لم يعد انتقال أوكرانيا من استهداف مصافي النفط الروسية إلى منشآت الغاز الطبيعي المسال، احتمالاً نظرياً فقط. فقد أعلنت كييف في 26 حزيران/ يونيو الماضي، حملة تستمر أربعين يوماً لضرب أهداف مرتبطة بقدرة روسيا على تمويل الحرب. كما تقول إن تطوير طائراتها المسيّرة أتاح لها الوصول إلى مواقع تبعد نحو ثلاثة آلاف كيلومتر. وإذا صحت هذه التقديرات، فإن منشآت الغاز الروسية في بحر البلطيق والقطب الشمالي أصبحت ضمن نطاق الضربات، ولو بدرجات متفاوتة.
أهداف متفاوتة ومخاطر غير متساوية
يبقى السيناريو الأكثر ترجيحاً استهداف مصنعي بورتوفايا وكريوغاز فيسوتسك في منطقة لينينغراد. فالمنشأتان قريبتان نسبيا من أوكرانيا، وطاقة كل منهما محدودة، كما أنهما خاضعتان للعقوبات الغربية. لذلك تستطيع كييف إلحاق خسائر اقتصادية بموسكو وإظهار اتساع قدراتها من دون إحداث نقص كبير في الإمدادات الأوروبية.
يمكن تقدير احتمال محاولة ضرب إحدى المنشأتين بنحو 40 إلى 50% إذا استمرت الحملة الأوكرانية، مع بقاء تقدير كهذا سياسياً لا استخباراتياً. أما "أركتيك إن جي-2"، فاحتمال استهدافه أقل، ربما بين 20 و30%، بسبب بعده وصعوبة اختراق دفاعاته. ومع ذلك، فإن ضربه لن يهز السوق وحده، إذ يعمل المشروع بأقل من طاقته، وتذهب شحناته المحدودة أساساً إلى الصين.
الخيار الأخطر هو حقل "يامال إل إن جي"، الذي تبلغ طاقته التصميمية 17.4 مليون طن سنوياً، لكنه أنتج في بعض الأعوام أكثر من ذلك. استورد الاتحاد الأوروبي منه نحو 9.97 ملايين طن خلال النصف الأول من 2026، بزيادة 16% سنوياً. ومن ثم يمكن اعتبار احتمال مهاجمته منخفضاً، في حدود 10 إلى 15% حالياً، لكنه شديد التأثير إذا تحقق.
هرمز يحول ضربة يامال إلى صدمة عالمية
تكمن الخطورة في تزامن أي ضربة ليامال مع تعطل صادرات الخليج. فمضيق هرمز هو الطريق البحري الوحيد للغاز القطري وممر مهم لصادرات الإمارات. ولم تسجل بيانات الشحن مرور ناقلات للغاز عبره منذ 11 تموز/ يوليو الماضي، بعدما كانت صادرات قطر قد هبطت في حزيران إلى نحو خُمس مستوياتها السابقة للأزمة.
وكان تعطل قطر قد حجب قرابة 20% من إمدادات الغاز المسال العالمية، ودفع أسعار الغاز والكهرباء الأوروبية إلى الارتفاع. فإذا خرج يامال أيضاً من الخدمة لأسابيع، فلن تكون المشكلة غياب الغاز الروسي وحده، بل فقدان مصدرين كبيرين في الوقت نفسه.
عندئذ ستتنافس أوروبا والصين واليابان وكوريا الجنوبية على الشحنات الأميركية والأفريقية والأسترالية. والنتيجة الأكثر احتمالاً، بنسبة قد تتجاوز 70%، هي أزمة أسعار عالمية، ارتفاع أسعار الغاز الفورية والكهرباء والأسمدة، وتضرر الصناعات الأوروبية كثيفة الاستهلاك. أما تحولها إلى نقص مادي واسع في الإمدادات، فاحتماله أقل، ربما 30 إلى 40%، وسيتوقف على مدة إغلاق هرمز، وحالة المخزونات، وقدرة المنتجين الآخرين على زيادة الصادرات. وستكون الدول الآسيوية محدودة الدخل الأكثر عرضة لانقطاع الإمدادات، لأنها قد تعجز عن منافسة المشترين الأوروبيين.
أي السيناريوهات أكثر ترجيحاً؟
سياسياً، لا تزال أوكرانيا بحاجة إلى تجنب خسارة دعم حلفائها. والاتحاد الأوروبي، رغم قراره حظر واردات الغاز الروسي بعقود طويلة الأجل اعتباراً من تموز/ يناير 2027، ما زال يعتمد على يامال خلال المرحلة الانتقالية. ولذلك قد تعارض العواصم الأوروبية أي عملية استهداف أوكرانية لحقل يامال تهدد أمنها قبل الشتاء.
الأرجح أن تواصل كييف استهداف النفط، أو تضرب منشآت غاز صغيرة ومعاقبة، مع إبقاء يامال خارج قائمة الأهداف مؤقتاً. لكن هذا الضبط قد يتغير إذا تصاعدت الحرب أو تراجع الدعم الغربي أو رأت أوكرانيا أن عائدات الغاز أصبحت أكثر أهمية لموسكو. حينها يمكن لضربة واحدة، بالتزامن مع استمرار إغلاق هرمز، أن تنقل السوق من ارتفاع حاد في الأسعار إلى أزمة إمدادات عالمية حقيقية.




