جاءت الضربة الإسرائيلية على مطار ابو الظهور العسكري في ريف إدلب لتكرّس سوريا كساحة رخوة للتنافس الإقليمي بين إسرائيل وتركيا، بعدما كانت لنحو عقد ونصف العقد ساحة للتنافس مع إيران، قبل سقوط مشروع الأخيرة في المنطقة عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد، وما تبعه من تحولات جيوسياسية متسارعة بعد أحداث السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
والثلاثاء الماضي، شنّ الجيش الإسرائيلي غارات على مطار أبو الظهور العسكري في محافظة إدلب، على بعد 70 كيلومتراً شرق الحدود التركية، في تطور لافت جاء عقب تقارير تحدثت عن زيارة وفد عسكري تركي إلى المطار بهدف إعادة تأهيله.
تصعيد وتحذيرات إسرائيلية
وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في تصريحات، أمس الأربعاء، إن إسرائيل "لن تتسامح" مع وجود عسكري تركي في سوريا يهدد أمنها. وأضاف "أوضحنا أننا لن نتسامح مع وجود عسكري تركي بسوريا، ويبدو أنهم لم يسمعونا جيداً، فحرصنا على أن يفهموا بشكل أفضل"، في إشارة ضمنية لمسؤولية تل أبيب عن الهجوم.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية عن مصدر أمني أن إسرائيل أطلعت الولايات المتحدة على محاولات تركية للتمركز في قاعدة سوريّة، معتبرةً ذلك خرقاً للتفاهمات وللوضع القائم. وأوضح المصدر أنه بعد تعثّر الاتصالات وقبل وصول قوات تركية إلى المكان، هاجمت إسرائيل القاعدة التي بدأت فيها أعمال ترميم مؤخراً، في حين نفت تركيا هذه المزاعم.
تصدير الأزمات
ورأى الخبير في العلاقات السورية-الإسرائيلية خالد خليل، أنه لا يمكن قراءة الضربات الأخيرة بمعزل عن التحولات الجيوسياسية المتسارعة بعد زوال المشروع الإيراني، وما تلاه من تشكل تكتلات وأحلاف أمنية جديدة في المنطقة.
وأضاف خليل في تصريحات لـ"المدن"، أن الخطير فيما يحدث هو رغبة إسرائيل في إعادة إنتاج قواعد اللعبة السابقة عبر التعامل مع سوريا كساحة رخوة ورقعة لتصفية الصراع مع تركيا، بعد أن كانت لذلك لنحو عقد ونصف مع إيران، موضحاً أن الهجوم يحمل دلالات ذات سياق إقليمي أكثر من كونه مشكلة أمنية بين سوريا وإسرائيل، بالنظر إلى موقع الهدف في أقصى الشمال السوري.
وأشار إلى أن إسرائيل تحاول التذرع بوجود نفوذ لتركيا في سوريا، في حين أن أنقرة باعتبارها عضواً بارزاً في حلف الناتو ومهندساً للأمن الإقليمي لا تملك مشروعاً أيديولوجياً عابراً للحدود كما كان الحال بالنسبة لإيران.
ولفت خليل إلى أن التصعيد الأخير يتجاوز كون حدثاً أمنياً محدوداً ليصبح مؤشراً خطيراً على سعي تل أبيب لتصدير أزماتها الداخلية وفرض قواعد لعبة قديمة على جغرافيا أعلنت خروجها التام من منطق "الصراعات والمحاور". وأوضح أن الائتلاف الحاكم في تل أبيب يعيش حالة من التخبط الأمني والاستراتيجي منذ أحداث السابع من أكتوبر، حيث يحاول نتنياهو توظيف "الشغب العسكري" كأداة لإطالة عمره السياسي وشدّ العصب الداخلي، خصوصاً مع احتدام السباق نحو الانتخابات في إسرائيل.
"حلف مكة"
اختارت دمشق وبشكل علني بعد سقوط نظام الأسد سياسة الابتعاد عن المحاور الإقليمية، ودخلت مع إسرائيل في مفاوضات مباشرة للتوصل إلى اتفاق أمني يعيد إحياء اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والتي أعلن نتنياهو موتها بعد سقوط النظام المخلوع في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، بالتزامن مع شن مئات الغارات الجوية لتدمير سلاح الجو السوري، ولا سيما الدفاعات الجوية والطائرات الحربية.
وحاولت إسرائيل الإبقاء على الوضع الراهن في سوريا من خلال قصف قواعد عسكرية جوية سورية وسط وشمالي البلاد في آذار/مارس ونيسان/أبريل 2025، حيث كُشف لاحقاً أن تركيا عاينت قواعد سورية ضمن ترتيبات دفاعية محتملة مع دمشق، وذلك في إطار تعاون عسكري يشمل تدريب أنقرة للجيش السوري وإعادة بناء قدراته، بما فيها الدفاع الجوي.
من جانبه، قال الباحث السياسي فراس علاوي إن الغارات على أبو الظهور كانت رسالة موجهة بالدرجة الأول إلى تركيا، مفادها أن إسرائيل لن تسمح بإنشاء قوة عسكرية سورية نوعية قد تهددها مستقبلاً، موضحاً أن المطار شهد قبل الهجوم تدريبات تركية للقوات الجوية السورية.
وأضاف علاوي لـ"المدن"، أن الضربة على القاعدة الجوية تُعد اختباراً لجدية أنقرة في التعامل مع تل أبيب، خصوصاً بعد توقيع "اتفاقية مكة"، للوقوف على مدى نفاذ هذا الاتفاق وهل سوريا طرف فيه أم لا.
و"اتفاقية مكة" للدفاع المشترك، هو حلف أمني وعسكري بين السعودية وتركيا وباكستان، أبصر النور قبل أيام، بعد تحولات المنطقة الأخيرة.
ولفت علاوي في ختام حديثه، إلى وجود رسالة أخرى مفادها أنه في حال حدوث أي تصعيد بين إسرائيل وتركيا، فإن الأراضي السورية ستكون ساحة المواجهة والاختبار الرئيسية لهذا الصراع.




