قصرة الكاشفة.. الانتخابات الفلسطينية والعزلة الإسرائيلية

ماجد عزامالثلاثاء 2026/08/18
جنود إسرائيليون في بلدة قصرة (Getty).Jpg
قصرة تكشف أزمة إسرائيلية تتجاوز المستوطنين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

قصرة الكاشفة؛ هذا هو العنوان والتوصيف الدقيق للأحداث والتطورات في البلدة الفلسطينية التي يحاصر فيها المستوطنون ثلاثة منازل في حي مرتفع واستراتيجي فيها لأكثر من أسبوع، بهدف تهجيرهم والاستيلاء على ممتلكاتهم، دون أن يستطيع الجيش الإسرائيلي، أو لا يريد، إبعادهم من البلدة الفلسطينية التي يواجه أهلها الاحتلال والمستوطنين بمقاومة شعبية عنيدة، ولكن دون أي دعم أو تنظيم ومأسسة لها على المستوى الوطني العام، بينما تنشغل الفصائل والطبقة السياسية والحزبية بالانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة، وتخوض حوارات سرية وعلنية للتنسيق والتفاهم، رغم التباعد والاقتتال والانقسام فيما بينها لسنوات بل لعقود، من أجل ضمان حصتها وحضورها في السلطة التي أفرغها الاحتلال من محتواها الوطني، قاطعاً الطريق على القيام بمسؤولياتها كجسر نحو الاستقلال وتقرير المصير.

أما إسرائيلياً، فتبدو قصرة تعبيراً عن توحش وهمجية الدولة العبرية ومغادرتها مربع التحضر والتنوير المزعوم، وعجزها حتى عن نزع سلاح المستوطنين واحتكاره، رغم رفعها هذا العنوان البارز لتبرير العدوانية والتوسع في غزة والضفة وفلسطين ولبنان وسوريا والمنطقة بشكل عام، بينما تكبر عزلتها الدولية يوماً بعد يوم في بيئتها الحاضنة بالغرب وأوروبا كما أميركا نفسها، ولا يقتصر الأمر على الساحة السياسية والحزبية والإعلامية بواشنطن، وإنما وصل إلى داخل البيت الأبيض، حيث لا تفهم الإدارة كيف تعجز الدولة العبرية التي تدعي تفوقها العسكري الهائل عن مواجهة انتهاكات المستوطنين وممارساتهم الإرهابية والبلطجية، حسب تعبير بل إقرار أحد أهم داعمي إسرائيل، السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي.

 

قصرة والمقاومة الشعبية

إذن، بعد قرية تل جنوب غرب محافظة نابلس، ها هي قصرة "جنوب شرق" تكشف المشهد في فلسطين المحتلة، ربما بشكل صادم ومؤلم أكثر، حيث الصمود الشعبي المتفرق غير المنظم، ولكن العنيد والمثابر، والطبقة الفصائلية "السياسية" منشغلة بشؤونها الخاصة ومنفصلة ومعزولة عن هموم وواقع الناس بمواجهة بطش وقهر وإجرام الاحتلال، بينما من جهة أخرى ترفع قصرة القناع عن وجه الدولة العبرية وعلى كل المستويات والأبعاد الداخلية والدولية.

قصرة، بضم القاف وسكون الصاد وفتح الراء، بلدة صغيرة تقاوم الاحتلال والاستيطان لأيام وأسابيع وشهور، وبنظرة للوراء لسنوات وعقود، في سياق مقاومة شعبية عنيدة ومثابرة لم تتوقف يوماً طوال هذه المدة.

في الأسبوع الأخير تتعرض بعض بيوت قصرة، في حي رأس العين المطل والمرتفع، لحصار من المستوطنين للاستيلاء على الحي كله، بدعم وتواطؤ جيش الاحتلال، ودون نصرة من المحيط القريب والبعيد، حيث تواجه كل قرية وبلدة ومدينة فلسطينية، على طريقتها الخاصة ولكن بنفس العناد والصمود، جرائم الاحتلال بتجلياته ومظاهره المختلفة. ما يعني الفشل في تنظيم المقاومة الشعبية ومأسستها على المستوى الوطني العام في الضفة الغربية كلها، وهي ولا شك مهمة القيادة والفصائل والطبقة السياسية بشكل عام.

في المقابل، تنشغل الطبقة الفصائلية والحزبية بالحزمة الانتخابية التشريعية الرئاسية، وتعيينات المجلس الوطني، ووفق الواقع الراهن، فالانتخابات على أهميتها ستعيد إنتاج السلطة أو الطبقة السياسية نفسها التي خلقت الاقتتال والانقسام والعجز عن مواجهة إرهاب الاحتلال والمستوطنين.

في هذا السياق، يجب الانتباه إلى أن السلطة باتت فعلياً بلا سلطة، وفق التعبير الشهير لصائب عريقات، وعلى كل المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية، والانتخابات بمسارها الحالي ستعيد إنتاج الواقع الراهن بغياب تصور وطني واسع وراسخ بعيداً عن الحصص والمكاسب الفئوية.

 

الانتخابات والغياب الوطني

قضية قصرة أثارت استياءً شعبياً واسعاً، خاصة مع الإعلان عن اتصالات وحوارات بين الفصائل استعداداً للانتخابات وتفاصيلها وتشكيل القوائم وما إلى ذلك، وهنا لا يجب، ولست بوارد التقليل أصلاً من الانتخابات والعملية الديمقراطية، لكن المقاومة الشعبية وكيفية التصدي للاحتلال بشكل جماعي ومنظم في ساحة المواجهة الرئيسية في الضفة الغربية تستحق بالتأكيد حواراً مستفيضاً وبلورة استراتيجية "مقاومة" وطنية موحدة، علماً أنها، أي الضفة، كانت ولا تزال ساحة المواجهة منذ عقود، منذ خطة فك الارتباط لأرييل شارون عام 2004، دون قدرة فلسطينية رسمية وفصائلية على قراءة الواقع واستخلاص العبر المناسبة، بما في ذلك بلورة الوسيلة الأنجع والأكثر جدوى للمواجهة.

هذا مع التأكيد دوماً على حق الشعب الفلسطيني الأصيل بالمقاومة، أما الأساليب والأشكال فيفترض أن تتولى مسؤوليتها القيادة الوطنية الجامعة بأوسع درجة ممكنة من التوافق، وهو ما فشلت فيه السلطة بخيارها التفاوضي الفاشل، والمعارضة باستلابها إلى الكفاح المسلح، حتى مع كلفته الباهظة جداً في غزة والضفة الغربية كذلك.

إسرائيلياً، فضحت قصرة توحش وانفلات وإرهاب وبلطجة المستوطنين، وفق تعبيري، وإقرار السفير الأميركي "الصهيوني" في تل أبيب مايك هاكابي، كما نقضت، من جهة أخرى، الصورة المزعومة للدولة العبرية كقاعدة للتحضر والتنوير "الغربي" في صحراء المنطقة القاحلة.

في السياق الإسرائيلي، عجز الجيش عن مواجهة المستوطنين، وهو لا يريد أو لا يستطيع، وربما لا يريد ولا يستطيع مواجهتهم، لأسباب وحسابات سياسية تتعلق بخوف قياداته على مناصبهم وترقياتهم، كما قالت صحيفة "هآرتس" الأحد في تقرير موسع لها. مع الانتباه إلى خروج قيادة جيش الاحتلال بالضفة من صفوف المستوطنين، بمن فيهم قائد المنطقة الوسطى أفي بلوط، وقائد فرقة الضفة الغربية ياكوف دولف، ومسؤولو الشاباك والأجهزة الأمنية العاملة هناك.

 

المستوطنون ودولة داخل الدولة

إلى ما سبق، جاء قرار وزير الحرب يسرائيل كاتس تكليف الشرطة، لا الجيش، ووزيرها إيتمار بن غفير بتولي المسؤولية عن المستوطنين بالضفة الغربية، بمثابة ضم غير رسمي، وتنفيذ القرار يكاد يكون مستحيلاً مع الحاجة إلى الجيش وممارساته وجرائمه، ولا يقل عن ذلك أهمية تكريس قرار نظام فصل عنصري موصوف، "قانونين منفصلين بنفس المنطقة"، ومعروفة بالطبع النهاية الحتمية لهذا النظام، ناهيك عن كشف القناع عن وجه الدولة العبرية بدون تزييف ومساحيق تجميل.

إسرائيلياً، يتصرف المستوطنون كدولة أو دويلة داخل الدولة العبرية، وكما في العلوم السياسية والتجارب التاريخية، ثمة نهايات حتمية لهذا الواقع والمسار نحو التفكك والتحطم للدولة والدويلة معاً. والتذكير كذلك بمطالب وسرديات إسرائيل عن حصرية واحتكار القوة والسلاح بالمحيط العربي، بينما تعجز هي نفسها عن تحقيق ذلك.

دولياً، أكد المشهد في قصرة تآكل وانهيار البيئة الحاضنة للدولة العبرية، تحديداً في الغرب، مع مطالبات بفرض عقوبات وحظر أسلحة في أوروبا، في فرنسا وبريطانيا، التي وصفها بنيامين نتنياهو بالدولة الإسلامية في تعبير يائس ومنفصل عن الواقع. كما تجاوز الحدث الأطلسي ليصل إلى الولايات المتحدة والساحة السياسية والحزبية والإعلامية، بما في ذلك البيت الأبيض، كما سمعنا من السفير مايك هاكابي الوثيق الصلة بالرئيس دونالد ترامب ومحيطه، مع الإشارة إلى تصريح هذا الأخير عن استحالة عيش إسرائيل بدون مظلة الحماية الأميركية، التي تتآكل بشكل تدريجي ومتواصل مع فقدان تل أبيب نفوذها بواشنطن، وفق تعبير ترامب الحرفي.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث