ليست الطفلة هند رجب ولا الـ15 مسعفاً، أوائل ضحايا جيش الاحتلال الإسرائيلي. في الذاكرة الفلسطينية والعربية ثمة الكثير من المجازر التي ارتكبت منذ العام 1948 حتى يومنا هذا. لكن ما يجعل مأساة هند أمراً مختلفاً هو تحولها إلى قضية رأي عام عالمي، عندما رويت قصتها في فيلم عابر للحدود، لم تتمكن آلة الدعاية الإسرائيلية من طمسه أو الحد من تأثيراته.
ما يلفت الانتباه في عودة قضية هند رجب والمسعفين إلى الواجهة، هو إعلان جيش الاحتلال الإسرائيلي فتح "تحقيق" (آلية تقصي الحقائق) أخيراً بعد فترة زمنية طويلة، على تورط قواته في مجزرتين الأولى (هند رجب في كانون الثاني 2024) والثانية (المسعفون في آذار 2025) بقطاع غزة، يضيفه إلى سجل تحقيقاته التي انتهت بالتبرير للقاتل على حساب المقتول، مواصلاً بذلك نهجاً قديماً وهو "مسح الدماء عن أيدي جنوده أمام العالم بعدما انفضحت جرائمه بالصوت والصورة".
إعلان مثير للسخرية
هذا الإعلان بحد ذاته يثير السخرية، فالقاتل لن يحاسب نفسه، ليشبه بذلك "الحرامي الذي يسرق منزله"، وبالتالي فإن النتيجة ستكون معروفة سلفاً: لا شبهة ولا إدانة ولا عقاب. ذلك ما تقول به حكايات سابقة نسجها الاحتلال وفصّلها على مقاسه، والتي خلصت غالباً إلى أن الجيش لا يتحمل المسؤولية التي كانت تُرمى على الضحايا أنفسهم. وهذا الأمر تؤكده شهادة متحدث منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية، الذي قال لـ"رويترز" أخيراً، إن "أي إدانات لا تتم تقريباً مقارنة بعدد الشكاوى المقدمة ضد الجنود والقادة الذين يرتكبون مخالفات... أما الأحكام فمخففة بشكل مثير للسخرية مقارنة بجسامة الجريمة".
ما يبدو واضحاً هو أن الجيش الإسرائيلي يسعى لإيجاد غطاء قانوني لعمليات القتل الممنهجة بحق الفلسطينيين. ومن الأدلة على ذلك ما يتعلق بقضية مقتل 7 من موظفي الإغاثة التابعين لمؤسسة المطبخ المركزي العالمي (World Central Kitchen) في نيسان/أبريل 2024 في قطاع غزة، فقد أعلن الجيش أنه "لا توجد شبهة معقولة بارتكاب مخالفة جنائية تبرر فتح تحقيق جنائي في الحادث"، علماً أن كل الإشارات كانت توضح طبيعة عمل الضحايا الذين كانوا يتنقلون بسيارات عليها شعارات ظاهرة وحركتهم تتم بالتنسيق مع الجانب الإسرائيلي، غير أن الاحتلال برر فعلته بذريعة "الواقع العملياتي البالغ التعقيد" وهذه الجملة السحرية التي يمسح بها كل جريمة يرتكبها.
إسرائيل وتخدير الرأي العام العالمي
نفس السيناريو يتكرر. الفرق فقط بالأسماء والتواريخ. في قضية هند رجب، مئات الطلقات على سيارة مدنية، وحصار لطفلة استمر لـ3 ساعات وقد سمع العالم توسلاتها واستغاثتها، وعندما تم إرسال الإسعاف لإنقاذها جرى استهدافه أيضاً لتبلغ مدة الانتظار 12 يوماً حتى تم انتشال الجثامين. وفي ما يتعلق بالمسعفين قتل ودفن في الرمال مع الشارات التي تظهر طبيعة عملهم، فإذا لم تكن كل هذه جرائم قتل عمد فما هو القتل العمد إذاً؟ لكن كالعادة فإن الحجة الإسرائيلية الجاهزة هي تبرير القتل بحجة التوتر فيصبح ارتكاب المجازر ضغط عمل، لا أكثر.
هذه الجرائم الموثقة المرتكبة بدم بارد، وانتقال قضية هند إلى العالمية بعد صدور الفيلم وتداول التسجيلات الصوتية، وانتشاره في المهرجانات في أكثر من عاصمة، جعل إسرائيل تحت ضغط دولي غير مسبوق، ما دفعها إلى التفكير بأمر ما من أجل تخدير الرأي العام العالمي، فكان التحقيق بمثابة فقاعة ترمى للإعلام الغربي ليتناوله من جانب "شفافية" إسرائيل بالتعامل مع جرائم جنودها.
نهاية بلا إدانات
لكن ما هو منتظر لا يبشر بالخير. ذلك أن التوقعات تشير إلى أن الملف قد يُغلق بعد سنة أو أقل أو أكثر بلا نتيجة لاعتبارات "عدم كفاية الأدلة"، وهذا ما أكدته منظمات حقوقية إسرائيلية: "لا إدانات تتم" كلما تعلق الأمر بعناصر الجيش الإسرائيلي. ذلك أنه منذ عقود إلى اليوم فإن أقل من 1% من مئات الشكاوى والتحقيقات العسكرية الداخلية المتعلقة بتورط جنود إسرائيليين في قتل أو إيذاء فلسطينيين تنتهي بتقديم لوائح اتهام، النسبة تحديداً 0.87% فقط وفق بيانات "يش دين" للفترة 2017-2021.
لا تعدو المسرحية الإسرائيلية كونها فضيحة كشفها التوقيت، فإسرائيل لا تسعى إلى الحقيقة، بل هي توثق إفلاتها من العقاب، فآلية تقصي الحقائق تهدف أساساً إلى تبييض جرائم الحرب، فقد قتل جنودها هند وهي تستنجد، ودفنوا المسعفين في مقبرة جماعية، والآن تخرج إسرائيل لتقول للعالم: "نحن دولة قانون"، أما الحقيقة المرة فتتمثل بأنها تريد توجيه رسالة واضحة للعالم: من حقنا أن نقتل، ونحقق... ونخرج أبرياء، لتغسل بذلك الدماء، ليس بالماء، بل بحبر بيانات التحقيقات الزائفة.




