الثغور والجزر المغربية.. تاريخ من الاحتلال

شفيق طاهرالسبت 2026/08/15
إسبانيا المغرب سبتة Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن فهم قضية سبتة ومليلية بمعزل عن تاريخ التوسع الإيبيري في شمال إفريقيا. فقد كانت سبتة، بحكم موقعها عند مضيق جبل طارق، مدينة مغربية تعاقبت على حكمها دول الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين. وفي سنة 1415 احتلتها البرتغال، قبل أن تنتقل إلى السيطرة الإسبانية ويعترف بذلك في معاهدة لشبونة سنة 1668. أما مليلية، الواقعة في المجال الجغرافي والتاريخي للريف المغربي، فاحتلتها مملكة قشتالة وهي مملكة تاريخية في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1497، بعد سنوات قليلة من سقوط غرناطة وانطلاق الحملات الإسبانية نحو الضفة الجنوبية للمتوسط.

لم يكن وجود إسبانيا في المدينتين نتيجة اندماج طبيعي أو اختيار حر للسكان، بل ثمرة توسع عسكري جرى في مرحلة اتسمت بالتنافس الأوروبي على الموانئ المغاربية. ومنذ حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، ظل يعتبر المدينتين جزءاً من ترابه لم يُستكمل تحريره. وقد عرض ممثلوه قضيتهما أمام الأمم المتحدة بوصفها من بقايا الاستعمار، بينما تصرّ مدريد على اعتبارهما مدينتين إسبانيتين. غير أن طول مدة السيطرة لا يلغي وقوعهما داخل المجال الجغرافي المغربي واتصالهما العضوي بمحيطهما الإفريقي والريفي.

 

الجزر الجعفرية وصخور الساحل وجزيرة ليلى

يمتد الوجود الإسباني إلى مواقع أصغر حجماً، لكنها لا تقل أهمية من الناحيتين السيادية والاستراتيجية. فالجزر الجعفرية أرخبيل من ثلاث جزر يقع في البحر المتوسط على مسافة بضعة كيلومترات من بلدة رأس الماء المغربية بإقليم الناظور، وقد احتلتها إسبانيا سنة 1848. في فترة تنافست فيها القوى الأوروبية على توسيع نفوذها في المغرب. 

وتفرض إسبانيا سيطرتها أيضاً على جزر الحسيمة، وهي مجموعة تتألف من صخرة الحسيمة، المعروفة كذلك بصخرة النكور، وجزيرتي البحر والبر، وتقع قبالة مدينة الحسيمة وعلى مسافة قصيرة من الساحل المغربي المتوسطي.

أقامت إسبانيا حامية دائمة على صخرة الحسيمة سنة 1673، وظلت الجزر منذ ذلك الحين موضع مطالبة مغربية، كما تسيطر إسبانيا منذ سنة 1564 على صخرة بادس، المعروفة أيضا بصخرة قميرة، والواقعة بمحاذاة الساحل المغربي في إقليم الحسيمة. وكانت الصخرة جزيرة منفصلة، قبل أن يحولها تراكم الرمال سنة 1934 إلى شبه جزيرة متصلة باليابسة المغربية ببرزخ رملي ضيق، فأصبح الوجود الإسباني فيها قائماً فوق نقطة ملتصقة باليابسة المغربية.

وتكشف جزيرة ليلى، المعروفة إسبانيّاً باسم بيريخيل، استمرار هذا النزاع. تقع الجزيرة على بعد مئات الأمتار من الساحل المغربي، وهي غير مأهولة ولا توجد معاهدة حاسمة ومتفق عليها بين الطرفين تحدد سيادتها. وفي تموز/يوليو 2002، نزلت عليها قوة مغربية، فردت إسبانيا بعملية عسكرية أخرجتها من الجزيرة. ثم أعادت وساطة أميركية الوضع السابق، فانسحب الطرفان وبقيت الجزيرة خالية من الوجود العسكري الدائم، من دون تسوية الخلاف السيادي.

 

الكناري وازدواجية الموقف الإسباني

تقع جزر الكناري على مسافة تقارب مئة كيلومتر من الساحل الإفريقي. وتؤكد الأبحاث الأثرية والجينية أن سكانها الأصليين ينحدرون من جماعات شمال إفريقية أمازيغية وصلت إلى الأرخبيل قبل الغزو الأوروبي بقرون. وقد احتفظ هؤلاء بلغاتهم وعاداتهم ونظمهم الاجتماعية إلى أن بدأت مملكة قشتالة إخضاع الجزر سنة 1402، واكتمل احتلالها سنة 1496. ورافق الغزو قتل واسترقاق وترحيل وتنصير قسري، ثم جرى دمج الناجين في المجتمع الجديد.

لكن الدقة تقتضي التفريق بين الكناري والثغور الساحلية، فجذور الكناري أمازيغية إفريقية وصلتها الجغرافية بالمغرب الكبير واضحة، غير أنها اليوم إقليم إسباني يتمتع بالحكم الذاتي، ولا يتبنى المغرب مطالبة رسمية معلنة بالسيادة عليها. أما سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وصخور الحسيمة وبادس وجزيرة ليلى، فينظر إليها المغرب باعتبارها مرتبطة بوحدته الترابية.

ويبرز هنا تناقض سياسي لافت، إذ تطالب إسبانيا باسترجاع جبل طارق من بريطانيا باسم الوحدة الترابية، لكنها ترفض مناقشة المطالب المغربية المتعلقة بالثغور الموجودة على الساحل المغربي. ورغم اختلاف الظروف القانونية والتاريخية بين الملفين، تظل المقارنة قوية رمزياً، إذ لا يستقيم رفض آثار الاحتلال في جبل طارق والدفاع عنها في شمال المغرب. ومن ثم، فإن استرجاع هذه الثغور عبر الحوار والتفاوض السلمي يمثل، في الوعي المغربي، استكمالاً لمسار التحرر وإغلاقاً لآخر ملفات التوسع الاستعماري على الساحل الشمالي للمملكة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث