جيش منهك في حرب إسرائيلية دائمة

حلمي موسىالخميس 2026/08/13
قوات إسرائيلية حدود لبنان Getty
Getty
حجم الخط
مشاركة عبر

يخوض الجيش الإسرائيلي حروباً على عدة جبهات ومنذ حوالي ثلاثة أعوام من دون أن يحقق في أي منها انتصاراً مطلقاً، كما سبق ووعد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو. وإذا كانت هذه الحرب، في الجزء الإيراني منها، قد أنهكت الجيش الأميركي وأفرغت مخازن ذخائره، فإن تردده يضعف عزم الجيش الإسرائيلي على الاستمرار. وليس مصادفةً إن اعتبر البعض زيارة قائد المنطقة المركزية (سنتكوم) براد كوبر إلى إسرائيل ودعوته لإغلاق الجبهات الثلاث في غزة ولبنان وسوريا، نوعاً من التلبية لآمال الجيش الإسرائيلي في وقف الحرب والتفرغ لإعادة بناء نفسه. ويشجع على هذا التقدير، ما تشهده المنطقة والعالم من تحولات واستعدادات لترتيبات ما بعد الحرب، أو تأهب لما يمكن أن ينجم عنها، خصوصا تحالف مكة الثلاثي الجديد وقلق إسرائيل منه.

وبديهي أنه لا يمكن قراءة الوضع فقط من خلال المعطيات المتصلة بالجيش الإسرائيلي، وإنما أيضاً من خلال ربطه بالواقع الإسرائيلي الداخلي. فبعد فترة من الشقاق الداخلي الواسع، يقترب الجميع من معركة انتخابية يرى البعض أنها لشدة استقطاباتها تهدد بحرب أهلية. فاليمين الإسرائيلي الذي تمتع خلال الولاية الأخيرة لنتنياهو بحرية انتهاج السياسة التي يريد يشعر أن النتيجة غير مريحة. فاليمين المتطرف نفض عن نفسه ثياب العقلانية التي وسمت سلوكه في العقود الثلاثة، وغدا أشد كهانية وعنصرية من الحاخام كهانا نفسه. واستخدم هذا اليمين كل الوسائل لإحداث انقلاب معادٍ لليبرالية، ومن أجل ترسيخ رؤيا "أرض إسرائيل الكبرى". وخرج على العقيدة الأمنية الإسرائيلية التاريخية التي تقوم على مبدأ الحرب الوقائية والقصيرة ليتبنى نظرية الحرب الدائمة. وبعد أن طوّر "نظرية الضاحية" و"الرد غير المتناسب" كترسيخ لمبدأ الردع، انطلق نحو إنشاء "أحزمة أمنية" في دول الطوق العربي ولو عبر الإبادة الجماعية.

 

فقدان البشارة

لقد غدت الحرب أمراً روتينياً في إسرائيل حيث أن من التحق بالخدمة الإلزامية في الجيش سوف ينهي سنواته الثلاث ويبقى من دون تسريح. كما أن القوات الاحتياطية، وهي العامود الفقري للجيش الإسرائيلي، يخدم أفرادها مئات الأيام في العام، وليس 40 يوماً كما كان معمولاً به. ولذلك لم يكن صدفة أن تتزايد هجرة الشباب والأدمغة من إسرائيل خلال أعوام الحرب وبشكل يزداد إقلاقاً لقادة الدولة السياسيين والعسكريين والتعليميين. فإسرائيل التي بُنيت أساساً على الهجرة من بلدان العالم، تجد نفسها كخزان معرض للنضوب بعد أن تردت علاقاتها مثلا مع يهود الشتات، خصوصا في أميركا. وإسرائيل صارت "منبوذة" حتى في نظر من كانوا يرون فيها "منارة" وقدوة "لأغيار" وتكاثر اليهود الذين يعلنون انفصامهم عن مرتكبي "الإبادة الجماعية" والجرائم ضد البشرية.

وعلى الرغم من أن الحرب تُسكت أصوات المعارضة في إسرائيل، إلا أن هذا الصوت بدأ يرتفع ولو همساً في الحلبة السياسية والفكرية. فالمواقف التي بات يُفصح عنها إعلاميون ضد عربدة المستوطنين في الضفة الغربية، وضد تغول اليمين الكهاني على كل من ينتقد الإجرام، صارت أكثر وضوحاً من ذي قبل. وبدأ البعض، سواء بالهجرة من إسرائيل أو بانتقاد إجرامها، يتساءلون عن جدوى تطبيع وضع الحرب الدائمة واعتبارها قدراً من دون أي محاولة لكسر هذه الدائرة المفرغة. ويصعب على إسرائيل في ظل الموقف الدولي، البقاء كما كانت، حيث أنها باتت على منحدر لزج نحو المقاطعة السياسية والثقافية والاقتصادية. ولهذا تزايدت الدعوات لصمت دوي المدافع وبدء طرح الأسئلة الصعبة عن كيفية فتح حرب على سبع جبهات والتباهي بذلك. فقليلون من يحملون كلام نتنياهو محمل جد عندما يتحدث عن النصر من دون تجاهل حجم الإنجازات العسكرية، والتي لم تجد لها ترجمة سياسية. وكثر من يرون أن إسرائيل هُزمت في إيران كما يُفهم من اتفاق ترامب، وفي غزة التي ستُدار من جانب مجلس السلام، وحتى في لبنان. 

 

تخبط الجبهات

كتب ران أدليست في صحيفة "معاريف" أن "الحكومة تدير حالياً نحو عشر جبهات قتالية. على الصعيد العسكري - لبنان، سوريا، قطاع غزة، إيران والضفة الغربية؛ وعلى الصعيد المدني - الصراع في الأنظمة القانونية والإعلامية والتعليمية، وفي أوساط الرأي العام الليبرالي الديمقراطي، وفي سبيل الحقيقة كأساس للحياة. هدف هذه الحروب هو إنقاذ المدنيين من المحاكمة، والحفاظ على الائتلاف، والتطهير العرقي في الضفة الغربية، وإقامة دولة تقوم على الشريعة اليهودية (الهالاخاه) وعاصمتها القدس إلى الأبد، وبناء الهيكل في قلبها". ولاحظ أن "سياسة الحكومة دفعت الجيش نحو خوض حروب لا أمل له بالفوز في أي منها. إن دخوله بفرق مدرعة إلى مراكز السكان المدنيين، وتدمير سبل عيش قرىً بأكملها، يضمن عودة جمهور ناقم، وعوائد ضئيلة، وإفلاس أخلاقي على الصعيد العالمي، نتيجة للفصل العنصري، والإبادة الجماعية، والتطهير العرقي، ومشاهد مروعة من الأنقاض والجثث المتعفنة. هذا ما يراه العالم".

واعترف المراسل العسكري في صحيفة "يديعوت" أليشا بن كيمون، بأن الجيش الإسرائيلي يعيش هذه الأيام توترات كبيرة جراء تغيير الأوضاع في مختلف الجبهات، ما يستدعي درجة عالية من التأهب. فالجبهة الإيرانية الممنوعة على إسرائيل حالياً من جانب أميركا، لا تزال مفتوحة على احتمالات الصدام ولو مع إسرائيل منفردة. والجبهة اللبنانية أقرب إلى قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في كل وقت وتتطلب تنسيقاً متواصلاً مع أميركا للحفاظ على اتفاق وقف النار. ويتعامل الجيش الإسرائيلي مع الوضع في جنوب لبنان تعامله مع حافة الهاوية، خصوصاً وأنه لا يثق بفرص نجاح البرنامج التجريبي. ويبدو التخبط جلياً في الموقف من قطاع غزة في ظل المحاولة الأميركية لفرض مشروع مجلس السلام ومترتبات عربدة المستوطنين في الضفة. وما يضايق الجيش أكثر من أي شيء آخر، شعوره بأنه يفقد مع الحضور الأميركي حرية العمل التي كان يمتلكها في الماضي.

 

إنهاك وتكلفة

وفق يوريم كاتز في "زمان إسرائيل"، زادت أعباء الخدمة الاحتياطية في الجيش الإسرائيلي وبلغ متوسطها  مئتي يوم في العام 2024، وبديهي أن هذا مثقل جداً ليس فقط على الجيش وإنما كذلك على المجتمع والاقتصاد الإسرائيلي برمته. فحسب ديوان المحاسبة الإسرائيلي، جرى في الشهور العشرة الأولى استدعاء 318 ألف جندي للخدمة الاحتياطية، وبلغ إجمالي أيام الاحتياط حوالي 35 مليون يوم، أي 20 ضعف متوسط الأيام العادية. ورغم تراجع نسبة تجنيد الاحتياطي، إلا أن الوضع لا يزال بعيداً عن عودته إلى ما كان عليه قبل 7 أكتوبر. 

وبديهي أن هذا استنزاف متراكم يلحق الضرر بقدرة الجيش الأساسية على العمل على المدى الطويل، لدرجة أن البعض يعتبر ذلك "خطراً وجودياً" بحد ذاته. وهذا ما حذّر منه رئيس الأركان ذاته، الجنرال إيال زامير، عندما قال: "سينهار جيش الاحتياط على نفسه... إذا لم يحدث تغيير، فلن يتمكن أفراد الاحتياط من تحمّل العبء في السنوات المقبلة". ولكن حكومة نتنياهو، عبر سياساتها، لا تعترف باستنزاف الجيش وتعد فقط بتخصيص مليارات الدولارات في السنوات المقبلة لترميم هذه القوات. وفي المقابل يرى قادة عسكريون حاليون وسابقون وجوب الارتكاز إلى حلول سياسية لمنح الجيش متنفساً حقيقياً. وما يزيد الطين بلة في نظر الكثيرين، هو اختلال تقاسم الأعباء، حيث تقبل الحكومة بإعفاء الحريديم من الخدمة العسكرية ما يزيد من العبء على الآخرين. 

وعن تكلفة الحرب الجارية، تراوحت التقديرات الأولية بأنها تزيد عن مئة مليار دولار. ولكن الحرب لم تحقق النتائج السياسية المطلوبة إسرائيلياً ما جعل منها حرباً مستمرة. وإذا كانت ميزانية الدفاع الأخيرة للجيش الإسرائيلي بلغت 180 مليار شيكل (حوالي 60 مليار دولار)، فإن هذه الميزانية في السنوات المقبلة لن تكون أقل. بل أن نتنياهو تعهد بإضافة 400 مليار شيكل (حواي 130 مليار دولار) إلى ميزانية الجيش في العقد المقبل. وواضح أن هذه التكاليف تأتي على حساب الصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي وهو ما يبرر في نظر كثيرين تعاظم دوافع الهجرة إلى الخارج. وفضلاً عن مقتل حوالي 1200 جندي ورجل أمن إسرائيلي خلال الحرب وإصابة ما لا يقل عن 20 ألف جندي، تزايدت حالات الانتحار وتردت الحالة النفسية في الجيش والمجتمع على حد سواء. 

وربما ولهذا السبب تبدو إسرائيل مرتبكة في تعاملها مع الإملاءات الأميركية بشأن وقف الحرب على مختلف الجبهات، فتقول غير ما تفعل. ويرى خبراء أن إسرائيل بالرغم من ما تبديه من معارضة لأميركا في غزة ولبنان وسوريا، توافق في الواقع على مبدأ تجميد الوضع في الجبهات. فمثل هذا الوضع يفسح المجال لها لتمرير الوقت إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والنصفية الأميركية حتى تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث