يعقد مجلس الأمن الدولي غداً الثلاثاء، جلسة خاصة لمناقشة الأوضاع في الضفة الغربية، في ضوء تصاعد ممارسات وجرائم جيش الاحتلال والمستوطنين هناك. وتعقد الجلسة بالتزامن مع انسحاب الجيش من مخيم قلنديا وبلدة كفر عقب شمال القدس، بعد اقتحام استمر ثلاثة أيام تقريباً، وفي ضوء تهديدات وزير الحرب يسرائيل كاتس بنقل نموذج-جريمة "القتل والتدمير والتهجير" في جنين وطولكرم ونور شمس إلى ثلاثة مخيمات أخرى بالضفة، وكان يجرى الحديث تحديداً عن قلنديا وبلاطة والجلزون.
غير أن رد الفعل الدولي، والافتقاد إلى عدد كافٍ من الجنود في ظل الاستنزاف على جبهات عدة، والأهم عدم وجود مبرر في ظل غياب المقاومة المسلحة بالضفة، مقابل انتشار أنماط وأشكال مختلفة من المقاومة الشعبية، يعيق تكرار هذا النموذج. وفي مخيم قلنديا، يوزع شباب المخيم الخبز والمياه على المحاصرين، كما يشجع والد فلسطيني طفله على الثبات والصمود وعدم الخشية أو التأثر من أرتال جيش الاحتلال في المخيم.
نموذج جنين وطولكرم
إذن، يعقد مجلس الأمن الدولي جلسة خاصة الثلاثاء لمناقشة الأوضاع في الضفة الغربية، في ظل ارتفاع جرائم جيش الاحتلال والمستوطنين وخطط التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والممتلكات، مع إنهاء الجيش عملية عسكرية في مخيم قلنديا وبلدة كفر عقب المجاورة شمال القدس استمرت ثلاثة أيام تقريباً، وأدت إلى إصابة واعتقال وإجراء تحقيقات بحق مئات من أبناء المخيم، لكن دون نجاح في تكرار نموذج-جريمة جنين وطولكرم ونور شمس في المخيم أو مخيمات أخرى بالضفة الغربية، وتحديداً بلاطة قرب نابلس والجلزون قرب رام الله.
للتذكير، كان جيش الاحتلال قد اجتاح، وبشكل متزامن، في آب/ أغسطس 2024، مخيمات جنين وطولكرم ونور شمس شمال الضفة، وقام بتدميرها بشكل كبير وتهجير أهلها، نحو 40 ألفاً تقريباً، ومنع عودتهم أو حتى السماح لوكالة "أونروا" والسلطة الفلسطينية بإعادة إعمارها، مع مصادرة أراضٍ مطلة بحي الجابريات بجنين منذ أسابيع لإحكام السيطرة التامة على المخيم والمدينة والمنطقة بشكل عام.
تذرع جيش الاحتلال آنذاك بوجود مجموعات مقاومة مسلحة في تلك المخيمات، علماً أنه تباهى علناً باستنساخ نموذج-جريمة غزة فيها، مع التذكير الضروري بجرائم الإبادة والقتل والتدمير والتجويع والتهجير هناك، التي تعتبرها الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية مرموقة جرائم حرب وضد الإنسانية، وتنظر فيها محكمة العدل الدولية، بينما أصدرت نظيرتها الجنائية مذكرات اعتقال ضد مسؤولين إسرائيليين سياسيين وعسكريين، في مقدمتهم رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، بالتهم نفسها.
الدعوة العلنية من وزارة الحرب، أو للدقة وزير الدولة فيها يسرائيل كاتس، بتكرار نموذج-جريمة غزة في مخيمات جنين وطولكرم، ثم نموذج هذه الأخيرة في مخيمات أخرى بالضفة الغربية، علماً أن نتنياهو هو المتحكم الفعلي بالوزارة والدولة العبرية والمسؤول عن جرائمها، بما في ذلك الدعوة الأخيرة، تقف خلفها عوامل سياسية وعسكرية، على رأسها الانتخابات العامة القادمة واستثمار الدم الفلسطيني لتحقيق مكاسب سياسية وحزبية فيها.
إلى ذلك، ثمة أسباب وأهداف أخرى وراء عملية قلنديا الأخيرة والتهديد بعمليات مماثلة في مخيمات أخرى بالضفة الغربية، منها التغطية على واقع الاحتلال نفسه ونفي حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، أياً كانت أشكالها وأساليبها، وتجريمها في سياق قلب الصورة وتحويل الجلاد إلى ضحية.
ضمن الأهداف نرى محاولات لتسويغ جرائم المستوطنين، 3488 اعتداء خلال النصف الأول من العام الجاري 2026، المدججين بالسلاح والمحميين من القيادتين العسكرية والسياسية، ووضعها في خانة الرد على مقاومة الشعب الفلسطيني، لا مظهر من مظاهر الاحتلال غير الشرعية.
ثمة أهداف استيطانية أخرى للعمليات العسكرية بالضفة الغربية ومخيماتها، منها تمهيد التربة أمام مشاريع توسعية، خاصة في قلنديا وشمال القدس، لفصل المدينة عن محيطها البشري والجغرافي بالضفة.
حدود القوة العسكرية
بالعموم، أكدت العملية الأخيرة في قلنديا حقيقة أن فرصة تكرار نموذج-جريمة جنين وطولكرم في مخيمات أخرى تواجه عدة عوائق، منها الافتقاد إلى عدد كافٍ من الجنود في ظل الاستنزاف على جبهات أخرى، ورفض أي حلول سياسية ودبلوماسية قائمة على الشرعية الدولية في غزة وفلسطين عموماً، كما سوريا ولبنان كذلك.
في المعوقات، ثمة تحفظات داخل جيش الاحتلال لانتفاء الحاجة والدوافع العسكرية للعمليات بالضفة الغربية، مع تحذير من الانفجار واندلاع انتفاضة شعبية عارمة بمواجهة انفلات المستوطنين وسياسات وممارسات الدولة العبرية بالضفة، بما في ذلك المحاولات المستمرة لتحجيم وإضعاف السلطة والنيل من هيبتها وقدرتها على ممارسة مسؤوليتها تجاه مواطنيها.
إضافة إلى ما سبق، الافتقاد إلى ذريعة وجود مقاومة مسلحة، وقدرة جيش الاحتلال على اقتحام المخيمات وقتما شاء، حيث يواجه مقاومة شعبية موصوفة تظهر مشهد الجلاد والضحية على حقيقته دون تزوير أو تزييف.
في الأسباب المانعة كذلك موجة الرفض الدولي والأميركي تحديداً لتوسيع العمليات العسكرية بالضفة الغربية، لتداعياتها السلبية على جبهات أخرى، حيث تسعى الإدارة الأميركية إلى التهدئة والحلول السياسية والدبلوماسية فيها، حتى مع أخذ مصالح إسرائيل بعين الاعتبار، لكن دون دعم الخيارات العسكرية والحربية المنفلتة للحكومة الأكثر تطرفاً، التي تواجه عزلة دولية متزايدة، بما في ذلك داخل أميركا نفسها.
مرتبط بهذا العامل الخارجي تكمن رغبة نتنياهو بالمقايضة تجاه إيران ومشروعها النووي، التي يعتبرها الملف المركزي، رغم انتقادات سياسية وإعلامية وحتى عسكرية في تل أبيب تعتبر أن القضية الفلسطينية هي التحدي الأساس والمركزي، وحتى الوجودي، أمام الدولة العبرية وسبب عزلتها الدولية المتفاقمة.
دولياً، تبرز كذلك المواقف الأوروبية الرافضة للممارسات والسياسات الإسرائيلية بالضفة الغربية، مع فرض عقوبات على وزراء في الحكومة وقادة المستوطنين، ومقاطعة بضائع المستوطنات، والتهديد بمراجعة اتفاق الشراكة التجارية، ولو في بعض جوانبه، تحديداً مشروع "هورايزون" العلمي الحيوي والاستراتيجي للدولة العبرية.
في الأخير، ستحضر المعطيات والحقائق السابقة في جلسة مجلس الأمن الدولي ومداخلات المتحدثين، مع استنتاجات وخلاصات واضحة وضرورية تفيد بوجود حدود للقوة العسكرية الإسرائيلية، بينما لا حدود للصمود والعناد الشعبي الفلسطيني، كما رأينا ونرى في قلنديا والضفة الغربية، رغم الاختلال الهائل في موازين القوى.




