لم يكد 70 ألف مهاجر يتدفقون يوم الخميس 30 يوليو/ تموز الماضي، إلى مدينة سبتة التي تحتلها إسبانيا منذ 1668، حتى راح زعماء وناشطون وشعبويون، يحمّلون مدريد وبيدرو سانشيز رئيس حكومتها، مسؤولية هذا الاختراق، الذي وصفه البعض بنبرة عنصرية بـِ "الغزو"، وتهديد أمن القارة. لم يتريثوا بانتظار نتائج التحقيقات الأولية قبل إطلاق أحكام جازمة لأن ما يقلقهم، كان أبعد من سبتة، في قارة بات الأكثر عنصرية فيها يحرك الشارع ويمثل تهديداً وجودياً لكل ما عداه.
ما وراء الأكمة
ليس من قبيل المبالغة القول إن مقياس نفوذ المجموعات التي تتصدر المتطرفين، يضبط إيقاع مواقف أحزاب اليمين والوسط من الهجرة التي تحولت إلى "أم المشاكل" على أيدي شعبويين لا يهمهم الحل، بقدر ما تعنيهم كيفية استغلال المشكلة. ومن غير المفاجئ أن روما تراجعت في غضون أيام عن إشادتها بتعاطي مدريد "السريع والفعال" مع أحداث سبتة، وأعلنت تشبثها بقرار تجميد اتفاقية شنغن مع إسبانيا.
فالجنرال روبرتر فاناتشي وحزبه الجديد "المستقبل الوطني" الأكثر يمينية وشعبوية من أحزب الائتلاف الحاكم، يزداد قوة يوماً بعد يوم. وأجبر ذلك رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني منذ أشهر على نزع "قناعها" الليبرالي و"العودة إلى جذورها الفاشية" على حدّ تعبير صحيفة "بوليتكو". فبعدما خسرت استفتاءً مهماً في وقت غير بعيد، باتت مضطرة إلى منافسة فاناتشي على أجندته المتطرفة لتفادى هزيمة ساحقة في انتخابات العام المقبل.
و"البراغماتية" ليست حكراً على اليمينين. رئيسة وزراء الدنمارك الاشتراكية مته فريدريكسن، يُؤخذ عليها أنها تتبنى موقفاً صارما من الهجرة لأنها تحسب ألف حساب لحزب الشعب الدنماركي اليميني المتطرف. وقد طالبت أخيراً بطرد إسبانيا من اتفاقية شنغن وأيدت موقف ميلوني الجديد، الذي يلتزم زعماء أوروبا الصمت حوله، حتى الان!
صناعة "الغزو"
وكانت ميلوني سبّاقة إلى الدعوة لإلغاء عضوية إسبانيا في شنغن. ووقعت هي وواحد وعشرين زعيماً أوروبياً عريضة للتنديد بسياسة الهجرة التي تتبعها لأنها برأيهم "جاذبة للمهاجرين". وأثناء ذلك، ظل الاعلام يبث أخباراً تشوه أو تغفل معطيات مهمة، وواصلت "السوشال ميديا" ضخّ القصص "المشبوهة".
وتسابق قادة اليمين الشعبوي، كرئيسة حزب البديل الألماني أليس فايدل وزعيمة حزب التجميع الوطني الفرنسي مارين لو بان وزعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج، على التحذير من أن المهاجرين في طريقهم إليهم، مع أن الاتحاد الأوروبي أكد أن أياً من "الغزاة" لم يطأ القارة كلها.
معروف أن لكل منهم منافس جسور، إلى يمنيه، يلاحقه كظله. لكن كان الأجدر بهم أن يقولو شيئاً آخر، لأن أياً من بلدانهم لا يشترك بحدود مباشرة مع إسبانيا، التي تفصلها آلاف الكيلومترات عن سبتة "المغربية"، ولا يمكن الانتقال بينهما إلا بحراً عبر مراكز التفتيش!
سانشيز المختلف
مع ذلك، بقي الشعبويين، ومن يخافونهم، يرفعون الصوت ضد مدريد لأن فرصة نادرة سنحت لإضعاف الزعيم الاشتراكي المختلف عنهم ومعهم بشدة، وأيضاً الظهور بمظهر المتشدد مع الهجرة لسحب البساط من تحت خصوم مؤثرين أكثر تطرفاً.
كان "غزو" سبتة، مقلقاً ولا سيما بسبب العدد الكبير للوافدين وسقوط العشرات منهم. لكنه لم يكن فريداً. تعرضت إيطاليا لمثله مرات جازفت في إحداها (2018) بحياة 629 مهاجراً، فسارع سانشيز لاستضافتهم.
ورئيس الوزراء الإسباني ليس ملاكاً. أثيرت تساؤلات حول "نظافة" بعض كبار مساعديه، وزوجته وأخيه، من دون أن يثبت حتى الآن تورطهما في المخالفات المنسوبة إليهما، ربما افتراءً. ويؤخذ عليه أنه لم يستطع معالجة مشكلة البطالة كما أن مستوى الإنتاجية في البلاد منخفض.
إلا أنه حقق الكثير من النجاح. فاقتصادها صار الأسرع نمواً في أوروبا، بنسبة تعادل ضعف أو ثلاثة أمثال نسبة النمو في الدول الأخرى. وسبقت دول القارة، ما عدا النروج، في مجال الطاقة المتجددة. ووحده، بين زعماء أوروبا وحلف الناتو، تصدى لإملاءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب. رفض رفع الإنفاق الدفاعي، ولم يسمح لأميركا باستخدام القواعد العسكرية الإسبانية في حربها على إيران. واعترف بدولة فلسطين كما شجب بشجاعة استثنائية إسرائيل وحرب الإبادة التي تشنها.
لهذه المواقف ثمنها، ولعل بعض الأوروبيين، يريدون إرغام سانشيز على دفعه، إرضاء لترامب الذي وصفه بـِ "الشيوعي"! غير أن لهم خلافاتهم معه ولا سيما حول الهجرة التي حوّلها إلى "نعمة"، تعود بالفائدة على الاقتصاد الوطني وعلى الأجنبي المكافح، وهذا ما يفنّد مزاعمهم بأنها "نقمة".
إعادة الكرّة
تهويل الأوروبيين قد يقوي شوكة عصابات الإتجار بالبشر، وعناصر خارجية يقال إن أبرزها كانت الاستخبارات الروسية والموساد، التي ساهمت في تدبير " الغزو" من خلال بثّ الأكاذيب حول عدم قدرة مدريد على إعادة المتسللين بسبب قرار أصدرته المحكمة الاسبانية أخيراً.
والتشرذم ربما يعطي المجرمين فرصة لاستنساخ التجربة في دول أخرى أو قد تكون مليلة "الاسبانية" في مهدافهم، فهم يستغلون خلافات الضحايا للفتك بهم. لذا يجدر بالدول الأوروبية بعدما فضحت سبتة هشاشة علاقاتها أن تتضامن مع إسبانيا لأن الآتي قد يكون أعظم.




