دخلت إسرائيل، مع مطلع آب/ أغسطس 2026، أكثر لحظاتها ازدحاماً بالمنعطفات منذ عقود: حكومة يمينية متطرفة تخوض آخر أسابيعها قبل انتخابات مبكرة محسومة الموعد، ومسار تفاوضي مأزوم في غزة بين إعلان أميركي عن "اتفاق تام" لنزع سلاح حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ورفضٍ إسرائيلي فعلي لم يُعلَن رسمياً حتى تاريخ إعداد هذه القراءة، ومشروع ضم زاحف في الضفة الغربية يتسارع عشية الاقتراع، إلى جانب تراجع مؤسسي وقضائي متواصل منذ تشكيل الحكومة الحالية أواخر عام 2022. هذه المسارات الأربعة - البرلماني والقضائي، والاستيطاني في الضفة، والميداني في غزة، والخارجي - لم تعد منفصلة، بل باتت اليوم تتقاطع جميعها عند نقطة واحدة: صندوق الاقتراع المقرر فتحه في 27تشرين الأول/ أكتوبر 2026.
أولاً: التراجع المؤسسي وتآكل الضوابط (الكنيست الـ25)
شكّلت ولاية الكنيست الـ 25 (2022- 2026) أطول ولاية لبرلمان إسرائيلي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي المرة الأولى منذ عام 1988 التي تُكمل فيها حكومة بقيادة بنيامين نتنياهو مدتها كاملة من دون أن تنجح المعارضة في إسقاطها أو تقديم موعد الانتخابات. وقد استغل الائتلاف الحاكم هذا المدى الزمني الطويل لإحداث تغييرات جذرية في البنية المؤسسية والقضائية، إذ قُدّم خلال هذه الفترة 263 مشروع قانون اعتُبرت مساساً بالحقوق الأساسية وسيادة القانون، أُقر منها 28 مشروعاً بشكل نافذ.
- مفارقة النظام الإسرائيلي في سياق الأبارتهايد
يتطلب فهم النقاش حول تآكل الضوابط المؤسسية ربطه بالطبيعة البنيوية للمشروع الاستعماري؛ إذ يُسلط مفهوم "الديمقراطية العرقية" (Ethno-democracy) الضوء على تناقض جوهري: في مجتمع قائم على الفصل العنصري والهيمنة الاستيطانية، ظلت "الديمقراطية" تُمارس تاريخياً كآلية إجرائية داخلية لتوزيع السلطة بين المكونات اليهودية فقط، بينما يُحرم الشعب الفلسطيني الخاضع للاحتلال من أصل الحقوق السياسية والمدنية. واللافت أن الأدوات التشريعية وآليات الاستثناء التي صُممت أصلاً لترسيخ الاحتلال ضد الفلسطينيين، ارتدّت إلى الداخل الإسرائيلي نفسه، إذ باتت الحكومة تُسخّرها لتفكيك الضوابط المؤسسية ومحاصرة القضاء، وهو ما يُعبَّر عنه بمفهوم "التراجع الديمقراطي" (Democratic Backsliding): نمط لا تُهدم فيه الأنظمة عبر انقلابات خاطفة، بل عبر تآكل تدريجي تقوده حكومة منتخبة. هذا التراجع يتمفصل عبر المحطات التالية:
- المساس المنهجي باستقلالية القضاء
تسييس تعيين القضاة: تغيير تركيبة لجنة اختيار القضاة عبر استبدال ممثلي نقابة المحامين بممثلين يختارهما الائتلاف والمعارضة، ومنح القوى السياسية حق النقض على تعيين قضاة المحكمة العليا.
تعطيل التعيينات: استغل وزير العدل شرط "التوافق الواسع" لتعطيل لجنة اختيار القضاة، ما أبقى المحكمة العليا تعمل بـ11 قاضياً من أصل 15 لفترات طويلة، وسط تراكم القضايا في المحاكم الأخرى.
إلغاء "حجة المعقولية": شُرّع قانون يحد من رقابة المحكمة العليا على قرارات الحكومة عام 2023، وألغته المحكمة نفسها مطلع 2024، لكن المحاولة كشفت حدة الاستهداف.
إضعاف رئاسة المحكمة العليا: تعطيل تعيين رئيس المحكمة لأشهر خرقاً لعرف الأقدمية، مصحوباً بحملات تحريض وتهديدات أمنية ضد القضاة، وطرح "فقرة التغلب" لتمرير القوانين الملغاة بأغلبية 61 عضواً.
- تقويض سيادة القانون بإضعاف المؤسسات
تجريد المستشارة القانونية للحكومة من صلاحياتها، ومحاولة إقالة غالي بهاراف-ميارة عام 2025 التي ألغتها المحكمة العليا.
إنهاء ولاية رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) عام 2025 في ظروف قضت المحكمة بعدم قانونيتها، وعرقلة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة في أحداث 7 أكتوبر لصالح لجنة سياسية.
تشريعات شخصية (تعيين أرييه درعي، "قانون التعذر"، "قانون طبريا") وتزايد الاعتماد على أنظمة الطوارئ وتطبيقات المراسلة لإقرار قرارات حاسمة.
ثانياً: هندسة المجال في الضفة الغربية.. تسارع الضم قبيل صندوق الاقتراع
ما يجري في الضفة الغربية ليس تصعيداً استيطانياً تقليدياً، بل إعادة هيكلة شاملة لمنظومة الحكم ومحوٌ عملي لحل الدولتين، انتقل من إدارة الصراع إلى سؤال الحسم وهندسة الجغرافيا والإنسان لجعل قيام دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً مادياً. والأهم أن هذا المسار يشهد تسارعاً ملحوظاً خلال الأشهر الأخيرة، إذ يسعى قادة اليمين المتطرف - وفي مقدمتهم وزير المالية بتسلئيل سموتريتش - إلى "تثبيت التغييرات" وعرضها كإنجاز انتخابي قبل موعد الاقتراع في تشرين الأول.
- هندسة الضم والتوسع الاستيطاني
منذ توقيع مذكرة التفاهم في شباط/ فبراير 2023 بين نتنياهو وغالانت وسموتريتش، نُقلت قطاعات واسعة من الشؤون المدنية والتخطيطية من الإدارة العسكرية إلى "إدارة الاستيطان" السياسية التابعة لوزارة الأمن، فيما تحولت منظمات استيطانية مثل "ريغافيم" و"أمانا" إلى أذرع تنفيذية شبه حكومية. وأعلن سموتريتش نفسه، في تموز/ يوليو 2026، أن حكومته صادقت منذ توليها السلطة على إنشاء 104 مستوطنات جديدة ونحو 160 بؤرة استيطانية رعوية، واصفاً ذلك بأنه "جدار واقٍ" لمدن إسرائيلية، فيما خصص المجلس الوزاري المصغر (الكابينت) في تموز/ يوليو 2026 وحده نحو 434 مليون دولار لإنشاء 34 مستوطنة إضافية. وأعاد سموتريتش إلى الواجهة مشروع "E1" الذي يربط مستوطنة "معاليه أدوميم" بالقدس عبر آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، في خطوة تفصل جغرافياً بين محافظتي رام الله وبيت لحم وتقطع التواصل بين شمال الضفة وجنوبها.
وقد نتج عن ذلك إعلان نحو 30 ألف دونم كـَ "أراضي دولة" (الرقم الأعلى منذ 1993)، وارتفاع معدل هدم المنشآت الفلسطينية إلى أكثر من 1000 منشأة سنوياً خلال عامي 2024 و2025، بينما ارتفع عدد المزارع الاستيطانية الرعوية من 50 مزرعة عام 2022 إلى نحو 140 مزرعة عام 2026، سيطر عبرها المستوطنون على أكثر من مليون دونم مقارنةً بـِ 200 ألف دونم فقط هي المساحة المبنية لكل المستوطنات القائمة. وفي شباط 2026 أُلغي الحظر على بيع أراضي شمال الضفة (المخلاة عام 2005) للإسرائيليين، ورُفعت السرية عن سجلاتها، وأُبطلت إجراءات التسوية العقارية التابعة للسلطة الفلسطينية، لتتمدد الصلاحيات الإسرائيلية عملياً إلى منطقتي (أ) و(ب).
"رغم أن الرئيس ترامب منع إسرائيل من إعلان السيادة الرسمية على الضفة، فإن الحكومة الحالية تنفذ ضماً فعلياً واضحاً على الأرض" - يوني مزراحي، رئيس فريق مراقبة الاستيطان في حركة "السلام الآن".
وتؤكد تقارير إسرائيلية أن هذا التسارع الاستيطاني مرتبط مباشرة بالتقويم الانتخابي: فمع دخول الحكومة الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل موسم الحملات، يسابق الوزراء الزمن لتظهير "إنجازاتهم" الأيديولوجية أمام قواعدهم الانتخابية، ويسعى قادة المستوطنين تحديداً إلى ترسيخ واقع ميداني يصعب التراجع عنه أياً كانت نتيجة صناديق الاقتراع.
- الضفة على حافة الانفجار وأزمة الجيش
تدفع هذه السياسات الهجومية الضفة الغربية نحو حافة الانفجار في ظل فجوة واسعة بين المطالب السياسية وقدرة الجيش الفعلية. وتحذر تقديرات المؤسسة الأمنية من أن الهدوء في الضفة هش للغاية، وأن مجرد حادثة فردية قد تقلب الوضع رأساً على عقب، فيما يشدد مسؤولون عسكريون على أن معضلتهم الأساسية اليوم ليست المقاومة الفلسطينية بل "العنف اليهودي" واعتداءات المستوطنين المسلحين التي لا يحسم الجيش في منعها. ووجّه وزير الأمن يسرائيل كاتس بالاستعداد لاحتلال مخيمات إضافية (بلاطة وقلنديا والجلزون) وفق نموذج جنين وطولكرم، إلا أن هذه الخطط تصطدم بنقص فعلي في عديد الجيش وموارده، الذي ينشر أكثر من 24 كتيبة في الضفة وحدها فضلاً عن التزاماته في غزة وجنوب لبنان وسورية وجاهزيته تجاه إيران. وقد أظهرت دراسات عسكرية داخلية أن الوحدات التي تقاتل بوتيرة متواصلة لأكثر من 60 يوماً تتعرض لتدهور حاد في الانضباط، وهو ما تجلّى في حادثة تمرد جنود لواء "غفعاتي" وتراجع قدرة القيادة العليا على فرض الخطوط الحمراء المهنية.
ثالثاً: غزة.. من إعلان ترامب "الاختراق" إلى الجمود الفعلي
بعد أن نزح أكثر من 1.9 مليون فلسطيني في ظروف كارثية وانهيار كامل للقطاع الصحي، وارتفعت الحصيلة التراكمية لحرب الإبادة منذ 7 أكتوبر 2023 إلى أكثر من 73,335 شهيداً و174,052 مصاباً، ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، أدت الخروقات الإسرائيلية اليومية إلى سقوط 1,209 شهداء و3,943 مصاباً إضافيين وانتشال 803 جثامين، دخل الملف في أواخر تموز/ يوليو 2026 منعطفاً حاسماً أعلن خلاله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منصته "تروث سوشال"، التوصل إلى اتفاق لنزع السلاح الكامل من حماس والفصائل.
- خارطة طريق "مجلس السلام" وتمسك حماس بالمقابل
نشر "مجلس السلام" الذي يترأسه نيكولاي ملادينوف، في 31 تموز/ يوليو 2026، خريطة طريق من 15 بنداً لاستكمال المرحلة الثانية من خطة النقاط العشرين، تنظم انتقال الحكم والأمن إلى "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" برئاسة علي شعث، ونشر "قوة استقرار دولية" بالتعاون مع شرطة فلسطينية جديدة، مقابل انسحاب إسرائيلي مرحلي متزامن مع نزع السلاح، على أن يُعَد جدول زمني للتنفيذ خلال 14 يوماً من موافقة جميع الأطراف. وأعلنت حماس رسمياً، في بيان صدر الجمعة الأول من آب، موافقتها على مقترح الوسطاء (مصر وقطر وتركيا)، لكنها اشترطت التزام إسرائيل أولاً بوقف الهجمات واستكمال الانسحاب المتفق عليه سابقاً وتوسيع إدخال المساعدات، مؤكدة عبر قيادي بارز فيها أنها لن تتخذ أي خطوة بشأن سلاحها قبل انسحاب القوات الإسرائيلية، وأن نزع السلاح جزء من عملية مشتركة وليس التزاماً أحادياً.
- صمت نتنياهو وشروط إسرائيل المضادة
حتى الرابع من آب/ أغسطس 2026 - أي بعد أكثر من ثلاثة أيام على إعلان حماس موافقتها - لم يُصدر نتنياهو رداً رسمياً على خارطة الطريق، واكتفى مكتبه ببيانات تؤكد أن "إسرائيل لن تنسحب من خط المواجهة الحالي وستواصل التصدي لأي تهديد"، ورفض قاطع للعودة إلى خط الترسيم الأصلي المتفق عليه في اتفاق شرم الشيخ لتشرين الأول/ أكتوبر 2025. وأفادت وكالة "أسوشيتد برس"، نقلاً عن مصادر مطلعة، بأن إسرائيل طالبت بتدمير أسلحة حماس فور مصادرتها بدل تخزينها لدى اللجنة الوطنية، واستبعاد قطر وتركيا من لجنة التحقق رغم دورهما المحوري في الوساطة، والاحتفاظ بحرية تنفيذ عمليات عسكرية داخل القطاع كلما ارتأت وجود تهديد - وهو ما يفرغ عملياً بند وقف العمليات العسكرية من مضمونه. وفي مقطع فيديو نشره مساء الثلاثاء 4 آب/ أغسطس، قال نتنياهو إن فريق ترامب "يعتقد أنه يستطيع نزع سلاح حماس وتجريد غزة منه. نحن ندرس هذا الاحتمال"، في تصريح ما زال بعيداً عن القبول الصريح.
وقد وسّع الجيش الإسرائيلي موقعه الميداني الفعلي من 52% من مساحة القطاع (وفق اتفاق شرم الشيخ) إلى أكثر من 65% حالياً عبر التمدد وتثبيت محاور مثل نتساريم وفيلادلفيا، مع مطالبة نتنياهو بزيادته إلى 70% وتثبيته كشرط تفاوضي. وكشف بيان "مجلس السلام" نفسه عن انحياز متزايد للموقف الإسرائيلي، بعد اجتماع وُصف بـ"الصعب" بين ملادينوف ونتنياهو، إذ أعلن المجلس أن "الانسحاب الكامل للجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأصفر لن يتم إلا بعد استكمال نزع السلاح بالكامل"، بما يتناقض صراحة مع تفاهمات شرم الشيخ التي نصت على تموضع الجيش خلف الخط فوراً ثم الانسحاب التدريجي بالتزامن مع تفكيك السلاح.
- الرفض الإسرائيلي الرسمي.. ورد حماس وواشنطن
في افتتاح جلسة الحكومة الإسرائيلية يوم الأحد 9 آب/ أغسطس 2026، أنهى نتنياهو حالة الصمت التي وصفتها هذه القراءة سابقاً، معلناً بشكل رسمي وصريح رفض إسرائيل لوثيقة "مجلس السلام" ذات الخمسة عشر بنداً، مكرراً أن الجيش "لن ينسحب على الإطلاق حتى يتم نزع سلاح حماس بشكل حقيقي" يشمل "الأسلحة الثقيلة والخفيفة كلها بلا استثناء"، وأنه لن تقوم دولة فلسطينية "لا في غزة ولا في الضفة الغربية" ما دام في منصبه. ورحّب وزراء اليمين المتطرف بالموقف، إذ اعتبر سموتريتش أن الجيش "لا يمكن أن يتراجع ولو لمليمتر واحد" في غزة، فيما يسيطر الجيش الإسرائيلي فعلياً على أكثر من نصف مساحة القطاع.
وردّت حماس، بعد أيام من انتخاب خليل الحية رئيساً لمكتبها السياسي، عبر عضو مكتبها السياسي باسم نعيم، بالتأكيد على تمسكها بخارطة الطريق ودعوة الوسطاء و"الضامن الأميركي" للضغط على نتنياهو لإلزامه بها وعدم تعطيل المسار "لأسباب سياسية وانتخابية داخلية"، بينما دانت مصر وقطر وتركيا الرفض الإسرائيلي، ووصف الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي تصريحات نتنياهو بأنها "استخفاف صريح بالإرادة الدولية" يقوّض فرص التسوية.
أما الإدارة الأميركية فلم تصدر رداً رسمياً فورياً، وتحدثت تقارير عن أنها "غير منزعجة" من تصريحات نتنياهو، معتبرة إياها جزءاً من الخطاب الانتخابي قبيل الثامن والعشرين من تشرين الأول. وأعلن ترامب لاحقاً أنه يحتفظ بـِ "رد جيد" من دون الإفصاح عنه، وربط الملف الفلسطيني بملف إيران قائلاً إن الاتفاق "يُظهر مدى النجاح الذي نحققه مع إيران" دون تفاصيل إضافية - وهو ما يُبقي مصير خارطة الطريق مرهوناً، أكثر فأكثر، بحسابات نتنياهو الانتخابية الداخلية أكثر من ارتهانه بضغط أميركي فعلي.
- رفض اليمين المتطرف وضغطه على نتنياهو
وصف وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير الاتفاق الذي وافقت عليه حماس بأنه "غير مقبول"، ودعا لمواصلة استهداف قادة الحركة والتركيز على تشجيع الهجرة والقضاء التام عليها.
طالب بتسلئيل سموتريتش وأوريت ستروك نتنياهو بعقد اجتماع فوري للمجلس الوزاري الأمني ومنع دخول "قوة الاستقرار الدولية" إلى غزة، رغم أن الكابينت نفسه أقر هذه الخطوة سابقاً، كما طالب سموتريتش نتنياهو صراحة بإعلان رفضه الرسمي لبيان مجلس السلام ذي الخمسة عشر بنداً.
هدد سموتريتش بالتشاور مع حاخامات بالانسحاب من الائتلاف الحكومي احتجاجاً على أي صفقة تُنهي الحرب، ما دفع نتنياهو لعقد لقاءات مباشرة معه ومع بن غفير في محاولة لثنيهما عن الاستقالة قبيل الانتخابات.
وصف أحد نواب "الليكود" (أميت هاليفي) الاتفاق بأنه "لا قيمة له ولا معنى"، في مؤشر على اتساع التململ داخل حزب نتنياهو نفسه.
- موقف الوسطاء والولايات المتحدة
أدانت مصر وقطر وتركيا الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة واستهداف المنشآت الطبية، محذرة من أن استمرارها يقوّض الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، مؤكدة أن الفصائل الفلسطينية أوفت بمسؤولياتها. وفي المقابل، تحاول واشنطن إدارة الخلاف بحذر دون مواجهة علنية مع نتنياهو، إذ لا تملك أدوات ضغط مباشرة رغم تشديد مسؤوليها على ضرورة الانسحاب خلف الخط الأصفر وإدخال المساعدات، مع تلميحات إلى أن ترامب سيكون "محبطاً جداً" إذا تنصلت إسرائيل من التزاماتها. ويبدو حتى تاريخ إعداد هذه القراءة أن مصير الاتفاق مرهون إلى حد بعيد بالحسابات الانتخابية الداخلية لنتنياهو أكثر من ارتهانه بمنطق تفاوضي متماسك.
رابعاً: انتخابات الكنيست السادسة والعشرون... استفتاء على عصر نتنياهو
في 17 تموز/ يوليو 2026 صوّت الكنيست على حل نفسه، بعد إكماله ولايته الكاملة للمرة الأولى منذ عام 1988، لتحدد لجنة الانتخابات المركزية يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر 2026 موعداً للاقتراع العام، فيما يتوجب على الأحزاب تقديم قوائمها النهائية بحلول 8 أيلول/ سبتمبر. ويُنظر إلى هذا الاستحقاق - الذي يخوضه نتنياهو (76 عاماً) طامحاً لولاية جديدة تُمدد له أطول فترة حكم في تاريخ إسرائيل - باعتباره استفتاءً شعبياً مباشراً على أدائه طوال أربع سنوات شهدت هجوم 7 أكتوبر، وحرب الإبادة في غزة، والتصعيد مع لبنان وإيران، ومحاولات "الانقلاب القضائي".
- تصدّر آيزنكوت وتصدّع معسكر اليمين
أظهرت سلسلة استطلاعات متتالية خلال تموز/ يوليو وآب/ أغسطس 2026 تراجعاً غير مسبوق لحزب "الليكود" الحاكم لصالح حزب "يَشار" الجديد بزعامة رئيس الأركان الأسبق غادي آيزنكوت، الذي استقال من مجلس الحرب الإسرائيلي خلال حرب غزة وقدّم نفسه بديلاً لقيادة نتنياهو مستفيداً من صورته العسكرية. فبحسب استطلاع لهيئة البث "كان" نقلته صحيفة هآرتس، تقدّم "يَشار" بـ24 مقعداً مقابل 23 لليكود، بينما رجّح استطلاع لاحق أجرته مؤسسة "لازار للأبحاث" لصحيفة "معاريف" تقدّم آيزنكوت بفارق أكبر بلغ 27 مقعداً مقابل 20 فقط لليكود - وهو أكبر انخفاض لحزب نتنياهو منذ حزيران/ يونيو 2025. وعلى صعيد الأفضلية الشخصية لرئاسة الحكومة، أظهر استطلاع أواخر تموز/ يوليو فارقاً قياسياً بلغ عشر نقاط لصالح آيزنكوت (48% مقابل 38% لنتنياهو)، وإن أظهرت استطلاعات لاحقة في مطلع آب/أغسطس تقارباً أكبر بين الاثنين (نحو 46-47% لآيزنكوت مقابل 38-40% لنتنياهو)، ما يعكس تقلباً واضحاً في المزاج الانتخابي مع اقتراب موعد الاقتراع.
وتشير التقديرات إلى أن أحزاب المعارضة الصهيونية مجتمعة قد تحصل على نحو 55 مقعداً مقابل 51 للائتلاف الحاكم، بينما تحصد القائمتان العربيتان معاً نحو 9-10 مقاعد، وهو ما قد يمنح كتلة يسار الوسط - بحسب أحد الاستطلاعات - القدرة على بلوغ الأغلبية النيابية (61 مقعداً) من دون الحاجة إلى التحالف مع أحزاب فلسطينيي 48 أو الأحزاب الحريدية، عبر التعاون مع شخصيات يمينية معتدلة مثل جلعاد أردان ويولي إدلشتاين وإيليت شاكيد. ورغم هذا التقدم، أعلن آيزنكوت عزمه تشكيل "حكومة وطنية موسعة لا يمينية ولا يسارية" قد تعتمد على الأحزاب العربية إذا فاز، بينما تظهر استطلاعات الرأي أن 55% من الإسرائيليين يعارضون انضمام حزب عربي كـ"القائمة الموحدة" إلى أي ائتلاف حكومي مقبل - ما يكشف حدود المناورة المتاحة لأي بديل عن نتنياهو.
- منافسون آخرون ومشهد حزبي متشظٍّ
إلى جانب آيزنكوت، يبقى المشهد مفتوحاً على مرشحين آخرين للمعارضة: نفتالي بينيت الذي يتقدم على نتنياهو في بعض الاستطلاعات بفارق نحو 5 نقاط، وأفيغدور ليبرمان الذي يخسر أمام نتنياهو في المواجهات الثنائية لكنه يحافظ على قاعدة صلبة، ويائير غولان الذي اتهم نتنياهو بإضعاف نفوذ إسرائيل في واشنطن. وتُظهر استطلاعات التفضيل داخل معسكر المعارضة نفسه تصدّر آيزنكوت (45%) يليه بينيت (25%) ثم ليبرمان (11%) فغولان (10%)، في مؤشر إلى أن التحدي الأكبر أمام المعارضة قد لا يكون هزيمة نتنياهو بقدر ما هو توحيد قوائمها المتعددة قبل موعد التقديم النهائي في أيلول/ سبتمبر. وفي المقابل، يخوض حزب الليكود حملته مستنداً إلى شعارات أمنية صريحة ومهاجماً آيزنكوت عبر إعلانات مثيرة للجدل، وسط تحذيرات متزايدة من حملات تضليل رقمي وتزييف عميق وهجمات إلكترونية قد تستهدف الثقة بنتائج الاقتراع نفسه.
"مذعور، وحملته تقوم على الأكاذيب" - غادي آيزنكوت، معلّقاً على هجمات نتنياهو الانتخابية ضده.
ويربط كثير من المحللين تسارع خطوات الضم في الضفة، وتعثر إسرائيل في حسم موقفها من اتفاق غزة، وتصعيد لهجة اليمين المتطرف، مباشرة بهذا الاستحقاق الانتخابي: فكل قرار عسكري أو سياسي بات مرهوناً بتأثيره على معادلة الأصوات، بما في ذلك مصير الائتلاف الحاكم نفسه إذا ما نفّذ سموتريتش أو بن غفير تهديداتهما بالانسحاب منه قبل موعد الاقتراع.
خامساً: العزلة الدولية وتآكل العلاقات الخارجية
شهد عام 2026 تدهوراً غير مسبوق في المكانة الدولية لإسرائيل. فقد تحولت العلاقة مع واشنطن إلى تبعية شبه مطلقة، إذ بات الرئيس دونالد ترامب يفرض إملاءات أمنية وسياسية وفق مصالح أميركية خالصة، وتجلى التهميش الإسرائيلي بوضوح خلال زيارة نتنياهو الأخيرة لواشنطن حين بُحثت خيارات إقليمية تخص إيران دون حسم إسرائيلي فعلي. وفي سياق التجاذبات، طرح نتنياهو خفض المساعدات العسكرية الأميركية تدريجياً إلى صفر خلال عشر سنوات لتحويل العلاقة إلى شراكة تقنية بدل الاعتماد المالي المباشر.
إيران: أدارت واشنطن مفاوضات مباشرة مع طهران برعاية باكستانية من دون مشاركة إسرائيلية، لتخرج إيران بمكاسب وسيادة معززة دون إسقاط نظامها، بينما بات نتنياهو يترك قرار أي تحرك عسكري بيد ترامب.
لبنان: أجبرت "ورقة الإطار الإسرائيلي اللبناني"، التي تبلورت إثر مفاوضات بين الرئيس اللبناني وترامب في واشنطن، تل أبيب على توقيع اتفاق لسحب قواتها، وبدأ فعلياً انسحاب تجريبي من بلدات جنوبية مثل زوطر الغربية.
المقاطعة القانونية: تقدمت دعوى الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية، وأصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف بحق مسؤولين إسرائيليين، وفرضت دول أوروبية عقوبات على مستوطنين ومنظماتهم، وهذا ما دفع الحكومة الإسرائيلية لتصعيد عزلتها بقطع العلاقات مع مكتب الأمين العام للأمم المتحدة ومقاطعة الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي.
التهميش الإقليمي: وقعت تركيا والسعودية وباكستان في 7٧ آب/ أغسطس 2026 في مكة المكرمة اتفاقية أمنية مشتركة توفر إطاراً إقليمياً بديلاً يُهمّش إسرائيل، فيما رفضت الرياض والدوحة طلب ترامب التطبيع من دون مسار موثوق لإقامة دولة فلسطينية.
سادساً: انعكاسات أزمة مضيق هرمز على المشهد الإسرائيلي
منذ 28 شباط/ فبراير 2026، تعيش المنطقة على وقع "أزمة مضيق هرمز" التي فجّرتها ضربات عسكرية أميركية-إسرائيلية مشتركة على إيران، فردّت طهران بهجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة على إسرائيل وقواعد أميركية ودول خليجية، وحذّر الحرس الثوري من عبور المضيق - الذي يمر عبره نحو 20 مليون برميل نفط يومياً أي نحو خمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً - ما أوقف الملاحة فيه فعلياً لفترات متقطعة. ورغم أن هذا المسار منفصل شكلياً عن ملف غزة، فإنه يتقاطع مباشرة مع الحسابات الانتخابية والاستراتيجية الإسرائيلية التي تناولتها هذه القراءة.
- تصعيد متجدد وحصار بحري أميركي
تجدد التصعيد مطلع آب/ أغسطس 2026 بعد فترة مفاوضات متقطعة: استهدف الحرس الثوري الإيراني ناقلة إماراتية تابعة لشركة "أدنوك" بصاروخ أثناء عبورها المضيق في 8 آب/ أغسطس، فأدانت الإمارات وقطر الهجوم بشدة، بينما أعاد ترامب فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية وأعلن الجيش الأميركي استهداف سفينة حاولت خرقه. وأعلن ترامب أن بلاده أزالت الألغام من المضيق بأكمله، فيما أكد المتحدث باسم الحرس الثوري أن إعادة فتحه مرهونة بشروط إيرانية منفصلة عن مفاوضاتها التقنية مع سلطنة عُمان حول تنظيم حركة العبور.
- مفاوضات عُمانية-إيرانية وتفاوت المواقف الأميركية
تحدث وزير الدفاع الباكستاني عن اقتراب واشنطن وطهران من "تفاهم"، وتناقلت تقارير عن ترتيب مؤقت لستين يوماً يقضي بتوجيه السفن عبر ممر جنوبي في المياه العُمانية دون رسوم، وتطهير الممر الأوسط من الألغام خلال ثلاثين يوماً، على أن يقابله رفع أميركي للحصار البحري وتخفيف للعقوبات النفطية. غير أن أميناً عاماً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني شدد على بقاء المضيق مغلقاً حتى تغيّر واشنطن سلوكها، بينما ربط ترامب أي اتفاق بمطالب تعويضات عن حوادث سابقة وأضرار إقليمية، ما عقّد أفق الحل السريع وأبقى أسعار النفط العالمية متقلبة (تراوحت بين أقل من 80 وأكثر من 83 دولاراً للبرميل خلال الأسابيع الأخيرة).
- التقاطع مع الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي
يمثل ملف هرمز سلاحاً ذا حدين بالنسبة لإسرائيل قبيل السابع والعشرين من تشرين الأول: فمن جهة، يتيح ربط ترامب المتكرر للملف الفلسطيني بـِ "النجاح" الذي يدّعيه مع إيران غطاءً سياسياً لنتنياهو لتصوير تشدده في غزة جزءاً من "انتصار" أوسع على طهران ووكلائها. ومن جهة أخرى، تستنزف الأزمة الخليجية جزءاً من الاهتمام والنفوذ الأميركيين الذي كان يمكن توجيهه للضغط على إسرائيل بشأن غزة - وهو ما رصدته تقارير إسرائيلية حين وصفت ترامب بأنه "مشغول بحرب إيران" أثناء تعليقه على خطة غزة مطلع آب/ أغسطس. كما تُبقي الجاهزية الإيرانية عبئاً إضافياً على مؤسسة عسكرية موصوفة أصلاً بأنها منهكة على جبهات الضفة ولبنان وسورية وغزة معاً، ما يغذي مباشرة المعركة الانتخابية بين نتنياهو وآيزنكوت حول من يمتلك المصداقية الأمنية الأوفر وسط حروب متعددة الجبهات لم تُحسم بعد.
سابعاً: الاتفاق النووي الأميركي-السعودي.. صداع استراتيجي إضافي
شكّل إعلان وزارة الطاقة الأميركية، في 22 تموز/ يوليو 2026، عن توقيع اتفاق تعاون نووي مدني مع السعودية وفق المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأميركي لعام 1954، حدثاً مفصلياً أثار عاصفة داخل الدوائر الأمنية الإسرائيلية. ويتيح الاتفاق للشركات الأميركية بناء وتطوير البرنامج النووي السعودي، لكن غياب "المعيار الذهبي" (Gold Standard) الذي يمنع صراحة تخصيب اليورانيوم محلياً دفع خبراء إسرائيليين إلى اعتبار أن الرياض باتت عملياً "دولة عند العتبة النووية"، ما قد يُحفز سباق تسلح إقليمياً. واعتبر المعارض نفتالي بينيت الاتفاق "إخفاقاً استراتيجياً خطيراً"، فيما اكتفى مكتب نتنياهو ببيان مقتضب يرحب بفرصة انضمام السعودية لـ"اتفاقيات أبراهام"، بينما أوضح ترامب أن الاتفاق مشروط بانضمام السعودية للسلام وتعهدها بعدم التخصيب العسكري.
خاتمة: انتخابات في ظل صراع لم يُحسم
تُظهر هذه القراءة العاجلة أن إسرائيل تدخل استحقاقها الانتخابي في 27 تشرين الأول/ أكتوبر وهي أسيرة أزمة بنيوية مركبة لم تُحل بل تعمّقت: تراجع مؤسسي ودستوري متواصل، وضم زاحف في الضفة الغربية يتسارع مع اقتراب الاقتراع بدل أن يتباطأ، واتفاق غزة معلّق بين إعلان أميركي متفائل ورفض إسرائيلي فعلي غير مُعلن، وتهديدات متجددة من وزراء اليمين المتطرف بإسقاط الحكومة قبل أن تُسقطها صناديق الاقتراع. والمفارقة أن الحسابات الانتخابية باتت هي نفسها المحرك الأساسي لقرارات نتنياهو الميدانية والسياسية، من التلكؤ في الرد على خارطة طريق "مجلس السلام" إلى تسريع مشاريع الاستيطان، بما يجعل من الصعب الفصل بين ما هو موقف استراتيجي وما هو مناورة تعبئة انتخابية.
وفي المقابل، يبقى تقدّم غادي آيزنكوت في استطلاعات الرأي مؤشراً على تصدّع حقيقي داخل قاعدة اليمين الحاكم، لكنه لا يعني بالضرورة تحولاً جوهرياً في الموقف الإسرائيلي الرسمي من الملفين الفلسطيني والإقليمي، إذ يتقاطع مرشحو المعارضة أنفسهم مع الائتلاف الحاكم في رفض قيام دولة فلسطينية ذات سيادة كاملة، وإن اختلفوا معه في إدارة الأزمة الدستورية والعلاقة مع واشنطن. وعلى الضفة المقابلة، تصطدم محاولات إسرائيل فرض الأمر الواقع بحقيقة راسخة: أن مواجهة هذا التجريف الممنهج تتطلب استراتيجية وطنية فلسطينية وعربية جامعة تقوم على دعم صمود الناس وكل القرى والمدن والمخيمات في الضفة الغربية والقدس كخط دفاع أول، والتمسك بانسحاب كامل من قطاع غزة، ورفض أي تثبيت لـ"الخط الأصفر" في جنوب لبنان ، ومواصلة المعركة القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية لاستثمار العزلة الإسرائيلية المتصاعدة والملاحقات القضائية الدولية.
وأياً كانت نتيجة صناديق الاقتراع في أكتوبر، ستظل إسرائيل - إلى حين إقرار إعادة بناء دستورية حقيقية وإنهاء الاحتلال - حبيسة المعادلة ذاتها: قوة عسكرية غاشمة ضاربة ومستنزفة في آن واحد، مأزومة بنيوياً ومؤسسياً، ومعزولة دبلوماسياً، وعاجزة عن ترجمة تفوقها الميداني إلى استقرار سياسي وأمني طويل الأمد.




