قرار كاتس.. دعاية انتخابية في مسار تغيير بنية الحكم في الضفة

ياسر مناعالثلاثاء 2026/08/18
الضفة الغربية (Getty)
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

أثار إعلان وزير الأمن الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في 14 آب/أغسطس 2026، عن تكليف الجيش إعداد خطة لنقل مسؤولية إنفاذ القانون في القضايا المدنية المتعلقة بالمستوطنين في الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية نقاشاً يتجاوز مسألة توزيع المهام بين مؤسستين أمنيتين، فقد جاء الإعلان في لحظة انتخابية تتصاعد فيها المنافسة الحزبية، وهو ما يسمح بقراءته ضمن محاولات كاتس والليكود مخاطبة القاعدة اليمينية ومنافسة إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش على هذا المجال، غير أن تفسير الخطوة من زاوية الانتخابات وحدها يحجب سياقاً مؤسسياً أوسع شهد خلال السنوات الماضية نقل صلاحيات متزايدة من البنية العسكرية التي تدير الضفة إلى وزارات وهيئات مدنية إسرائيلية.

في ضوء ذلك، يمكن الانطلاق من القول أن الاعتبارات الانتخابية تفسر بدرجة كبيرة توقيت إعلان كاتس وطريقة تقديمه إلى الجمهور الاستيطاني تحديداً، فيما يفسر المسار الذي بدأ منذ عام 2023 قابلية الفكرة نفسها للتحول إلى سياسة، فقد أعادت الحكومة خلال هذه الفترة تنظيم أجزاء من العلاقة بين الجيش والمؤسسات المدنية في الملفات المرتبطة بالاستيطان. ولذلك، يأتي الاقتراح ضمن بنية مؤسسية بدأت تتشكل قبل الحملة الانتخابية الحالية، وقد يؤدي تنفيذه إلى توسيع الإدارة المدنية الإسرائيلية للمستوطنين مع استمرار خضوع الفلسطينيين لمنظومة الحكم العسكري.

 

لماذا النقل؟

في البداية يجب التأكيد أن إعلان كاتس لا يقضي بنقل إدارة الضفة الغربية إلى الشرطة الإسرائيلية، ولا يريد أن يلغي الإدارة المدنية أو يسحب السلطة العليا من القائد العسكري الذي ما زال يمثل مصدر السلطة الإسرائيلية الأساسي في المنطقة، فالوزير طلب من الجيش إعداد خطة تمنح الشرطة مسؤولية أكبر عن إنفاذ القانون في القضايا المدنية المرتبطة بالمستوطنين  على أن يركز الجيش بصورة أكبر على المهمات الأمنية المتعلقة بالفلسطينيين وحماية المستوطنات والحدود.

مع العلم أن الشرطة الإسرائيلية تعمل أصلاً في الضفة الغربية، ولذلك لا يتعلق النقاش بإدخال جهاز جديد إلى المنطقة بقدر ما يتعلق بتغيير موقعه داخل منظومة السلطة القائمة، فالسؤال الأساسي هو ما إذا كانت الشرطة ستواصل عملها تحت المظلة العسكرية وضمن الصلاحيات التي يمنحها القائد العسكري، أم ستتحول إلى الجهة صاحبة المسؤولية المباشرة والدائمة عن مجال من مجالات الحكم الذي أداره الجيش تاريخياً.

يحمل هذا التفريق أهمية تتجاوز الجانب التنظيمي؛ لأن نقل القيادة في ملف إنفاذ القانون المدني يمكن أن يعيد تعريف العلاقة بين المستوطن ومؤسسات الدولة، فإذا تعامل المستوطن في قضايا الشرطة والنظام العام والتحقيق والملاحقة مع أجهزة مدنية إسرائيلية مباشرة، فيما بقي الفلسطيني خاضعاً بدرجة أكبر للجيش والأوامر العسكرية والأجهزة الأمنية، فإن الخطوة ستعزز فصلاً قائماً أصلاً بين طريقتين مختلفتين لإدارة السكان الموجودين في المنطقة نفسها.

 

حدود الفصل بين المدني والأمني

ظهر الاعتراض داخل المؤسسة الأمنية مباشرة بعد إعلان كاتس، حيث نقلت صحيفة هآرتس في 15 آب/أغسطس 2026، عن مصادر عسكرية تشكيكها في إمكان تنفيذ التعليمات بصيغتها المعلنة؛ لأن توزيع المسؤوليات في الضفة لا يسمح دائماً بفصل واضح بين الحدث المدني والحدث الأمني، فالاحتكاك الذي يبدأ بين مستوطنين وفلسطينيين قد يتحول سريعاً إلى إطلاق نار أو مطاردة أو مواجهات تتطلب تدخل الجيش والشرطة والشاباك في الوقت نفسه.

ويشير هذا الاعتراض إلى مشكلة أعمق من نقص التنسيق، إذ يعتمد نموذج الحكم الإسرائيلي في الضفة منذ عام 1967 على موقع القائد العسكري بوصفه مصدراً للصلاحيات، ومن ثم فإن نقل المسؤولية إلى مؤسسة مدنية يثير سؤالاً يتعلق بمن يملك السلطة الأصلية ومن يقود القوات في الميدان ومن يتحمل المسؤولية عندما تتداخل المهمات الأمنية والمدنية.

وظهرت إلى جانب ذلك أسئلة تتعلق بقدرة الشرطة نفسها على تحمل المسؤولية، خصوصاً في ظل الانتقادات المتكررة لأدائها في التعامل مع اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين، سواء من حيث سرعة الوصول إلى مواقع الأحداث أو فعالية التحقيق والملاحقة، ولذلك لا يقتصر الجدل على تحديد الجهة التي تمتلك الصلاحية وإنما يمتد إلى طبيعة استخدامها ومدى وجود إرادة فعلية لتطبيق القانون.

أما النقاش القانوني والسياسي فيرتبط بدلالة نقل صلاحيات تمارس في أرضٍ محتلة من مؤسسة عسكرية إلى ذراع مدنية إسرائيلية، إذ يمكن أن يُقرأ هذا الانتقال خارج إسرائيل بوصفه خطوة إضافية في تطبيق مؤسسات الدولة الإسرائيلية مباشرة على الضفة، خصوصاً إذا فقدت العلاقة بين الشرطة والقائد العسكري طابعها الحالي وأصبحت الشرطة تستمد صلاحياتها بصورة أوسع من التشريع والمؤسسات المدنية الإسرائيلية.

 

مسار بدأ مع سموتريتش 

الأهم في ذلك كله أن خطورة اقتراح كاتس تتضح عند وضعه ضمن التحولات التي بدأت منذ تشكيل الحكومة الحالية، ففي عام 2023 حصل بتسلئيل سموتريتش بصفته وزيراً إضافياً في وزارة الأمن على صلاحيات واسعة تتعلق بإدارة الملفات المدنية - الاستيطانية في الضفة الغربية، واستحدث قسم الاستيطان داخل الوزارة، ونقل إليها ملفات مؤثرة في التخطيط والبناء والأراضي وتطوير المستوطنات والرقابة.

غيّرت هذه الترتيبات الطريقة التي تتحرك بها السلطة داخل منظومة الحكم القائمة، لأن الحكومة وسّعت قدرة المستوى السياسي المدني على التدخل المباشر في ملفات كانت المؤسسة العسكرية والإدارة المدنية تمثلان القناة الأساسية لمعالجتها، وأصبح جزء من عملية صنع القرار المتعلق بالمستوطنات مرتبطاً بصورة أوثق بوزير مدني وبرنامج سياسي معلن يدعو إلى توسيع الاستيطان وتعزيز السيطرة الإسرائيلية على المنطقة (ج).

وتعمق المسار في أيار/مايو 2024، مع تعديل الأمر العسكري الخاص بالإدارة المدنية وتعيين المستوطن هليل روط نائباً مدنياً لرئيس الإدارة المدنية ومنحه صلاحيات واسعة في الأراضي والتخطيط والبناء والبنية التحتية ومجالات أخرى، في وقت ارتبط فيه روط وظيفياً بمنظومة إدارة الاستيطان التي يشرف عليها سموتريتش وهو ما أدخل مستوى مدنياً جديداً إلى موقع مؤثر داخل الجهاز الذي أنشأته إسرائيل أصلاً ضمن بنية الحكم العسكري.

وقد عبّر سموتريتش بوضوح عن الغاية التي يريد الوصول إليها عندما تحدث في تسجيل نشرته وسائل إعلام إسرائيلية عام 2024 عن تغيير "DNA" الاستيطان وبناء منظومة مدنية داخل البنية القائمة مع المحافظة على الغطاء العسكري الرسمي. وتكشف هذه الصياغة تصوراً يقوم على تغيير طريقة إدارة الضفة من الداخل من دون الحاجة إلى إعلان رسمي وفوري عن فرض السيادة، بحيث تبقى البنية العسكرية قائمة قانونياً فيما تنتقل أجزاء متزايدة من الإدارة الفعلية إلى المستوى المدني.

 

من التخطيط والأرض إلى إنفاذ القانون

لم تتوقف عملية توسيع حضور المؤسسات المدنية عند ملفات التخطيط والاستيطان، فقد انتقلت الحكومة خلال عام 2026 إلى ملف تسوية الأراضي، وقررت في شباط/فبراير الماضي، تخصيص 244.1 مليون شيكل لتنفيذ عملية تسوية وتسجيل أراض في المنطقة (ج) على مدى خمس سنوات إلى جانب استحداث وظائف في وزارة العدل ومركز الخرائط ووزارة الأمن والإدارة المدنية.

ويحمل هذا الملف أهمية خاصة لأن تسوية الأرض لا تمثل إجراءً فنياً محايداً في الضفة الغربية، فطريقة المسح والتسجيل وإثبات الملكية تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الفلسطينيين على تثبيت حقوقهم في الأرض، كما تؤثر في قدرة إسرائيل على تصنيف أراضٍ وتسجيلها باعتبارها أراضي دولة أو استخدامها لاحقاً في التخطيط والاستيطان والبنية التحتية، ولذلك وسعت الحكومة من خلال هذا المسار حضور وزاراتها المدنية في واحد من أكثر مجالات إدارة المنطقة حساسية.

من هنا يمكن فهم اقتراح كاتس باعتباره انتقالاً محتملاً إلى مجال لم يصل بعد إلى مستوى المدْيَنة المؤسسية الذي وصلت إليه قضايا الأرض والتخطيط، وهو مجال إنفاذ القانون المتعلق بالمستوطنين، فإذا منحت الحكومة الشرطة مسؤولية مباشرة ومستقرة عن هذا الملف، فإنها ستضيف مجالاً جديداً إلى منظومة التعامل المدني الإسرائيلي مع المستوطنين.

وتظهر هنا دلالة تراكمية مهمة، فكل خطوة منفردة يمكن تقديمها باعتبارها تعديلاً تنظيمياً أو تحسيناً في توزيع الصلاحيات غير أن جمع هذه التغييرات يكشف اتجاهاً متواصلاً تنتقل فيه إدارة شؤون المستوطنين تدريجياً من المؤسسات العسكرية إلى مؤسسات الدولة المدنية.

 

الانتخابات ومنافسة اليمين 

على الرغم من ذلك، لا يلغي هذا المسار البعد الانتخابي في إعلان كاتس، فقد جاء القرار في مرحلة تتصاعد فيها المنافسة بين الليكود والقوى الواقعة إلى يمينه حول من يقدم خطوات أكثر وضوحاً تجاه الضفة الغربية، ويمنح الاقتراح كاتس فرصة لتقديم نفسه أمام هذا الجمهور وحتى داخل الليكود باعتباره يدفع نحو إنهاء جانب من التعامل العسكري مع المستوطنين وربطهم بصورة أوسع بمؤسسات الدولة الإسرائيلية.

ويكشف رد إيتمار بن غفير على الإعلان، طبيعة القراءة التي تبناها جزء من اليمين، إذ وصف الخطوة بأنها مهمة على طريق فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة ثم طالب بتوسيعها لتشمل نقل حرس الحدود العامل في المنطقة من القيادة العسكرية إلى الشرطة، ونقل صلاحيات الاعتقال الإداري والقيود الإدارية من وزير الأمن والجيش إلى وزير الأمن القومي والشرطة.

وطرح إلى جانب ذلك برنامجاً عملياً يتضمن إعادة انتشار قوات حرس الحدود داخل المدن والبلدات الفلسطينية ونقل قواعد لها إلى مناطق A وB، وإصدار أوامر إدارية ضد نشطاء يساريين متضامنين مع الفلسطينيين، والسماح بحمل السلاح الشخصي للمستوطنين في الحرم الإبراهيمي، وإجراء تدريبات مشتركة مع فرق التأهب في المستوطنات.

وتكشف هذه المطالب أن بن غفير يريد تحويل مقترح كاتس من إعادة توزيع محدودة لمسؤولية إنفاذ القانون إلى إعادة توزيع أوسع لأدوات القوة والقيادة في الضفة، بما يمنح وزارة الأمن القومي نفوذاً مباشراً على قوة ميدانية تعمل حالياً تحت القيادة العملياتية للجيش، وهو ما يفسر بدوره سبب تحوّل اقتراح كاتس سريعاً إلى ساحة جديدة للمنافسة بين أقطاب اليمين حول من يدفع أبعد في مسار ربط الضفة بالمؤسسات الإسرائيلية.

وفي السياق الانتخابي، يستطيع كاتس من خلال خطته منافسة بن غفير وسموتريتش في مساحة سياسية أصبح مفهوم السيادة أحد مفاتيحها الأساسية، من دون أن يعلن الليكود تبني الضم الرسمي بصورة مباشرة، كما يسمح الإعلان بتحويل جانب من النقاش الذي أثارته اعتداءات المستوطنين وأحداث مثل ما جرى من حصار المستوطنين لبيت فلسطيني في قرية قصرة جنوب نابلس، من سؤال يتعلق بمسؤولية الحكومة عن الظاهرة إلى نقاش حول الجهة الأمنية الأنسب للتعامل معها، وهو تحول يمنح المستوى السياسي مساحة أكبر للدفاع عن سياسته أمام جمهوره.

 

بين الدعاية الانتخابية والتحول المؤسسي

يبقى تنفيذ خطة كاتس أكثر تعقيداً من إعلانها، فالشرطة تحتاج إلى قوى بشرية إضافية ووحدات تحقيق وانتشار وميزانيات وقدرات لوجستية إذا أرادت تحمل مسؤولية موسعة في منطقة كبيرة ومعقدة أمنياً، كما تتطلب بعض التغييرات التي يدفع إليها بن غفير تعديلات قانونية وتنظيمية لا يستطيع وزير الأمن اتخاذها منفرداً، وقد تثير اعتراضات داخل المؤسسة الأمنية أو تصل إلى المحكمة العليا إذا غيرت بصورة جوهرية توزيع السلطة القائم. ويمثل الموقف الدولي عامة والأميركي على وجه الخصوص، عاملاً سياسياً إضافياً في حسابات الحكومة الإسرائيلية، فالولايات المتحدة لا تمنح إسرائيل صلاحية قانونية لإعادة تنظيم الحكم في الضفة، وتزداد حساسية المسألة عندما يربط وزراء في الحكومة هذه التغييرات علناً بمشروع الضم وفرض السيادة.

يوضح مسار كاتس أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان القرار انتخابياً أم مؤسسياً، فهو الاثنان معاً؛ فالحملات الانتخابية في إسرائيل لا تخترع سياسات من فراغ بقدر ما تُسرّع مسارات كانت قائمة أصلاً وتمنحها غطاءً سياسياً للتنفيذ. وما يميز هذه اللحظة تحديداً هو أن الملف الذي بقي حتى الآن الأكثر التصاقاً بالجيش - إنفاذ القانون على المستوطنين - بات مطروحاً للانتقال إلى الشرطة، بعدما سبقته ملفات الأرض والتخطيط والإدارة المدنية إلى المسار نفسه. وسواء تحقق هذا الانتقال بالكامل أو تعثّر أمام اعتراضات المؤسسة الأمنية أو القضاء، فإن مجرد طرحه يؤكد أن الحدود بين الحكم العسكري والإدارة المدنية في الضفة الغربية لم تعد ثابتة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث