الحرب الرئيسية لم تبدأ بعد.. خطة إيران السرية للمواجهة

المدن - عرب وعالمالاثنين 2026/08/17
إيران (Getty)
إيران تستعد لحرب أكبر.. الحرس الثوري يوسع نفوذه وتحركاته الإقليمية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أن قادة التيار المتشدد في إيران استغلوا الشهرين اللذين أعقبا توقيع مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة في منتصف حزيران/ يونيو للاستعداد لمواجهة أكبر، بدلاً من التعويل على المحادثات لإنهاء الحرب.

وبحسب الصحيفة، تحرك مسؤولون في الإدارة الأميركية بعد توقيع الرئيس دونالد ترامب المذكرة لحشد الدعم لاتفاق كانوا يأملون أن يعيد فتح مضيق هرمز ويمهد لإنهاء الحرب تدريجياً. لكن قادة التيار المتشدد اجتمعوا في طهران ووضعوا خطة مختلفة، وفق مسؤولين إيرانيين وعرب، إذ رأوا في الاتفاق محاولة أميركية إسرائيلية لتخفيف الضغط عن الاقتصاد العالمي وكسب الوقت تمهيداً لهجوم أكبر لاحقاً.

وشملت استعداداتهم منح الحرس الثوري نفوذاً أكبر على الجيش النظامي، وتعيين شخصيات مخضرمة شاركت في الحرب مع العراق وحملات القمع الداخلي في مواقع رئيسية، وتوسيع عمليات مكافحة التجسس، وزيادة إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، بالتوازي مع مهاجمة السفن لتشديد قبضة إيران على مضيق هرمز وتوسيع ساحة المواجهة إلى البحر الأحمر، الذي استخدمته السعودية للالتفاف على قبضة إيران على الخليج.

ونقلت "وول ستريت جورنال" عن مسؤولين مطلعين على نتائج استخباراتية عربية، أن اتصالات رُصدت بين إيران وحلفائها من المليشيات في اليمن والعراق، أظهرت تحولاً استراتيجياً لدى قيادة التيار المتشدد، يهدف إلى إعداد قواتها لتوسيع الحرب ورفع كلفتها على الولايات المتحدة، مع تزايد الحديث عن تنفيذ عمليات هجومية داخل أراضي الخصوم، بما يثير قلق دول خليجية، بينها الكويت.

وبحسب الصحيفة، يتمثل الهدف الأساسي في إلحاق قدر كافٍ من الألم بالخصوم لضمان عدم تكرار الهجمات التي تعرضت لها إيران خلال حرب الأيام الـ12 العام الماضي والصراع الحالي. ونقلت عن المحلل الدفاعي المقيم في طهران والمقرب من الحكومة محمد حسن سنك‌ تراش، قوله إن "هناك أيضاً اعتقاداً واسع الانتشار في إيران بأن الحرب الرئيسية لم تبدأ بعد"، وإن ما جرى حتى الآن يُفسر بصورة متزايدة وفق تكتيكات "تقطيع السلامي"، أي التصعيد المحدود والتدريجي لإضعاف القدرات قبل مواجهة أكبر.

وقالت الصحيفة إن هذه الاستعدادات تكشف فجوة كبيرة بين نظرة واشنطن وطهران إلى المرحلة الحالية من الحرب، وأسهمت في تشدد الموقف التفاوضي الإيراني والتردد في إبرام اتفاقات، ما أثار مراراً حيرة ترامب، الذي وصف القادة الإيرانيين بالمجانين واتهمهم بالكذب.

 

استعداد للحرب وانعدام الثقة

وفق "وول ستريت جورنال"، يعكس استعداد إيران للقتال انعداماً عميقاً للثقة يرجح أن يعرقل التوصل قريباً إلى اتفاق دائم، رغم أن تصريحات طهران تتضمن قدراً كبيراً من الاستعراض والتحدي في وقت تعرضت فيه قاعدتها العسكرية والاقتصادية لضربات قاسية جراء الغارات الأميركية والإسرائيلية.

وفي المقابل، حذر أعضاء أكثر براغماتية في القيادة، بينهم الرئيس مسعود بزشكيان، من أن إيران تحتاج إلى اتفاق ينهي الحرب ويوفر تخفيفاً للعقوبات، وإلا فإنها قد تواجه انهيار اقتصادها.

لكن الصحيفة قالت إن إيران تعيد بناء بنيتها التحتية وتستعيد إمكانية الوصول إلى قواعد الصواريخ بسرعة أكبر كثيراً مما كان متوقعاً، ما يقلق مسؤولين إسرائيليين مطلعين على وتيرة التقدم. كما نجحت في استهداف قواعد أميركية، ولا تزال تملك قوة نارية كافية لتهديد السفن والبنية التحتية للطاقة في الخليج، فيما يستعد مسؤولون عرب لاستمرار القتال واضطراب إمدادات الطاقة لفترة طويلة.

ونقلت الصحيفة عن الدبلوماسي الأميركي والمفاوض النووي السابق مع إيران آلان آير، قوله إن "الحرب هي خط الأساس" بالنسبة إلى النظام، وإن إيران "ستبقى في حالة حرب، وتستعد لهجوم لاحق".

 

مذكرة فرساي وسياسة المسارين

وذكرت الصحيفة أنه عندما وقع ترامب مذكرة التفاهم مع إيران في 17 حزيران/ يونيو بقصر فرساي الفرنسي، بدا أن العقبة الأكبر ستكون إقناع منتقديه الأميركيين بأن الاتفاق ليس سخياً أكثر من اللازم مع طهران. ووعد الاتفاق بإعفاءات من العقوبات تسمح لإيران ببيع نفطها والوصول إلى مليارات الدولارات المجمدة، إضافة إلى إمكانية إنشاء صندوق بقيمة 300 مليار دولار لإعادة الإعمار، مقابل فتح مضيق هرمز أمام الملاحة والتفاوض بحسن نية بشأن البرنامج النووي.

لكن إطلاق إيران النار، بعد ثلاثة أسابيع في أوائل تموز/ يوليو، على سفن كانت الولايات المتحدة ترافقها عبر المضيق فاجأ واشنطن. ونقلت الصحيفة عن ترامب قوله إن "الأشخاص شديدو الخطورة في إيران، إنهم مرضى"، كما وصف قادة إيران بـ"الحثالة"، مضيفاً: "هناك خطب ما بهم".=

وبحسب "وول ستريت جورنال"، كانت إيران تنتهج فعلياً سياسة ذات مسارين: ففيما سعى دبلوماسيوها إلى اتفاق سلام مع الولايات المتحدة، كان المرشد الإيراني مجتبى خامنئي يعد الأجهزة الأمنية لمواجهة موسعة قد تبادر طهران نفسها إلى إطلاقها.

 

تحركات الحرس الثوري في المنطقة

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين مطلعين على أحدث نتائج الاستخبارات العربية أن الحرس الثوري استغل الهدوء الذي وفرته مذكرة التفاهم لوضع أسس التنسيق مع المليشيات الحليفة في المنطقة لتكثيف الهجمات عند الحاجة، وأرسل مستشارين إلى العراق واليمن ولبنان لمناقشة الخطط.

وأظهرت معلومات استخباراتية، بينها اتصالات جرى اعتراضها، أن الحرس أرسل قادة إلى مناطق سيطرة الحوثيين في اليمن للتخطيط لمواجهة متصاعدة مع السعودية بالتنسيق مع مليشيات عراقية مدعومة من إيران. كما أشرف على نشر صواريخ وأسلحة بحرية ومنصات لإطلاق المسيّرات في مواقع مطلة على البحر الأحمر، وزود الحوثيين بمعلومات استخباراتية وقوائم أهداف تضم موانئ ومنشآت طاقة سعودية، وقدم المشورة بشأن الاحتماء من الرد السعودي.

وقالت الصحيفة إن القتال تصاعد حتى أواخر يوليو/ تموز، عندما ضرب الحوثيون قوات الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية، وأعلنوا إغلاق مضيق باب المندب أمام السعودية، وأطلقوا النار على سفن سعودية، ما عقد جهود المملكة لتصدير النفط وزاد مخاطر الإمدادات العالمية. وفي الفترة نفسها تقريباً، قالت السعودية إن مليشيات مدعومة من إيران في العراق هاجمت منشآتها النفطية بطائرات مسيّرة. وبحسب المسؤولين الذين تحدثوا إلى الصحيفة، هدد الحرس الثوري دول الخليج بتدمير منشآتها للطاقة إذا ضربت الولايات المتحدة منشآت مماثلة داخل إيران، وأرسل قوائم مفصلة بالأهداف إلى نظرائه العرب.

 

استهداف القوات الأميركية

وقالت "وول ستريت جورنال" إن إيران صعدت أيضاً هجماتها على القوات الأميركية، وفاجأت واشنطن بإطلاق خمسة صواريخ باليستية على الأردن خلال فترة هدوء، بعد أسبوعين من ضربة إيرانية أخرى في الأردن أدت إلى مقتل ثلاثة عسكريين أميركيين.

وازداد قلق المسؤولين الخليجيين مع اتساع الهجمات ومشاهدة الصواريخ الإيرانية وهي تفلت من الدفاعات الأميركية وتصيب أهدافاً بدقة أكبر في الأردن والكويت والبحرين. وامتد القتال إلى آب/ أغسطس، إذ ضربت إيران ست سفن إماراتية خلال الأسبوعين الماضيين أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز.

ونقلت الصحيفة عن المتحدث باسم الحرس الثوري العميد حسين محبي قوله لوكالة تسنيم التابعة للحرس: "استفدنا بالكامل من فترة وقف إطلاق النار"، مضيفاً: "عززنا قدراتنا، وسرّعنا وتيرة إنتاج الصواريخ، وحسّنا دقتها".

 

إعادة هيكلة أجهزة القوة

وفي الكواليس، قالت الصحيفة إن المرشد خامنئي أعاد ترتيب قواته استعداداً لمواجهة أكثر هجومية، عبر اختيار سبعة قادة أمنيين رئيسيين لإدارة مؤسسات عسكرية وأمنية أعيد تنظيمها، ضمن هيكلة كُشف عنها قبل أسبوع وهدفت إلى إحكام سلسلة القيادة، وتحويل مليشيا عقائدية إلى جهاز استخبارات على مستوى الأحياء، وتعزيز النهج الهجومي.

وعُيّن محسن رضائي، الذي قاد الحرس الثوري خلال الحرب مع العراق في ثمانينيات القرن الماضي، أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلاً لخامنئي، فيما قالت الصحيفة إن المجلس عرقل خلال الأسبوع الماضي إحراز تقدم نحو اتفاق لفتح مضيق هرمز تدريجياً.

وفي إطار تعزيز الأمن الداخلي، أعاد خامنئي حسين طائب، المقرب منه والذي قاد حملة قمع دامية ضد احتجاجات عام 2009، إلى قيادة قوات الباسيج، وكلفه بتحويل القوة التطوعية إلى "شبكة استخبارات شعبية"، بعدما أظهرت الحربان حجم الاختراق الإسرائيلي لإيران.

وبحسب الصحيفة، يرى مستشارون للحكومة أن المرحلة المقبلة ستتجاوز الحرب التقليدية إلى محاولات خارجية لإثارة اضطرابات داخلية. وكانت الحكومة قد قمعت بعنف احتجاجات اندلعت بسبب الأزمة الاقتصادية في كانون الثاني/ يناير، وتخشى عودة المتظاهرين إلى الشوارع مع استمرار تدهور الأوضاع تحت الضغط الأميركي.

 

تعزيز نفوذ الحرس على الجيش

وذكرت "وول ستريت جورنال" أن خامنئي عزز نفوذ الحرس الثوري على الجيش النظامي بتوحيد السيطرة على الذراعين العسكريتين تحت قيادة العميد علي عبد اللهي، القيادي المخضرم في الحرس، الذي دعا بقوة إلى مهاجمة الدول العربية المستضيفة لقواعد أميركية حول الخليج.

كما ثُبّت أحمد وحيدي رسمياً قائداً عاماً جديداً للحرس الثوري، بعدما شغل المنصب بصورة غير رسمية منذ آذار/ مارس، وكُلف بتنفيذ "عمليات هجومية قوية ضد العدو"، وفق مرسوم تعيينه الصادر الاثنين.

وفي اليوم التالي، قال اللواء محمد رضا نقدي، مستشار وحيدي، إن القوة شبه العسكرية يجب أن تكون مستعدة لنقل عملياتها إلى أراضي العدو. ونقلت الصحيفة عن خبير الأجهزة الأمنية الإيرانية في جامعة تينيسي في تشاتانوغا سعيد غولكار قوله إن "ترقية وحيدي تتسق مع قيادة تعد المؤسسة الأمنية لفترة من المواجهة المستدامة، بدلاً من العودة إلى السياسة الطبيعية في زمن السلم".

 

خيارات للتصعيد تصل إلى عمليات برية

وقالت الصحيفة إن الحرس الثوري، الذي يبلغ قوامه نحو 200 ألف عنصر، وضع خططاً لمزيد من التصعيد تشمل ضربات استباقية، وفق مسؤولين إيرانيين وتصريحات علنية. وتتضمن الخيارات تخريب كابلات الإنترنت في الخليج، وإثارة اضطرابات سياسية في دول تضم تجمعات شيعية مثل الكويت والبحرين، وربما تنفيذ عمليات برية في الكويت.

وأشارت إلى أن الكويت تتعامل بجدية مع هذه المخاطر، بعدما قالت في أوائل أيار/ مايو إن قواتها الأمنية اعترضت ستة عناصر من الحرس الثوري استخدموا قارب صيد مستأجراً للنزول على جزيرة كويتية لا يفصلها عن إيران سوى شريط ضيق من الأراضي العراقية. كما اقترحت شخصيات سياسية إيرانية إمكانية تنفيذ الحرس غارات برية عبر جنوب العراق إذا هددت الولايات المتحدة أراضي إيرانية مثل جزيرة خرج.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين خليجيين أن السلوك الإيراني يزيد الغموض بشأن شكل العلاقات مع إيران بعد الحرب، فيما يصعب تقييم حجم الضرر الذي ألحقته الولايات المتحدة وإسرائيل بقدرات الحرس. لكن الواضح، وفق هؤلاء المسؤولين، أن الحرس لم يُهزم ولم يُردع، وأن قبضته على مضيق هرمز عززت موقعه الإقليمي.

 

دول الخليج والقبول باتفاقات غير مواتية

وقالت "وول ستريت جورنال" إن هذا الواقع دفع دول الخليج إلى دعم حتى الاتفاقات غير المواتية التي تعترف بإشراف إيراني على المضيق إذا كانت ستوقف المزيد من التصعيد.

ويشعر قادة المنطقة بإحباط متزايد لعدم حدوث تغييرات جوهرية في سلوك طهران مقابل الجهود الدبلوماسية، فيما تبدو القيادة الإيرانية، التي تهيمن عليها الاعتبارات الأمنية، أكثر ثقة بمطالبها.

ونقلت الصحيفة عن وسطاء أن الدبلوماسيين الإيرانيين وافقوا مطلع الشهر على اتفاق مع سلطنة عُمان لإنشاء مسارات عبر مضيق هرمز والإشراف عليها بما يسمح بإعادة فتحه تدريجياً، لكن الحرس الثوري عرقل تلك الجهود وعاد إلى مهاجمة السفن.

 

ترامب ينتظر تأثير الحصار والعقوبات

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين أنه مع تعثر المفاوضات واستمرار التصعيد الإيراني، تراجع ترامب خطوة إلى الوراء لمعرفة ما إذا كان الضغط الاقتصادي الناجم عن العقوبات والحصار البحري الأميركي سيدفع طهران إلى تليين موقفها. لكن قادة إيران، بحسب "وول ستريت جورنال"، يشككون بشدة في دوافع ترامب ويتجهون تدريجياً نحو "اقتصاد بقاء" يسمح للبلاد بالصمود، فيما حذر مقربون من كبار المفاوضين الإيرانيين من أن محادثات السلام قد لا تكون سوى فترة فاصلة قبل جولة جديدة من الصراع.

وذكرت الصحيفة أن مهدي محمدي، المستشار الاستراتيجي لكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، وصف الجمود الحالي، الثلاثاء، بأنه "الهدوء الذي يسبق العاصفة". كما قال في منشور سابق إن دوافع استمرار الصراع تشمل "مشروعاً جيلياً للثأر بالدم" رداً على مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، والد مجتبى خامنئي، في الضربات الافتتاحية للحرب. ونقلت "وول ستريت جورنال" عن محمدي، وهو أيضاً عضو في فريق التفاوض الإيراني، قوله: "لا يزال لدى الأمة الإيرانية الكثير من الحسابات غير المنجزة مع ترامب"، مضيفاً: "إيران مستعدة للمواجهة الكبرى".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث