية تحت الاحتلال
يُعد جبل الشيخ من أبرز المناطق التي عززت فيها قوات الاحتلال وجودها العسكري. فقد سيطرت على أعلى قمتين في الجبل، وهما قمة حربون وقمة قصر عنتر، اللتان تعدان من أعلى النقاط في سوريا.
وتمنح هذه القمم الاحتلال الإسرائيلي قدرة واسعة على المراقبة والرصد، نظراً لإشرافها على مساحات واسعة من سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، إضافة إلى امتداد مجال الرؤية شرقاً نحو مناطق بعيدة وصولاً إلى تخوم القلمون الغربي ومنطقة القصير في محافظة حمص.
وتتجاوز أهمية جبل الشيخ الجانب السوري، إذ يمثل موقعاً استراتيجياً بالنسبة إلى لبنان أيضاً. فموقعه المرتفع والمشرف على مناطق واسعة من الأراضي اللبنانية يجعله نقطة متقدمة للرصد والمراقبة، ولا سيما باتجاه مناطق البقاع وسلسلة جبال لبنان الشرقية، كما يمنح السيطرة على قممه قدرة على متابعة التحركات في مساحات واسعة من الأراضي اللبنانية والسورية المتاخمة للحدود.
وأفادت مصادر لـ"المدن"، بأن الاحتلال أنشأ نحو عشرة مواقع ونقاط رصد في جبل الشيخ، تدعمها قوات عسكرية وكاميرات مراقبة حديثة ومنظومات حرارية، إلى جانب أعمال تحصين وشق طرق عسكرية على سفوح الجبل، بهدف ربط هذه المواقع ببعضها وتعزيز القدرة على الحركة والمراقبة. كما سيطر على عدد من المواقع والقطع العسكرية التي كانت تابعة لقوات النظام السوري البائد في منطقة جبل الشيخ، وحوّل بعضها إلى مواقع عسكرية جديدة.
وتزداد أهمية هذه المواقع في ظل إعلان جيش الاحتلال سابقاً، عبر معرفاته الرسمية، عن دخوله مناطق في جنوب لبنان من جهة جبل الشيخ، ما يعكس الأهمية العسكرية التي يمنحها لهذه المنطقة في عمليات الرصد والتحرك، ولا سيما في سياق المواجهة مع حزب الله.
جبل الشيخ.. بوابة على ريف دمشق ولبنان
لا تقتصر أهمية جبل الشيخ على موقعه الحدودي، إذ يشرف من الجهة السورية على مساحات واسعة من ريف دمشق الغربي، في حين يمتد تأثيره الاستراتيجي باتجاه الأراضي اللبنانية.
وتجعل الطبيعة الجبلية والارتفاع الكبير للمنطقة من قمم جبل الشيخ نقاطاً مثالية للمراقبة، بما يسمح برصد التحركات على مساحات واسعة من الحدود السورية ـ اللبنانية، الأمر الذي يفسر الأهمية التي يوليها الاحتلال الإسرائيلي لهذه المنطقة، ومحاولته تعزيز وجوده العسكري فيها.
وخلال الفترة الماضية، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي في عدد من قرى جبل الشيخ، ولا سيما القرى الدرزية، ومن أبرزها قلعة جندل وقرية الريمة.
بيت جن.. توغلات واشتباكات مع الأهالي
برزت بلدة بيت جن كإحدى أبرز المناطق التي تعرضت لتوغلات الاحتلال الإسرائيلي.
ففي 12 حزيران/يونيو 2025، دخلت القوات الإسرائيلية البلدة للمرة الأولى في عملية مداهمة، أطلقت خلالها النار، ما أدى إلى مقتل شخص واعتقال آخر، قبل أن تطلق قنابل مضيئة وصوتية وتنسحب باتجاه الجولان السوري المحتل.
وفي 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، عاد الاحتلال الإسرائيلي إلى المنطقة بقوة عسكرية كبيرة، بالتزامن مع تحليق مكثف للطيران المروحي والاستطلاعي. وخلال العملية، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي خمسة أشخاص، فيما أدى القصف والاشتباكات التي اندلعت مع الأهالي إلى مقتل 15 مدنياً، وفق المعلومات المحلية المتداولة.
وشهدت المنطقة مواجهات مباشرة بين الأهالي وقوات إسرائيلية، تمكن خلالها الأهالي من صد القوة المتوغلة ودفعها إلى الانسحاب من المنطقة.
تلول الحمر وباط الوردة.. تمدد الاحتلال
انطلاقاً من الجولان السوري المحتل، تحركت قوات إسرائيلية باتجاه منطقة تلول الحمر، التي استحدث فيها الاحتلال قاعدة عسكرية بعد سقوط نظام الأسد البائد، ضمن شبكة من القواعد والنقاط العسكرية التي أقامها في المنطقة.
وتكتسب تلول الحمر أهمية استراتيجية لوقوعها على المحور الذي يربط بين بيت جن وحضر، فيما تشكل تلة باط الوردة إحدى النقاط المهمة على هذا المحور.
وتبعد تلة باط الوردة، بخط مستقيم، نحو 500 متر عن بلدة بيت جن، ونحو 1200 متر عن مزرعة بيت جن، ما يجعلها نقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى سكان المنطقة، في ظل تكرار توغلات الاحتلال الإسرائيلي إليها.
وفي أحدث تحركاتها، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى باط الوردة للمرة الثالثة، ونفذت عمليات استطلاع ومراقبة استمرت لساعات، قبل أن تنسحب باتجاه قاعدة تلول الحمر الشمالية.
بين التوسع العسكري وغياب الاتفاق الأمني
وتشير هذه التحركات المتكررة إلى أن نشاط جيش الاحتلال في الجنوب السوري لا يقتصر على التوغلات المؤقتة، بل يترافق مع إنشاء قواعد ونقاط رصد وتحصينات وشق طرق عسكرية، في مؤشر على سعيه إلى تعزيز وجوده العسكري في مناطق ذات أهمية استراتيجية.
وفي المقابل، لا تزال المفاوضات السورية ـ الإسرائيلية بشأن التوصل إلى اتفاق أمني تواجه تعقيدات، في ظل تمسك الاحتلال الإسرائيلي بمواقفه الرافضة للانسحاب الكامل من المناطق التي سيطر عليها بعد سقوط نظام الأسد البائد، بينما تطالب سوريا بإنهاء الوجود العسكري الإسرائيلي والعودة إلى الترتيبات الأمنية التي تضمن سيادة الأراضي السورية.
ومن قمم جبل الشيخ، ذات الأهمية الاستراتيجية لسوريا ولبنان، إلى تلول الحمر وباط الوردة وبيت جن، يواصل الاحتلال الإسرائيلي تعزيز انتشاره في الجنوب السوري، في وقت تواجه فيه القرى والبلدات القريبة من الجولان السوري المحتل واقعاً عسكرياً جديداً، مع استمرار التوغلات وعمليات الرصد والتحصين.




