إيران والمنطقة واتفاق مكة

أنس وهيب الكرديالجمعة 2026/08/14
فصائل عراقية (Getty)
الفصائل العراقية ترددت في اختبار الخطوط الحمراء الجديدة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

إذن، قررت الرياض، إسلام آباد وأنقرة، إعلان اتفاقهما الدفاعي، مستبقين نتائج المارثون التفاوضي الطويل الذي يعتقد دهاقنة "الحرس الثوري الإيراني" أنهم أدخلوا الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دهاليزه. 

أغرب ما في الاتفاق، تأخره، والخفر في توضيح أهدافه ومقاصده، وتحديداً: ردع "الحرس الثوري الإيراني" عن تكرار استهداف بلدان الخليج العربي ومنشآتها الحيوية. بدا أن المفاوضات التفصيلية حول الاتفاق قد أنجزت منذ مدة، وأن زعماء السعودية، تركيا وباكستان، كانوا يتريثون في الكشف عن الاتفاق في انتظار أي بادرة حسن نوايا تأتي من الضفة الشرقية للخليج العربي. إلا أن متشددي "الحرس الثوري"، وبسعيهم لإغلاق مضيق باب المندب، وتسليط جماعة "أنصار الله" اليمنية (الحوثيين) والفصائل العراقية الولائية على السعودية، أثبتوا أنهم لا يحترمون حسن الجوار، خصوصاً أن تلك الأذرع تجنبت استهداف القوات الأميركية المنتشرة على الأراضي العراقية، أو قصف إسرائيل، التي يعيث جيشها احتلالاً وفساداً في بلدات وقرى جنوب لبنان. 

 

تردد باختبار الخطوط الحمراء الجديدة

أراد متطرفو الحرس الثوري الإيحاء ألا شيء تغيير في المنطقة بعد الاتفاق، وأنهم يستطيعون دفع أذرعهم كما في السابق، لاستهداف أراضي المملكة، وكأن الاتفاق التركي السعودي الباكستاني حبراً على ورق. تولت جماعة "أنصار الله" جس النبض، واللعب على حافة الهاوية من دون الوقوع فيها. وبالرغم من الضربات التي شنتها الجماعة في اليمن وجنوب السعودية، إلا أن "الحرس الثوري" لم يتمكن من تعمية الحقائق، أو إخفاء المشهد الأكثر رمزية، المتمثل في تردد الفصائل العراقية المدعومة إيرانياً، في اختبار الخطوط الحمراء الجديدة التي رسمها الاتفاق من حول الأراضي السعودية، ودعوة أمين عام منظمة "بدر" هادي العامري لتلك الفصائل إلى الامتناع عن الرد على الضربات السعودية الأميركية المزدوجة التي استهدفت مقراتها على الأراضي العراقية، ومبادرته لإطلاق مسار دبلوماسي لتحصيل حقوق القتلى والمصابين الناجمة عن تلك الضربات. 

حتى الإشارة السلمية الوحيدة التي صدرت عن المحور الإيراني حيال دول المنطقة، مؤخراً، لم تفلح في محو عدوانية "الحرس الثوري". اتخذت قيادة حزب الله اللبناني، خطوة عاقلة، تجلت في انفتاحها على الحكومة السورية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، إلا أن هذه الخطوة تأخرت شهراً كاملاً، عن زيارة الوزير أسعد الشيباني إلى بيروت، وما أعلنه من موقف متعال عن الجراح تجاه الحزب. خلال هذا الشهر، تدفقت مياه كثيرة في مجرى النهر؛ نفذت الرياض سلسلة ضربات استهدفت مقرات الفصائل العراقية الولائية رداً على اعتداءاتها على الأراضي السعودية، بينما نجحت دمشق، مدعومةً من قبل تركيا، أوكرانيا، الدول الأوروبية والولايات المتحدة في انتزاع موافقة الكرملين على تقليم الدور الروسي في سوريا وشرق البحر الأبيض المتوسط، ولمصلحة الاستقرار الإقليمي.

 

تعزيز أمن سوريا

عززت هاتان الخطوتان، إلى جانب اتفاق مكة، أمن سوريا، الواقعة في منتصف الطريق بين الرياض وأنقرة، وقلصت قدرة الفصائل العراقية على استهداف الأراضي السعودية والسورية معاً، الأمر الذي ساهم في تشديد عزلة حزب الله العسكرية، والتدهور المتزايد في نفوذه على الساحة اللبنانية. أخيراً، باعدت مذكرة التفاهم السورية الروسية حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، المسافة ما بين طهران وموسكو، وأضعفت قدرة الأولى على إحياء التنسيق الإيراني الروسي في بلاد الشام.

تُظهر التعيينات الأخيرة التي أجراها المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، في قمة الهرمين العسكري والأمني أن القيادة الإيرانية لا تزال مصممة على إحياء هيمنتها الإقليمية على الشرق الأوسط. وريثما يتحقق لـ "الحرس الثوري" هدفه المتمثل في فرض سيطرته على مضيق هرمز سواء بموافقة أميركية أو من دونها، سيجد أن التعاون بين السعودية، تركيا وباكستان، منصب للحد من قدرته على تهديد دول الخليج العربي، والاعتداء عليها، مباشرة أو عبر أذرعه، وللرد على أي تحرك إيراني يستهدف زعزعة استقرار سوريا، لبنان، اليمن، أو أفغانستان.

لطالما أشعلت إيران الثورية الحروب في المنطقة، أو أذكتها لتعظيم مصالحها. واليوم يسعى "الحرس الثوري" إلى إبقاء المنطقة حبيسة صراعات جانبية كي يستعيد نفوذه الإقليمي، إلا أن اتفاق مكة يمثل بداية الرد الاستراتيجي على تلك المساعي، وقد يقود إلى ترسيخ الاستقرار الإقليمي على أوسع مدى، تاركاًً إيران والمناطق التي تحكمها أذرعها عرضة لاستنزاف لا ينتهي، إذا ما أصر الحرس على استراتيجيته الدموية.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث