مصر وتحالف مكَّة

ناصر زيدانالأحد 2026/08/16
Image-1786819759.Jpg
اتفاقية مكة للدفاع المشترك (انترنت)
حجم الخط
مشاركة عبر

للتحالف الدفاعي الذي أعلن بمكَّة المكرَّمة في 7آب/ أغسطس بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان أهمية كبيرة، وقد كُتب عنه الكثير، إلا أن جانباً مهماً يتعلَّق في هذا التفاهُم الجديد بقيَ بعيداً عن المعالجة. وقد فوجئ المتابعون بغياب مصر عن القمة الثلاثية، وهي كانت شريكاً أساسياً في المحادثات التي سبقت إعلان الاتفاق، ومعنية على شاكلة واسعة بالترتيبات الاستراتيجية التي تستهدف الحدّ من الجنوح المُخيف للسياسة الإسرائيلية، وبضبط انفلاش قوى إقليمية ودولية أخرى، طامعة بزيادة هيمنتها في الإقليم.

والسؤال المطروح: هل تمَّ تهميش مصر وإبعادها عن المرحلة التأسيسية لهذا التحالف؟ أم أن مصر هي التي اختارت الابتعاد عن الانضمام – ولو مؤقتاً – عن هذا الإطار؟

قطبة مخفية تحيط بهذا الموضوع، واحتمالية أن يكون تمَّ التفاهُم عليه مع الأطراف الثلاثة واردة، لكن شيءً من التباين يلوح في الأُفق في ذات الوقت، برغم تأكيد أفرقاء مشروع التعاون العسكري أنه دفاعي لرد أي عدوان، وليس موجهاً ضد أحد، كما أنه مفتوح أمام انضمام دول جديدة تتفق مع دوافعه الاستراتيجية، لكن الفرضية التي تُحيل عدم انضمام مصر للتحالف بسبب ارتباطها بمعاهدة "سلام" مع إسرائيل؛ غير واقعية، فلكل من دول الإعلان اتفاقات مشابهة مع أطراف أخرى، حتى أن تركيا مُلتزِمة بعضوية حلف "الناتو" وتتقيَّد بمعايير أحكامه.

عدة مصادر متابعة، وعدد من المعنيين يؤكدون أن مصر اختارت أن لا تكون في الواجهة حالياً، نظراً لإرتفاع منسوب الحساسيات المُحيطة بها في هذه اللحظة المتوترة من تاريخ المنطقة. فهي على تماس مع ملفات ساخنة في غزَّة وفي السودان وعلى علاقة وطيدة بسوق الغاز الطبيعي، وليس سراً تعاونها مع إسرائيل في هذا السياق، ومنشآتها في دمياط تعرَّضت لاعتداء مجهول بواسطة طائرة مُسيرة، قيل إنها "من صنع إيراني" وتأمين العبور الحرّ في قناة السويس يُلزمها البقاء على علاقة حسنة مع كل الأطراف المعنية بالصراعات.

بالمقابل؛ فإن معلومات أخرى تُشير الى أن اطراف التحالف الجديد فضَّلوا ابعاد مصر عن الواجهة حالياً، وبعض الملفات العالقة بين أنقرة والقاهرة تحتاج لمعالجة إضافية، برغم تأكيد الجانبين لحسن العلاقة بينهما، والرياض لم تتحمَّس بما فيه الكفاية لانضمام القاهرة حالياً، لأن تجارب الماضي القريب بيَّنت أن القيادة المصرية تجنَّبت الانغماس في تداعيات وانعكاسات الحرب الجارية بين ايران من جهة والولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل من جهة ثانية، وبعض الوعود التي قُطعت للدول الخليجية بالتدخُل الفوري إذا ما تعرَّضت هذه الدول لعدوان خارجي؛ لم تحترم كما يجب، برغم أن القاهرة أرسلت سرب من طائرات الرافال المتطورة إلى أبو ظبي خلال الأزمة الحالية، لكنها لم تشارك في العمليات العسكرية، علماً أن الدول الخليجية أعلنت الحياد في الحرب، ولكنها تلقت ضربات موجعة من الجانب الإيراني، ومن دون أية مُبررات، مع الإشارة إلى أن العلاقة بين السعودية ومصر جيدة، ولا يوجد مشكلات بين البلدين، ومصر انضمَّت إلى التحالف الدولي الذي دعت إليه المملكة لحماية ممرات البحر الأحمر وباب المندب.

لاتفاقية مكَّة الدفاعية أهمية كبيرة، ولها دلالات واسعة، وإبعاد الطابع السني من خلال عدم شمولها دول إسلامية أخرى – وتحديداً مصر – لا يعني أن هذا الطابع بعيد عن مضمونها، بصرف النظر عن الأهداف المتعددة التي تنطوي عليها، مع العلم أن النظرة السياسية للإسلام تختلف بين الحلفاء الثلاثة. ومشكلات الاقليم الحساسة على صلة بتكوين الحلف الجديد، برغم حسن النية التي أبداها أطراف المعاهدة وتأكيدهم بعدم وجود أي طموحات هجومية. وأبرز الملفات المرتبطة بالتعاون الثلاثي؛ هي العلاقة المتوترة بين الهند وباكستان، بينما السعودية وتركيا على علاقة طيبة مع نيودلهي. كما للحرب الباردة بين المملكة العربية السعودية ودول الخليج مع ايران صلة بالاتفاق الجديد، والاضطراب القائم بين تركيا وإسرائيل له حصة وازنة في هذا السياق.

بعض الكلام الذي صدر حول تهميش جانب الأمن القومي العربي في الحلف الجديد، غير مبني على عوامل قاطعة، فالمملكة العربية السعودية هي الطرف الأساسي في المعاهدة. كما أن حماية الفضاء العربي يقع في صلب المساحة الدفاعية التي تهدف اليها، ولا يوجد حالياً ما يمنع أي تعاون بين تركيا وباكستان من جهة وأي دولة عربية من جهة ثانية، والانقسام الدولي العمودي الذي كان قائماً في خمسينيات القرن الماضي، غير موجود اليوم إطلاقاً، وعلى العكس من ذلك ففي الاتفاق الجديد رسالة واضحة للولايات المتحدة الأميركية، تُشير الى فشلها في حماية حلفائها، وهؤلاء يستطيعون تأمين مظلَّة أمن مستقلة عنها.

أما التشبيه بين حلف مكة اليوم وحلف بغداد في العام 1955؛ فلا يصحُّ على الإطلاق، فالقطبية الثنائية انتهت، ومصر كانت رأس حربة في الماضي بمواجهة حلف بغداد؛ أما اليوم فهي على علاقة وطيدة مع أطراف حلف مكَّة، وهي قد تنظمّ إليه في المستقبل. 

مما لا يمكن إغفاله في سياق الحديث عن الحلف الجديد؛ الأثر المباشر الذي أحدثه على موازين القوى في المنطقة، برغم أن العبرة تبقى في مدى الالتزام بمندرجاته، وهناك اتفاقيات سابقة متعددة بقيت حبراً على ورق.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث