يعمل الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تأمين لقاء جديد مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، في محاولة لإحياء الدبلوماسية المباشرة بينهما وإقناع بيونغ يانغ بالتخلي عن برنامجها النووي، بالتزامن مع توجيهه بتقليص المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، في خطوة أثارت مخاوف بشأن مستقبل التحالف بين واشنطن وسيول، وفق ما أوردت صحيفتا "وول ستريت جورنال" و"نيويورك تايمز".
ونقلت صحيفة "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين أميركيين أن ترامب يدفع باتجاه إجراء محادثات مباشرة مع كيم في أقرب وقت ممكن في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، عندما يُتوقع أن يسافر الزعيم الكوري الشمالي إلى قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ "أبيك" في مدينة شنتشن الصينية.
وبحسب المسؤولين، يأمل ترامب في تحقيق إنجاز كبير في السياسة الخارجية، في وقت لا تزال فيه حربه مع إيران عالقة من دون تحقيق اختراق حاسم. ومع ذلك، لم تُعلن حتى الآن أي خطط رسمية لعقد لقاء بين ترامب وكيم. وحذر المسؤولون من أن التوصل إلى صفقة سيئة مع بيونغ يانغ قد يضر بعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها، وفي مقدمتهم كوريا الجنوبية التي تسعى إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة.
وقال مسؤول أميركي لـ"وول ستريت جورنال"، إن ترامب وكيم "سيلتقيان في الوقت المناسب".
وقال المسؤول السابق الرفيع في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، والذي عمل في الملف الكوري، بروس كلينغر، لـ"وول ستريت جورنال"، إن هذه السياسة "تسترضي ديكتاتوراً مستبداً آخر بناءً على تصور خاطئ مفاده أن العلاقة الشخصية ستحقق بالفعل أهداف السياسة الخارجية الأميركية".
تقليص المناورات مع كوريا الجنوبية
وتزامنت التحركات نحو عقد لقاء جديد مع كيم مع إعلان ترامب هذا الأسبوع تقليص خطط المناورات العسكرية الأميركية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مبرراً قراره بارتفاع تكلفتها وبأنها تهدد علاقته "الجيدة جداً" مع الزعيم الكوري الشمالي.
وقال ترامب، في منشور على منصته "تروث سوشال"، إنه استناداً إلى علاقته الجيدة جداً مع كيم جونغ أون، فإنه "ليس سعيداً" بموافقة الولايات المتحدة منذ فترة طويلة على المشاركة في مناورات عسكرية مشتركة مع كوريا الجنوبية. وأضاف أن هذه التدريبات "ليست مكلفة فحسب"، في ظل تحمل الولايات المتحدة جزءاً كبيراً من تكاليفها، بل إنها، بحسب تعبيره، ترسل "إشارة غير لائقة وعدائية تماماً" إلى كوريا الشمالية، التي وصفها بأنها كانت خلال فترة رئاسته "غير مهددة ومحترمة".
وقال ترامب إنه نظراً إلى أن الوقت أصبح متأخراً لإلغاء التدريبات، أصدر تعليماته إلى وزير الحرب بيت هيغسيث بـ"تقليص المناورات العسكرية المشتركة بشكل كبير". وربط ترامب في المنشور نفسه الملف الكوري بالحرب مع إيران، قائلاً إنه سأل رئيس كوريا الجنوبية أخيراً عما إذا كانت بلاده ترغب في الانضمام إلى الولايات المتحدة في "نزع السلاح النووي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية"، وإن الرد الكوري الجنوبي كان: "لا، شكراً".
ضغوط جديدة على تحالف واشنطن وسيول
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن توجيهات ترامب جاءت بالتزامن مع بدء المناورات الصيفية الأميركية الكورية الجنوبية الاثنين الماضي، رغم أن القوات العسكرية في البلدين تعتبر التدريبات السنوية أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل التغيرات الأمنية التي تشهدها المنطقة.
وبحسب الصحيفة، ازدادت المخاطر مع اكتساب كوريا الشمالية خبرة ميدانية في استخدام الطائرات المسيّرة وأساليب الحرب الحديثة، نتيجة إرسالها قوات لدعم روسيا في حربها ضد أوكرانيا. واعتبرت "نيويورك تايمز" أن انتقاد ترامب للمناورات يمثل ضربة جديدة للتحالف القائم منذ نحو سبعة عقود بين واشنطن وسول، والذي يتعرض بالفعل لضغوط كبيرة في ظل الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على الصادرات الكورية الجنوبية.
وأشارت الصحيفة إلى أن دبلوماسية ترامب القائمة على المصالح أثارت استياءً في كوريا الجنوبية أيضاً، خصوصاً عندما بدا أنه يدفع السعودية باتجاه تخصيب اليورانيوم على أراضيها، وهو حق تطالب سول منذ فترة طويلة بالحصول عليه. ولفتت "نيويورك تايمز" إلى أن كوريا الشمالية لم تكتف خلال السنوات الأخيرة بتوسيع ترسانتها النووية، وإنما هددت مراراً باستخدامها ضد كوريا الجنوبية، ووصفت جارتها بأنها "عدو شديد العداء"، بالتوازي مع إبرام كيم معاهدة دفاع مشترك مع موسكو وإرسال قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا.
سول تؤكد استمرار المناورات
من جهتها، أعلنت وزارة الدفاع الكورية الجنوبية أن المناورات، المصممة لاختبار جاهزية سول لمواجهة حرب الطائرات المسيّرة والهجمات الإلكترونية وغيرها من أشكال الحرب الحديثة، ستجري كما هو مخطط لها. وبحسب "نيويورك تايمز"، صُممت مناورات "درع الحرية أولتشي"، التي تستمر 11 يوماً هذا الصيف، للتكيف مع التحولات في البيئة الأمنية ودمج الدروس المستفادة من الصراعات الأخيرة، بما فيها الحرب في أوكرانيا.
ونقلت الصحيفة عن الفريق جوزيف إي. هيلبرت، من الجيش الثامن الأميركي، قوله إن التدريبات ستختبر كذلك "قدرة التحالف على نشر القوة القتالية بسرعة وتأمين الأراضي الرئيسية داخل سلسلة الجزر الأولى"، وهي سلسلة جزر طويلة في المحيط الهادئ تعتبرها القوات الأميركية حدوداً استراتيجية في مواجهة المطالبات الإقليمية الصينية.
وقالت وزارة الخارجية الكورية الجنوبية، وفق "نيويورك تايمز"، إنها ستواصل التنسيق مع الولايات المتحدة بشأن التدريبات العسكرية المشتركة وكذلك بشأن إيران.
ونقلت وكالة "فرانس برس" عن الحكومة الكورية الجنوبية، قولها إنها تتابع عن كثب رسالة ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، وتأمل في أن تؤدي العلاقة الودية بين قائدي الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إلى "حوار هادف".
وفي المقابل، وصف المتحدث باسم حزب قوة الشعب المعارض في كوريا الجنوبية، تشوي إيون سيوك، قرار ترامب "الأحادي" بأنه "كارثة أمنية".
مخاوف من إضعاف التحالف
وذكرت "نيويورك تايمز" أنه رغم تأكيد حكومة كوريا الجنوبية بدء التدريبات في موعدها، فإن المؤسسة الدفاعية في البلاد شعرت بقلق بالغ، في ظل تصاعد المخاوف من تراجع قوة التحالف مع الولايات المتحدة.
ونقلت الصحيفة عن المحلل في معهد دراسات الشرق الأقصى في سول، لي بيونغ تشول، قوله إن المحافظين في كوريا الجنوبية، على وجه الخصوص، قد يرون أن التحالف "سيتحول إلى كيان ميت"، ويفقد إلى حد كبير أهدافه الاستراتيجية التقليدية وطاقته السياسية في عهد ترامب. كما نقلت عن نائبة مدير معهد سياسات جمعية آسيا، إيما شانليت-أيفري، قولها إن وصف ترامب لكوريا الشمالية بأنها "غير مهددة ومحترمة" يثير قلق الحلفاء الذين شاهدوا بيونغ يانغ تطور قدراتها الصاروخية والنووية باستمرار، بالتزامن مع حصولها على داعم إضافي يتمثل في روسيا نتيجة مساندتها موسكو في حرب أوكرانيا.
وفي المقابل، أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن توجه ترامب نحو بيونغ يانغ لا يواجه رفضاً كاملاً من الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، الذي يدعم المصالحة بين الكوريتين، وسبق أن حثّ ترامب على خفض التوتر في شبه الجزيرة الكورية من خلال إجراء محادثات مباشرة مع كيم. ولطالما اعتبرت كوريا الشمالية المناورات العسكرية المشتركة بين واشنطن وسيول عقبة رئيسية أمام هذه الجهود، ووصفتها بأنها "بروفة لحرب عدوانية"، وفق الصحيفة.
ثلاث قمم سابقة لم توقف البرنامج النووي
وعقد ترامب خلال ولايته الأولى ثلاث قمم مع كيم، كان أبرزها لقاء سنغافورة عام 2018، قبل أن يلتقيا مجدداً في فيتنام عام 2019، ثم في المنطقة المنزوعة السلاح بين الكوريتين في العام نفسه.
وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن ترامب ألغى أو قلّص خلال ولايته الأولى مناورات عسكرية رئيسية بصورة أحادية، بعدما وصفها بأنها "باهظة التكلفة للغاية" و"استفزازية جداً"، وساهم ذلك في تسهيل عقد القمم الثلاث مع كيم، إلا أن الدبلوماسية المباشرة بينهما لم تنجح في كبح الطموحات النووية لكوريا الشمالية.
ومنذ عودته إلى البيت الأبيض، أظهر ترامب رغبته في استئناف دبلوماسيته الشخصية مع كيم. ونشر خلال عطلة نهاية الأسبوع صورة تجمعهما عند الحدود بين الكوريتين عام 2019، وقال إنه رغم "المظهر غير الودي" في الصورة، فإن هناك العديد من الصور التي يظهران فيها مبتسمين، مضيفاً: "أنا وكيم جونغ أون على وفاق تام!".
كيم يرفض نزع السلاح النووي
وكان الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ قد حذر ترامب العام الماضي من أن الترسانة النووية لكوريا الشمالية تضاعفت أكثر من مرتين خلال السنوات الأخيرة، مشيراً إلى أن بيونغ يانغ أصبحت على بعد خطوة واحدة من استكمال تقنية إعادة دخول الصواريخ الباليستية العابرة للقارات إلى الغلاف الجوي، بما قد يجعلها قريباً قادرة على ضرب البر الرئيسي للولايات المتحدة. وقال: "إنهم الآن على بُعد خطوة واحدة من إكمال تقنية إعادة دخول الصواريخ الباليستية العابرة للقارات، وقد يصبحون قريباً قادرين على ضرب البر الرئيسي للولايات المتحدة. يجب ألا نسمح بتفاقم الوضع".
وبعد أسابيع، أعلن كيم أن تخلي كوريا الشمالية عن أسلحتها النووية "مستحيل قطعاً"، رغم تأكيده أنه يحتفظ بـ"ذكريات طيبة" عن ترامب وأنه منفتح على عقد لقاء جديد معه وجهاً لوجه. وقال كيم: "دعوني أؤكد بشكل قاطع: نزع السلاح النووي مستحيل تماماً بالنسبة لنا. حتى لو رددت الولايات المتحدة وحلفاؤها شعار نزع السلاح النووي لعشر أو عشرين أو حتى خمسين أو مئة عام، فإن حقيقة امتلاك كوريا الشمالية للأسلحة النووية ستبقى على حالها".
وبحسب "نيويورك تايمز"، تواجه أي جولة ثانية من دبلوماسية ترامب وكيم عقبات أكبر بكثير من تلك التي واجهتها المحادثات عام 2018، إذ أصبحت كوريا الشمالية حالياً دولة نووية بحكم الأمر الواقع، كما تتمتع بدعم اقتصادي ونفوذ دبلوماسي توفرهما موسكو وبكين. وأشارت الصحيفة إلى أن كيم ربط استئناف المحادثات مع واشنطن بتخليها عن إصرارها على نزع السلاح النووي من كوريا الشمالية.




