كشفت صحيفة "إسرائيل اليوم" أن كميات من اليورانيوم ومواد أخرى مرتبطة بالمشروع النووي السري الذي عمل عليه نظام بشار الأسد قبل نحو عقدين، باتت تحت سلطة الحكومة السورية الجديدة، بعدما كانت جزءاً من مشروع قالت الصحيفة إن إيران مولته بأكثر من مليار دولار، فيما وفّرت كوريا الشمالية المعدات والمواد والخبرات اللازمة لبناء مفاعل ومنشأة لإنتاج البلوتونيوم، قبل أن تدمر إسرائيل المشروع في غارة جوية عام 2007.
وقالت الصحيفة إن الكشف عن احتفاظ دمشق بالمواد المتبقية من المشروع يعيد إلى الواجهة محاولة نظام الأسد امتلاك قدرة نووية عسكرية، مشيرة إلى أن سوريا لم تعلن رسمياً في أي وقت نيتها تطوير برنامج نووي عسكري، كما لم يكن اقتصادها المنغلق والمنهك قادراً، بحسب التقديرات، على تحمل تكاليف إنشاء برنامج نووي متكامل.
ووفق "إسرائيل اليوم"، بحثت طهران ودمشق عن صيغة تتيح لنظام الأسد الحصول على عدد محدود من القنابل النووية، بما يوفر له قدرة ردع تحول دون تدخل إسرائيلي واسع في سوريا.
علماء كوريون شماليون
وذكرت "إسرائيل اليوم" أن فنيين وعلماء كوريين شماليين وصلوا إلى موقع المشروع في محافظة دير الزور ذات الكثافة السكانية المنخفضة، وعملوا هناك في ظروف غير مسبوقة من السرية. وبحسب تقارير استندت إليها الصحيفة، مُنع استخدام أي اتصالات خلوية أو لاسلكية داخل الموقع، فيما كانت إدارة المجمع وتوجيه العاملين فيه تتم عبر رسائل مكتوبة تصل من بيونغ يانغ وطهران ودمشق وتنقل باليد حصراً.
لكن هذه الإجراءات، وفق الصحيفة، لم تمنع اكتشاف المشروع قبل فترة قصيرة من أن يصبح جاهزاً للعمل. وقالت إن مداهمة للموقع، يُعتقد أن وحدة كوماندوز نفذتها في بداية صيف عام 2007، مهدت للغارة الجوية الإسرائيلية التي جاءت لاحقاً.
ونفذت إسرائيل في 6 أيلول/سبتمبر 2007، عملية أطلقت عليها اسم "خارج الصندوق"، ودمرت خلالها المنشأة. وأشارت الصحيفة إلى أن وسائل إعلام غربية تحدثت في البداية عن استهداف مخزون أسلحة مخصص لـ"حزب الله"، وتناقلت معلومات عن "حفرة ضخمة في الصحراء" خلفها الهجوم، قبل أن يتضح لاحقاً أن الهدف كان المشروع النووي السوري.
ونقلت الصحيفة عن تقرير سابق لـ"نيويورك تايمز"، أن السلطات السورية دفنت بقايا المنشأة المدمرة تحت مئات الأطنان من التراب، بهدف الحد من التلوث النووي والحيلولة دون اكتشاف طبيعة المنشأة، إضافة إلى الحفاظ على ما تبقى من المواد في الموقع تحسباً لإمكان استخدامها مستقبلاً.
ونقلت عن مؤسس ورئيس معهد العلوم والأمن الدولي في واشنطن والخبير في الأسلحة النووية، ديفيد أولبرايت، قوله إن المفاعل السوري كان من المفترض أن يحتوي على نحو 50 طناً من معدن اليورانيوم الطبيعي. وأضاف أن هناك أدلة على أن سوريا عملت كذلك على إنشاء منشأة لفصل البلوتونيوم عن الوقود النووي المشع الذي كان سينتجه المفاعل، مشيراً إلى أن إسرائيل دمرته عندما كان قريباً من الاكتمال.
غروسي يعثر على اليورانيوم والغرافيت
وقالت "إسرائيل اليوم" إن تقديرات أولبرايت تتقاطع مع النتائج التي أعلنها المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي أمس، بعد وصول مفتشي الوكالة إلى منشأة في دمشق تحتوي على كمية كبيرة من اليورانيوم الطبيعي يُرجح ارتباطها بالمشروع النووي السابق. وأضافت الصحيفة أن غروسي زار منشأة أخرى تضم كمية كبيرة من الغرافيت، وهي مادة تستخدم في المفاعلات النووية، ويُعتقد أن كوريا الشمالية زودت سوريا بها خلال عهد الأسد.
ومع إقرارها بتعاون دمشق الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رأى كاتب تقرير "يسرائيل هيوم" أن السلطات السورية قد لا تسارع إلى التخلي عن المواد التي آلت إليها من برنامج النظام السابق.
المواد ستخضع لإشراف الوكالة
وفي السياق، ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن سوريا اتخذت خطوة كبيرة نحو كشف تفاصيل برنامجها النووي السابق، بعدما سمحت لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالتحقق من مواد نووية يُعتقد أنها ظلت مخزنة في البلاد طوال عقدين على الأقل.
وبحسب الصحيفة، قاد غروسي، أمس، فريقاً للتحقق من وجود معدن اليورانيوم في موقع كشفت عنه دمشق الشهر الماضي، فيما وافقت القيادة السورية الجديدة على وضع المواد تحت إشراف الوكالة مستقبلاً. ويُستخدم معدن اليورانيوم وقوداً في المفاعلات النووية، كما يمكن أن يشكل مادة أساسية في برامج الأسلحة النووية.
وأوضحت "وول ستريت جورنال" أن المفاعل الذي ساعدت كوريا الشمالية سوريا سراً في بنائه خلال السنوات الأولى من حكم بشار الأسد كان مفاعلاً مبرداً بالغاز ومهدّأ بالغرافيت، ويُعتقد أنه صُمم على غرار مفاعل يونغبيون الكوري الشمالي. وأشارت إلى أن المفاعل، المعروف باسم "الكبر"، كان لا يزال قيد الإنشاء عند تدميره. وأضافت أن واشنطن كشفت معلومات بشأن الهجوم الإسرائيلي في عام 2008، بينما لم تؤكد إسرائيل مسؤوليتها عنه إلا بعد سنوات.
وقالت الصحيفة إنه لم يتضح حتى الآن ما إذا كان معدن اليورانيوم الطبيعي الذي تحقق منه المفتشون هذا الأسبوع قد جاء من كوريا الشمالية، مشيرة إلى أن سوريا حصلت أيضاً على كميات كبيرة من الغرافيت اللازم للحفاظ على استقرار التفاعلات النووية داخل المفاعل.
وفي بيان مشترك مع الحكومة السورية، وصفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية زيارة غروسي بأنها "أهم تقدم حتى الآن" في التعاون بين دمشق والوكالة. كما شملت الزيارة موقع المفاعل في شرق سوريا، حيث تجري أعمال حفر.
واشنطن ساعدت الوكالة
ونقلت "وول ستريت جورنال" عن شخص مطلع على المناقشات، أن واشنطن شاركت في مساعدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية في الوصول إلى الموقع الذي كُشف عنه أخيراً. وقال مسؤول أميركي للصحيفة إن الرئيس دونالد ترامب ملتزم بدعم سوريا "مستقرة وموحدة وسلمية لا تشكل أي تهديد لجيرانها"، مضيفاً "نجري مناقشات مستمرة مع الحكومة السورية وسنواصل العمل معها ومع الوكالة الدولية للطاقة الذرية لحل جميع القضايا العالقة في الملف النووي الذي ورثته من نظام الأسد".
وأشارت الصحيفة إلى أن نظام الأسد، الذي أطيح به أواخر عام 2024، ظلّ ينفي انخراطه في أنشطة مرتبطة بالأسلحة النووية، ورفض الإجابة عن الأسئلة التي طرحتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي المقابل، تعهد الرئيس السوري أحمد الشرع، بعد توليه السلطة، بالتعاون مع الوكالة لتوضيح طبيعة الأنشطة النووية السورية السابقة، ضمن مساعي حكومته للحصول على دعم الولايات المتحدة والدول الغربية.
أسئلة عالقة بشأن البلوتونيوم
وبحسب "وول ستريت جورنال"، لا تزال أسئلة عديدة من دون إجابات بشأن الحجم الحقيقي للبرنامج النووي السوري السابق، وفي مقدمتها مدى نجاح نظام الأسد في بناء دورة محلية لوقود اليورانيوم، أي القدرة على تحويل "الكعكة الصفراء" إلى معدن يورانيوم يمكن استخدامه في المفاعل. كما لا يزال من غير الواضح مدى تقدم النظام السابق في إنشاء قدرة على فصل البلوتونيوم وتحويله إلى شكل قابل للاستخدام في سلاح نووي، وهي عملية لطالما اشتبه خبراء في أن كوريا الشمالية ساعدت دمشق على تطويرها.
وأعلن مسؤولون سوريون، وفق الصحيفة، أن المواد النووية ستبقى داخل البلاد، وإن كانت تحت مراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما أثار نقاشاً بين الخبراء بشأن المخاطر المحتملة.
وقال أولبرايت لـ"وول ستريت جورنال" إن إزالة المواد تمثل الخيار المفضل في بلد غير مستقر، بهدف منع إساءة استخدامها مستقبلاً سواء من جانب حكومة جديدة أو في حال استيلاء جماعة مسلحة عليها.
في المقابل، قال مايكل سينغ، الذي تولى ملف القضية النووية السورية في مجلس الأمن القومي خلال إدارة الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، إن إبقاء المواد تحت التفتيش والحماية قد يمثل مخاطرة تستحق القبول إذا ساعد ذلك على ترسيخ تعاون سوري مستقبلي مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
تصفية إرث أسلحة الدمار الشامل
وربطت "وول ستريت جورنال" معالجة الملف النووي بالجهود الرامية إلى تصفية إرث أسلحة الدمار الشامل الذي خلفه نظام الأسد، مشيرة إلى أن أنشطة النظام في هذا المجال تعود إلى عقود، منذ عهد حافظ الأسد. وذكرت الصحيفة باستخدام نظام الأسد الأسلحة الكيماوية خلال الحرب التي أعقبت انتفاضة عام 2011، بما في ذلك هجوم بغاز السارين عام 2013 قدرت الولايات المتحدة أنه أدى إلى مقتل أكثر من 1400 شخص، إضافة إلى استخدام غاز الكلور خلال سنوات الحرب.
وفي أواخر عام 2025، أنشأت منظمة حظر الأسلحة الكيماوية وجوداً جديداً لها في سوريا للمساعدة في تحديد مواقع مخزونات النظام السابق والعمل على تدميرها. وأشارت "وول ستريت جورنال" إلى أن حكومة الشرع حظيت بدعم إدارة ترامب، بلغ ذروته بزيارة الرئيس السوري إلى البيت الأبيض أواخر العام الماضي ورفع جميع العقوبات تقريباً عن دمشق.
ونقلت الصحيفة عن الباحث البارز ومدير مبادرة سوريا في معهد الشرق الأوسط في واشنطن، تشارلز ليستر، قوله إن الحكومة السورية الجديدة تبدو مصممة على "محو الماضي" وإعادة ترسيخ موقعها بصورة إيجابية في ما يتعلق بالإرث الذي خلفته المغامرات النووية السابقة لنظام الأسد.




