الدور القطري أصبح لا يُقدر بثمن بالنظام الدولي المضطرب

المدن - عرب وعالمالاثنين 2026/08/17
أمير قطر يستقبل سلطان عمان في الدوحة 9 آب 2026 (أ ف ب)
"فايننشال تايمز": الوساطة بالنسبة إلى قطر وعُمان تمثل مصدراً للنفوذ (فرانس برس)
حجم الخط
مشاركة عبر

قالت صحيفة "فايننشال تايمز" إن قطر وعُمان ودول أخرى مثل وأذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان أظهرت قدرة متزايدة على التأثير في ملفات دولية وإقليمية تتجاوز حجمها السياسي والاقتصادي، ولعبت دوراً لا يقدر بثمن في النظام الدولي المضطرب.

 

أوراق قوة 

وأضافت الصحيفة، في مقال للزميل غير المقيم في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي زوار شريف، فإن هذه الدولة استفادت من أوراق قوة مختلفة تشمل الطاقة والوساطة والموقع الجغرافي وطرق التجارة والعلاقات الدبلوماسية.

وأكد شريف أن هذه الدول تمثل نموذجاً لـ"القوى المتوسطة المصغرة"، وهي دول ذات نفوذ إجمالي محدود، لكنها تتمتع بتأثير حقيقي في مجالات محددة، مثل الطاقة وخطوط النقل والأمن الإقليمي والوساطة والتمويل والتكنولوجيا والجغرافيا، أو تمتلك قدرة على الوصول إلى جهات يصعب على القوى الكبرى التواصل معها.

ووفق الصحيفة، فإن الاهتمام بالقوى المتوسطة ازداد بشكل ملحوظ منذ خطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس خلال كانون الثاني/ يناير، وذلك مع تزايد التساؤلات حول قدرة دول مثل كندا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا والمكسيك على كبح جماح القوى العظمى أو بناء تحالفات في ظل تراجع النظام القائم على القواعد، فيما سارعت حكومات عديدة إلى التأكيد على مكانتها كقوى متوسطة.

غير أن شريف رأى في مقاله أن هناك دولاً أخرى لا تستطيع تحديد الأجندة الدولية الأوسع، لكنها قادرة على إحداث فرق في مجالات بعينها، موضحاً أن امتلاك إحدى هذه المزايا لا يكفي، وإنما تكمن الأهمية في القدرة على استخدامها.

وأكدت "فايننشال تايمز" أن قطر وعُمان تندرجان ضمن هذا التصنيف باعتبارهما قوتين متوسطتين مصغرتين في المجال الدبلوماسي، موضحةً أن قطر حولت ثروتها من الغاز وقدراتها التمويلية وإمكانية الوصول إلى جهات يصعب الوصول إليها إلى دور دبلوماسي بارز، بينما تعتمد عُمان على الحكمة وموقعها الاستراتيجي وقدرتها على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة بين الخصوم.

 

مصدر للنفوذ

وشددت الصحيفة البريطانية على أن الوساطة بالنسبة إلى قطر وعُمان لا تمثل مجرد دور دبلوماسي، وإنما مصدراً للنفوذ.

أما أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان، فتمتع، وفق الصحيفة، بنفوذ يرتبط بصورة أساسية بالجغرافيا والبنية التحتية، مشيرةً إلى أن أذربيجان تصدر الطاقة وتقع على طرق التجارة بين الشرق والغرب، كما تمتلك ثقلاً في سياسات وأمن جنوب القوقاز.

وبالنسبة إلى كازاخستان، فتستمد نفوذها من موارد النفط واليورانيوم وموقعها بين روسيا والصين، وهو ما يمنحها تأثيراً يتجاوز المنطقة. فيما أوزبكستان، فإن وزنها الديموغرافي باعتبارها الدولة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في آسيا الوسطى، إلى جانب موقعها المركزي، يمنحها نفوذاً متزايداً في التجارة والدبلوماسية الإقليمية.

ويقدم "الممر الأوسط" مثالاً واضحاً على هذا النفوذ، إذ تعد أذربيجان وكازاخستان محوريتين في الطريق الذي يربط آسيا بأوروبا، فيما تعمل أوزبكستان على تعزيز روابطها به.

وعلى الرغم من أن هذا الطريق أكثر تعقيداً من الطريق الشمالي عبر روسيا، فإنه يوفر للحكومات والشركات خياراً بديلاً. كما تعمل الدول الثلاث على تطوير ممر للطاقة النظيفة في بحر قزوين، يمكن من خلاله نقل الطاقة المتجددة من آسيا الوسطى عبر أذربيجان، ليرتبط بكابل الكهرباء المخطط له في البحر الأسود وصولاً إلى أوروبا.

ولفتت الصحيفة إلى أن النقاش بشأن جنوب القوقاز وآسيا الوسطى لا يزال يصور المنطقة في كثير من الأحيان باعتبارها ساحة صراع بين روسيا والصين والغرب، متجاهلاً طبيعة تحركات العديد من دولها، لافتةً إلى أن أذربيجان وكازاخستان وأوزبكستان تحافظ على علاقات متعددة الاتجاهات، لأن الجغرافيا والتجارة والأمن تجعل التحالف الحصري محفوفاً بالمخاطر.

ومن أجل ذلك، تتعاون الدول الثلاث مع روسيا والصين وتركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، مع الحرص على الاحتفاظ بهامش للمناورة بينها.


تحديد شروط النظام الدولي
وبالنسبة إلى قطر وعُمان، فتربطهما علاقات أمنية وثيقة بواشنطن، لكنهما في الوقت نفسه تحافظان على قنوات اتصال مفتوحة مع خصوم الولايات المتحدة، بما يسمح لهما بمقاومة الضغوط من أي طرف.

واعتبرت "فايننشال تايمز" أن موقف أذربيجان عقب حادث سقوط طائرة ركاب تابعة للخطوط الجوية الأذربيجانية بعدما أسقطتها الدفاعات الجوية الروسية في كانون الأول / ديسمبر 2024، أظهر جانباً آخر من نفوذ الدول الصغيرة، إذ جاء رد باكو حازماً بصورة غير معتادة بالنظر إلى اختلال موازين القوى، إذ طالبت موسكو بتحمل المسؤولية ومعاقبة المتسببين ودفع التعويضات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على العلاقات العامة بين البلدين. وفي وقت لاحق، أقرت روسيا بدور دفاعاتها الجوية في التسبب بالحادث، ووافقت على دفع التعويضات.

وبحسب الصحيفة، فإن نفوذ "القوى المتوسطة المصغرة" يصل إلى ذروته عندما يحتاج الآخرون إلى ما تسيطر عليه هذه الدول، إذ إن نفط وغاز أذربيجان يكتسبان أهمية أكبر عندما يبحث المشترون عن مصادر بديلة، بينما استفاد "الممر الأوسط" من تعطل التجارة عبر روسيا.

غير أن الحكومات الموجودة على طول هذا الممر تدرك أنه في حال استئناف التجارة الغربية مع روسيا، فقد تتحول بعض الشحنات مرة أخرى إلى الطريق الشمالي.
وبالنسبة إلى قطر وعُمان، تزداد أهمية الوساطة عندما تتوقف الأطراف عن الحوار. وخلص المقال إلى أن قطر وعُمان لن تحددا شروط النظام الدولي، لكن القوى التي تسعى إلى تشكيله ستعتمد غالباً على طرقهما ومواردهما وعلاقاتهما الدبلوماسية، مشيراً إلى أن القوى الكبرى ستجد صعوبة في تحقيق النجاح من دون التعاون معهما.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث