حرب الخيارات الضيقة

Image-1771009172
التحالفات تتجه إلى منع اتساع الحرب (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا أعرف على وجه اليقين من الذي تورط في ماذا بالمشهد الجاري في إيران أو في أوكرانيا، لكن بالرؤية المجردة وبالنظرة البسيطة، فقد بدأ الروس الحرب في أوكرانيا بدعوى وقف تمدد الناتو باتجاه أراضيهم، بينما بدأ الأميركيون الحرب ضد إيران بدعوى منعها من امتلاك سلاح نووي، فلا روسيا بحربها ضد أوكرانيا أوقفت الناتو الذي تمدد كما لم يفعل منذ سبعين عاماً، ولا أميركا بحربها الضروس ضد إيران قضت على الطموح النووي الإيراني، الذي استعر تحت وطأة التهديد، بينما حررت عملية قتل مرشد الثورة الإيرانية علي خامنئي خلفاءه من فتواه بأن القنبلة النووية "حرام"، حين ارتأى البعض في إيران أن الفتوى قد رحلت برحيل صاحبها، أو هكذا بات يروج خلفاؤه من الصقور، بينما يلوحون بقبضة الوعيد النووي في الهواء.

بداية الحربين في أوكرانيا، ثم في إيران، كانت الطلقة الأولى في معركة إعادة هيكلة النظام الدولي، بعد أكثر من أربعة عقود من الاستفراد الأميركي بزعامة نظام دولي أحادي القطب، عانى بعض أطرافه من الأحادية القطبية وتوابعها.

وبينما تستعر الحرب على الجبهتين الأوكرانية والإيرانية، وسط معمعة استعصاء على الحسم على كلتا الجبهتين، تحاول أوكرانيا توسيع مسرح الحرب، لتشمل إيران، بينما تحاول إيران توسيع مسرح العمليات ليشمل كل الخليج وبعض آسيا الوسطى.

هناك ميل لدى أوكرانيا، يوافق هوى لدى إيران بتوسيع نطاق الحربين، وبالدمج بينهما، كلما أمكن، وهو ما تجلى في الهجوم الأوكراني على ناقلة بترول إيرانية في بحر قزوين، تلقى زيلينسكي بعدها تحذيراً أميركياً من محاولة تحويل الحرب من الأقلمة إلى العولمة!

تهديدات زيلينسكي بتوسيع مسرح العمليات في الحرب الأوكرانية ليشمل روسيا البيضاء، تعكس إصراراً لدى الرجل على الهروب إلى الأمام بتوسيع نطاق الحرب، مؤملاً أن يضع اتساع الحرب نطاقاً زمنياً تنتهي عنده الحرب أو تتوقف.

وفيما يبدو، فقد اقترب استحقاق بلورة التحالفات في الحرب (شبه الكونية) التي يمتد مسرحها ويتناثر فوق بحار الكوكب، من أوكرانيا على البحر الأسود في قلب أوروبا، إلى إيران على بحر العرب وضفاف الخليج، في قلب الشرق الأوسط، إلى تايوان على بحر الصين الجنوبي، وحتى فنزويلا على شواطئ أميركا الجنوبية.

 

مسارح متعددة وصراع واحد

مسارح متعددة، وفرقاء متعددون، لكن جوهر الصراع واحد، يتمحور حول فكرتين، لفريقين: فريق يتطلع إلى استدامة الانفراد بالسيطرة على النظام الدولي القائم الذي تنفرد الولايات المتحدة بزعامته، منذ سقوط جدار برلين أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وفريق يتطلع إلى إنهاء الاستفراد الأميركي بزعامة النظام الدولي، بعدما فشلت واشنطن على مدى أكثر من أربعين عاماً في أن تكون، وفق نظره، قوة أخلاقية مسؤولة عن استدامة السلم والأمن الدوليين.

في الحرب الأميركية على إيران، حاولت أميركا، وما تزال، تفكيك الشرق الأوسط التاريخي الذي ورثته المنطقة عن سايكس-بيكو قرب نهاية الحرب العالمية الأولى، وإعادة تركيبه وفق تطلعات بنيامين نتنياهو، الذي أعلن مبكراً عن تغيير وجه الشرق الأوسط، بعد ساعات فقط من انطلاق عملية طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. وفي الحرب الروسية على أوكرانيا، جربت روسيا، وما تزال، محاولة تفكيك التحالف الغربي، وإنهاء زحف الناتو.

الخوف من تمدد الحرب الأوكرانية، من قلب أوروبا إلى قلب روسيا، لا يدانيه سوى الخوف من حرب شاملة في الشرق الأوسط، تتجمع الآن سحبها، ولا يجد أطرافها بديلاً عن مظلات للحماية لم تختبر من قبل في أي وقت، فالتحالفات في أغلبها هدفها حتى الآن هو منع اتساع الحرب، لا أن تربحها، ولا أن تشعلها، فهي تعمل تحت شعار (لا تفعل)، أو لا تبادر.

 

هرمز ومعادلة اللاحرب واللاسلم

في اللحظة الراهنة، يتبدى عجز واشنطن عن استكمال حربها ضد إيران، بينما تكتفي طهران بتلقي الضربات دون أن تصرخ، معتبرة أن اللا صراخ هو صمود تاريخي فريد، وبينما تعرف واشنطن علم اليقين أنها لن تربح الحرب ضد إيران ما لم تسيطر سيطرة تامة على حركة التجارة عبر مضيق هرمز، يحاول الرئيس الأميركي ترامب حل المعضلة على طريقته، معلناً بدون أدنى مصداقية، أن المضيق مفتوح، وأنه تحت السيطرة الأميركية الكاملة، وأن البحرية الأميركية قد طهرته تماماً من الألغام.

لا أحد يتعامل بجدية مع تأكيدات ترامب بشأن إمكانية الملاحة الآمنة عبر مضيق هرمز، ولم تسجل عمليات عبور ذات شأن في مياه المضيق، الذي نجح الإيرانيون في تحويله إلى قضية القضايا في الحرب الإيرانية.

الاقتراب من صيغ للحل في ملف الحرب الإيرانية يقتضي بناء معادلة للقوة في الإقليم. جوهرها وقلبها هو الطمأنينة المتبادلة، من خلال نظام للأمن الإقليمي، يستوعب حقيقة أن الجوار الجغرافي هو قدر لا فكاك منه، وأن التعايش السلمي في ظل مبادئ توازن القوى هو البديل الوحيد لإرساء أسس للسلام والاستقرار في الإقليم، لكن مشكلة إيران في الشرق الأوسط، حتى في الحقبة الشاهنشاهية، أنها تستدعي التاريخ بعض الوقت، للسيطرة على الجغرافيا طول الوقت. أما مشكلتها الثانية فهي أن جيرانها يرونها (مخيفة) لا (مهابة)، والفارق كبير؛ فالتخويف يستدعي الكراهية، أما الهيبة فتستدعي الاحترام.

وفق توقيت ترامب، سيد المواعيد المهدرة، تنطلق في زمن الأزمة مرحلة جديدة من مراحل اللاحرب واللاسلم، يريد ترامب وضع نهاية لها قبل الانتخابات النصفية للكونغرس، بينما يفضل ملالي إيران استمرارها إلى ما بعد الانتخابات التي ترجح التوقعات أن يخسرها ترامب وحزبه.

بوسع الملالي تمديد حالة اللاسلم واللاحرب، التي يرونها مناسبة جداً، للتعامل مع أزمة السيطرة على مضيق هرمز، واستخدامه كسلاح ردع فريد، يضع قيوداً ثقيلة على القدرات البحرية الأميركية الهائلة، لكن استمرار الضغط على أعصاب القوة الأميركية، في أسابيع الانتخابات النصفية، ربما لا يدع فرصة لتجنب انفجار كبير ينهي حالة اللاسلم واللاحرب.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث